لا يأتي مفهوم المواطنة كحالة طارئة على الانسان/ المواطن، بل هو مفهوم يتبلور ويأخذ شكله الحضاري والانساني في سياق حركة مجتمعية نشطة، ويبنى على ارهاصات متراكمة عبر سنوات، ضمن تحولات في حركة التاريخ لاستنهاض مكنونات الذات عنده لصياغة منظومة من السلوكيات والمبادئ القادرة على استنزاف ايجابياته لتشكل فيما بعد مفهوما راقيا للمواطنة.
والمواطنة بمفهومها السياسي والقانوني والاجتماعي هي علاقة انتماء من الفرد / المواطن تجاه الدولة/ الوطن، بمعزل عن مفهوم الولاء للحاكم او السلطان الذي هو بنهاية الامر كائن قابل للفناء لكن الوطن خالد، فهي علاقة مصير بين مكوّنات الفرد / المواطن، وبين الوطن/التراب، فالمواطنة قيمة وممارسة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، تمارس على الارض بالأفعال لا بالأقوال ولا بالأهازيج والاغاني، تحت مظلة الدستور والقانون والعدالة.
ان ترسيخ مفهوم المواطنة بين جميع أبناء الوطن، بغض النظر عن جنسيته الاصلية أو مكان اقامته أو قوميته أو دينه أو لغته أو أي شكل آخر، هو الخيار الوحيد أمام الدولة / أي دولة لتنتج وطنا. وهي (المواطنة) صمام أمان لحفظ الهوية الوطنية من الانسلاخ والضياع والتفتت، اذا ما مورست وطبقت على الجميع بعدالة، كي يعيش المواطنون بسلم أهلي رافعته الرئيسية تقبّل الاخرين مهما كانت ألوانهم ومشاربهم، والابتعاد عن ثقافة الاقصاء والتهميش والتخوين في كل شيء، لأن الوطن لا يبنى الا على المواطنة الصالحة الحقة.
إن حركة التاريخ مستمرة، ومن سنن الله التغيير فليس هناك من ثابت الا ما هو ثابت، ومن هذه الحركة تنبت وتبنى وتربى المواطنة، لنكون جميعا تحت لوائها لنا حقوق وعلينا واجبات، وليس لاحد من امتيازات الا بمقدار ما يعطي للوطن، ولا مجال لمحاباة أي فرد على آخر ولا لفئة على أخرى، لأنه حينها نستطيع أن نكوّن دولة / وطنا ديموقراطيا له ديمومة واستمرارية، وبدون مفهوم المواطنة الكل خاسر، وكلنا سيبكي على أحبة قد نفقدهم بلحظة اذا ما خلطنا ان كل الوطن لي ولبقية اهلي وعشيرتي، واذا ما اصابنا عمى ما بين مفهومي الانتماء والولاء، وما بين إما أنا أو الوطن، فحينها سنكون كلنا شركاء في الدموع، والبكاء والحسرة على ما ضاع منا من وطن ومواطنة.
علام منصور [email protected]