اقتران البطولة الحربية بالبطولة الجنسية كأني لم أركب جوادا للذة د.
علي الصكر ‘اللغة انعكاس للفكر. أنها رموز صوتية تخلقت وتشكلت وفق ظروف مجتمعية فكرية خاصة بكل لغة وبكل مجتمع ومن هنا تتمايز الثقافات وتختلف اللغات). يعقب الزميل د. عبد الله الدوسري (أكاديمي سعودي متخصص في الصوتيات اللغوية’ على مقالي السابق بعنوان ‘انحياز اللغة جنسيا’ في “القدس العربي” 15 أكتوبر 2011، الذي عرضت فيه لمقالات لباحثين في النسوية مفادها أن اللغة ـ عموما – تكيل بمكيالين لصالح الرجل.
وتوافقا مع رأي الزميل الدوسري سأدلف ـ هذه المرة ـ من موضوعة الظروف المجتمعية والفكرية الخاصة بكل لغة ومجتمع (مما يقع ضمن منطقة اشتغال علم اللغة الاجتماعي) لأسجل ملاحظة ـ ليس إلا ـ عن الإشارة اللغوية للمرأة في الشعر العربي الجاهلي، حيث تحدثنا الأخبار أن الأمير سيف الدولة الحمداني كان يسمر في مجلسه مع جمع من الشعراء والنقاد كعادته فذكر قول امرئ القيس الشهير كأني لم أركب جوادا للذة ولم أتبطن كاعبا ذات خلخال ولم أسبا الزق الروي ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفالفتساءل الأمير أما كان الأجدر بالشاعر أن يبدل عجز البيت الأول بالثاني فيقول:
كأني لم أركب جوادا للذة ولم أقل لخيلي كري كرة بعد إجفال ولم أسبا الزق الروي ولم أتبطن كاعبا ذات خلخالوكان شاعر العربية الكبير أبو الطيب المتنبي حاضرا فانبرى للدفاع عن زميله الشاعر الجاهلي قائلا: أصلح الله الأمير، انما أراد الشاعر أن يقرن لذة ركوب الخيل بلذة معاشرة النساء، وأن يقرن لذة شرب الخمر بالبلاء عند الحرب. فاستحسن الأمير ـ والحاضرون ـ رأي أبي الطيب وطربوا له. ولا شك أن المتنبي قد أفلح تماما في تأويله الحاذق المستند إلى خبرته وفهمه العميق للعقلية العربية الجاهلية المحتفية بالفخر بكل أنواعه ومظاهره. وإذ ينتهي الخبر يبدأ تساؤلنا ـ بل استغرابنا ـ من الرواية الشهيرة التي تداولها رواة أخبار الأدب والنقاد القدامى وقرأها المحدثون دون توقف أو استهجان للإشارة اللغوية المهينة للمرأة فيها المتمثلة في ورود الفعلين أركب: الجواد الدال على الفروسية وأتبطن: الفتاة الدال على الإباحية في ذات السياق الشعري. فإذا كانت اللذة تتحقق لدى الشاعر عند قيامه بالفعلين فان الجواد سيصبح ـ بالتالي ـ نظيرا معنويا للفتاة وتكون العلاقة الدلالية بين المفردتين علاقة تبادل وترادف فكلاهما موضوع للركوب ومصدر للذة. سنلاحظ أيضا ورود مفردة (جواد) بصيغة التنكير لتشير إلى عدد كبير من الحياد لا يستطيع الشاعر تحديده بالضبط وبالتالي فان (كاعب) المنكرة تشير إلى عدد غير محدد من الكواعب فالشاعر الفارس ـ متمرس في ركوب الحياد بدرجة لا تقل عن تمرسه في (تبطن) الكواعب.
يحفل الشعر العربي الجاهلي بعدد كبير من الصور المماثلة التي تقرن البطولة الحربية بالبطولة الجنسية تكون فيها المرأة أحد أضلاع المثلث النمطي المعروف جيدا لدى المعنيين بالشعر الجاهلي (الحماسة ـ الخمر ـ المرأة) ونستطيع تأويل تلك الصور بما تحمل من بلاغة فريدة كما فعل أبو الطيب ضمن الإطار العام لمفهوم الفروسية الذي يحتل موقعا متميزا في الوعي الجمعي القبلي مع الإقرار بان هذا التصوير قد لعب دورا مؤثرا في صياغة مفهومية للمرأة في العقل العربي ـ سيكون على النسويين إنكارها بشدة ـ إذ أنها لا تنتمي إلى الواقع المعاش ظرفيا قدر انتمائها إلى الخيال الجنسي الشبقي الذي قد ينتج ـ أصلا – عن الحرمان، فتقاليد القبيلة الصارمة قبل خمسة عشر قرنا لا تسمح بمثل المشاع الجنسي الذي يتغنى به امرؤ القيس ومعاصروه حسب علمنا بل تحرص على العفة إلى حد التقديس.
سنلاحظ ـ وباستغراب مرة أخرى ـ عند الإشارة ـ مجازا واستعارة ـ أن الرجل سيحظى بأكثر الصفات ايجابية وخطورة عند الحيوان فهو شبل وليث وضرغام وهزبر وذئب…. الخ بينما يكون نصيب المرأة الإشارة السلبية فيشار إليها في سياق المديح كفرس (مع اقتران شرطي بالفارس: الرجل) أو ناقة (تغزلا بطول جيدها). يؤمن ويبرهن المختصون في الأدب الجاهلي أن مثل هذه الإشارات اللغوية تبدو مبررة ومنطقية تماما ضمن إطارها الفكري وسياقها الظرفي، أما نحن فسنختم بالتساؤل كيف يمكن تبرير إشارات أكثر سلبية تجاه المرأة – ترد في نصوص يكتبها أدباء ما بعد الحداثة تتفوق في (ايروتيكيتها) على نص الشاعر الجاهلي امرؤ القيس؟ [email protected]