محمد عبد الحكم دياب
وكما ذُكر من قبل كان خطاب زوارة في نيسان/ابريل 1973 البداية الفعلية لتربع القذافي على عرش السلطة منفردا؛ لا ينازعه فيها أحد. وكان بداية للنرجسية وعبادة الذات، التي نمت شيئا فشيئا. وكان طبيعيا أن يرتبط ذلك بتحقير الشعب والتقليل من شأنه، ووصل الأمر إلى حد الإدعاء بأن ما يقوله أكبر من مستوى الليبيين، ويصلح مع بلاد متقدمة كالدول الاسكندنافية.. ومع تلك البداية تم التركيز على تفخيم ما في ‘الكتاب الأخضر’، الذي ظهر في 1976 بعد ثلاث سنوات من بداية الكلام عن ‘النظرية العالمية الثالثة’ وهو ما خلق التباسا لدى البعض، الذين طابقوا بين لحظة ظهور ‘النظرية’ وصدور الكتاب الأخضر في ثلاثة أجزاء؛ أولها خاص بالديمقراطية، وعلى أساسه أعلنت ‘وثيقة قيام سلطة الشعب’. وجاء التعامل مع ما ورد في ‘الكتاب الأخضر’ بذلك الشكل لتعظيم الذات ووضعها في مكانة ‘فوق بشرية’. وفاقم هذا التفخيم من نظرة القذافي إلى نفسه، فكثيرا ما كرر أنه أتى بخلاصة الفكر الإنساني، وأضفى على كتابه وكلامه عصمة ليست فيه.. وعمل على أن تنعكس هذه العصمة عليه هو الآخر.. وارتدى ثوب الفقيه والمفكر والأديب والعالم والمثقف، وظهرت له فتاوى ونظريات وروايات وكتابات؛ واستأجرت أجهزته مفسرين ومدافعين من تجار الكلمة ومدعي المعرفة ومداحي الملوك والقادة، ليرفعوا مقام تلك الكتابات إلى مصاف الكتب المقدسة.
وكانت وجهة نظر بعض ممن أعرفهم أن ما جاء في ‘الكتاب الأخضر’ أقل من المستوى العادى للكتابة؛ من ناحية اللغة والصياغة وبناء النظرية، التي لم يحمل منها شيئا، فمن المعروف أن النظرية؛ سواء كانت في مجال العلوم الطبيعية أو في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية لها مواصفات وشروط وأصول ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بـ’الكتاب الأخضر’، وسوف نفصل ذلك مستقبلا.
ومن تفخيم ما جاء في ‘الكتاب الأخضر’ أخذ تعظيم دور القذافي في التصاعد، وكان من الممكن أن يكون ذلك طبيعيا إذا ما كان إشادة بما قام به مع رفاقه في إحداث عملية تغيير كبرى في ليبيا؛ نقلتها من ملكية تقليدية إلى جمهورية 1969، وفي تبني قضية الوحدة العربية، والدعوة لـ’قومية المعركة’ لتحرير الأرض العربية المحتلة بعد 1967، ومع أن القذافي كان قابضا على زمام الأمور بكل قوة، لكنه ادعى بأنه لا يحكم، ودون سلطان أو سلطة، واستمرأ القول بأنه ليس ملكا ولا رئيسا ولا حاكما، ثم انتهى ملكا لملوك افريقيا وعميدا للرؤساء العرب وإماما للمسلمين. كان الهدف واضحا هو وضع نفسه فوق الحساب، ويبدو أن أول من استفزه هذا الأمر، كان عضو مجلس قياد الثورة ووزير البحث العلمي عمر المحيشي، ورغم أن خلافات القذافي مع رفاقه بدأت مبكرا، وكان وجود عبد الناصر يمنع من تفاقمها، وبعد وفاته لم تجد من يحد منها، وبدأ انسحاب زملائه واحدا واحدا، إلا أن المحيشي بدا عنيدا، وظهر ذلك في ندوة كان يحضرها المفكر والفقيه القانوني الراحل عصمت سيف الدولة في 1974 وتحدث فيها عمر المحيشي وحدثت مشادة؛ انسحب بسببها د. سيف الدولة من القاعة.
وقد شاع في ذلك الوقت أن وصول الخلافات إلى تلك الحدة يعود إلى استقطاب حاد حدث في تلك الفترة بين جناحين في السلطة الليبية؛ أحدهما له تأثير كبير في الإعلام والصحافة، ويجد تأييدا وسندا من مقيمين سوريين وعراقيين وسودانيين؛ من الملتزمين بخط سيف الدولة، وبعضهم حمل لواء الدعوة لـ’النظرية العالمية الثالثة’ أولا ثم الدعوة لـ’الكتاب الأخضر’ بعد صدوره.. ومقابله جناح آخر يتحفظ على ذلك الخط؛ وهو جناح تعددت فيه المشارب، وبعضه يتحفظ على الخط الناصري أيضا. وعمر المحيشي الذي رفع لواء التمرد على القذافي مبكرا، كان أقرب الضباط الوحدويين الأحرار إلى فكر ‘حركة القوميين العرب’، وبدا متحفظا على تياري سيف الدولة وعبد الناصر في داخل ليبيا وخارجها. وفي ربيع 1975 دعيت للقاء معه في مكتبه بوزارة البحث العلمي؛ ضمن مجموعة صحافيين وكتاب وإعلاميين عرب – ليبيين وغير ليبيين – وتحدث الرجل مطولا عن تحديات تواجه ليبيا وتواجه الأمة العربية، وضرورة الوعي بها والعمل على مواجهتها، ولاحظنا أنه كان مرهقا ومتعبا وكأنه لا يأخذ قسطه الكافي من النوم.. وتمنى تكرار اللقاء بشكل دوري.
ولم يكن فينا من يعلم مغزى ذلك الاهتمام المفاجئ بتلك المجموعة، وكان بعضهم محل شك من قبل مراجع عليا بالنسبة لسلامة الموقف من ‘النظرية العالمية الثالثة’ من وجهة نظر تلك المراجع، ولم يقترب المحيشي من موضوع ‘النظرية’، عكس غالبية المسؤولين الليبيين، الذين كانوا يستشهدون بها كثيرا أثناء أحاديثهم الرسمية وغير الرسمية، ونخص بالتحديد كتيبة أدباء وكتاب وأكاديميين حملوا عبء تلك المهمة وحصلوا على أموال طائلة. واستمر اللقاء زهاء الساعتين، وخرجنا نتساءل عن السبب والمغزى منه، ولم نجد وقتها ردا شافيا.
كانت زوجتي وقتها في السنة الثالثة من دراستها الجامعية، وتستعد للسفر لأداء امتحانها في القاهرة، ووجدْتها فرصة لزيارة بريطانيا في رحلة برفقة صديق ذاهب للعلاج في لندن، وأقضي عطلتي السنوية هناك، وغادرت طرابلس في الأول من تموز/يوليو 1975، وهناك وردت أخبار عن مؤامرة وانقلاب قاده عمر المحيشي أحبط في مهده، وقبض على المشاركين فيه، لكن المحيشي تمكن من الهرب عن طريق تونس، وفي العودة من العطلة في الأول من آب/اغسطس 1975 لم أجد مطار طرابلس على حاله التي كان عليها من شهر مضى.. الحضور الأمني كثيف، وعلى الجدران شعارات إدانة للتآمر والخيانة وتدعو للالتفاف حول معمر القذافي.. وكان الجو مقبضا وباعثا على القلق، وأجْلَت الحركة الانقلابية بعض ما غمض من اهتمام المحيشي بلقاء كتاب وصحافيين ومفكرين قبيل محاولة الانقلاب التي أدت إلى هروبه. وانتهت بصفقة ليبية مغربية، تم على أساسها تسليمه وإعدامه.
المقصد من هذا الكلام هو أن الخلاف بين ‘الثوار’ انتقل من الكلام إلى الفعل، ومن التلويح للصدام، وترتب على هذا التطور انسحاب أغلب أعضاء مجلس قيادة الثورة من المشهد السياسي، ولم يبق بالقرب من القذافي غير عبد السلام جلود وأبو بكر يونس ومصطفى الخروبي والخويلدي الحميدي، ثم ابتعد جلود نهائيا في ثمانينات القرن الماضي، ومن ابتعد آثر الصمت، إلى أن طواه النسيان.
وعملية تعظيم قيمة ‘الكتاب الأخضر’ ترافقت مع شطحات كشفت عن قصور في المعرفة والثقافة السياسية، التي يجب أن يلم بها الحاكم، ووصلت حد ادعاء أن تعبير الديمقراطية مشتق من ‘ديمومة الكراسي’، أي أن الأصل اليوناني ‘ديموس وكراتس’، ومعناه حكم الشعب؛ غير معلوم له، ونفس الشيء حدث مع اسم شكسبير باعتباره اشتقاقا من الاسم العربي الشيخ زبير.
واجه القذافي مشكلة مع صدور الجزء الثالث من ‘الكتاب الأخضر’، الخاص بالجانب الاجتماعي، وظهر بعد الجزء الثاني عن الجانب الاقتصادي، وكانت المشكلة في المفاهيم والتعريفات، ومنها تعريف المرأة والرجل، وقام على أن الفرق الأساسي هو أن المرأة تحيض والرجل لا يحيض، وصار مثار سخرية ممن يطلعون عليه، واضطرت السلطات إلى تجاهله ووقف توزيعه!! وعلى صعيد آخر.. كان رأي المسؤولين في ‘رابطة العمال الناصريين المصريين’ في ليبيا قد استقر على إصدار صحيفة باسم ‘الناصرية’ في عام 1976، وكلفت بإدارتها والإشراف عليها، وكنت أكتب مقالها الافتتاحي، لكنها لم تعمر طويلا.. ففي العدد الرابع أبلغت أن العدد صودر في المطبعة، وحين ذهبت للسؤال عن السبب قيل لي بأن مكتب العقيد القذافي يطلبني بهذا الخصوص، وذهبت فقابلت أحمد رمضان سكرتير القذافي، وكان مكتبه ملاصقا لمكتب العقيد، وقدم لي المقال الافتتاحي للعدد، وعليه ملاحظات القذافي بخط يده، وعندما كنت استفسر عن شيء كان يدخل إلى مكتب العقيد ويعود إلي بالرد أو التعقيب.. ولم أجد أن هناك شيئا جوهريا استوجب التدخل أو التعديل على ما أذكر، اللهم إلا الرغبة في التدخل والتضييق.. وأحسست أن الهدف هو إيقاف الصحيفة، ولا فائدة من أي جهد يبذل حتى لو نُشرت الافتتاحية بعد التعديل، وخرجت وفي ذهني إبلاغ المسؤولين عن ‘الرابطة’ بأن استمرار الصحيفة صعب ومن الأفضل وقف صدورها نهائيا، توفيرا للجهد وبعيدا عن دوامة التدخلات والاستدعاءات من قبل المرجعية العليا والوحيدة في البلاد، وقد كان. ووقعت في خطأ عدم الاحتفاظ بالمقال وعليه تعديلات العقيد بخط يده، وكان ذلك ممكنا!! من جهة أخرى شهد ذلك العام عمل تلك الرابطة على إظهار موقف إيجابي من ليبيا والليبيين، تقديرا على حسن الضيافة، فحشدت أعضاءها، الذين جاءوا إلى العاصمة من كل فج في ليبيا، وذهبوا إلى مقر العقيد، وكان العدد يقدر بالآلاف، وخرج العقيد فحياهم، وهو يحمل طفلة لأحد العمال، وكانت لفتة طيبة أثارت حماس العمال الذين ارتفعت أصواتهم بالهتاف والتحية، وتغير الموقف بعدها بشكل غير متوقع، وبدأت ملاحقة قادة ‘الرابطة’، وقبض على بعضهم، وعذبوا بلا رحمة وكادوا يموتون تحت التعذيب، لولا هروب أحدهم وحضوره إلى بيتي طلبا للنجدة، وهو ما أشرت إلى تفاصيله في مقال سابق. وبعد قبول استقالتي ومغادرة ليبيا انتهى بي المطاف في لندن؛ تصورت أن ‘البعد عن الشر غنيمة’ كما نقول في مصر، لكن ‘الشر’ أصر ألا يبتعد، ولم تهدأ المعارك هناك حتى وقت قريب، لكن الجديد أنها كانت قد وصلت حد التهديد الصريح بالقتل!!’ كاتب من مصر يقيم في لندن