بين الاضطرابات السياسية والثورات نتذكر صوت الرومانسيةالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من كمال القاضي: في ذكراه التي تحل هذه الأيام، حيث توفي في تشرين الاول/أكتوبر من عام 66 عن عمر يناهز الثانية والأربعين عاما بدأ الحديث عن الفنان المطرب الكبير محمد فوزي في شقين أساسيين من حياته الفنية. الغناء والتمثيل وعلى استحياء ذكر البعض دوره ملحنا، ولم يتطرق أي من الكتاب والنقاد الى زوايا أخرى تخص فوزي كإنسان وفنان من بينها مثلا أنه أسس أكبر شركة إسطوانات في وقت مبكر باسم ‘كايرو فون’ دفع فيها كل ثروته تقريباً وساهم من خلالها في نجاح العديد من المطربين والمطربات، فضلا عن انه كتب القصة والسيناريو للعديد من الأفلام وعمل مساعد مخرج مع المخرج نيازي مصطفى في بداية حياته قبل ظهوره لأول مرة وجها جديدا في فيلم ‘العقل في اجازة’ عام 46، ففي هذا الوقت لم يكن معروفاً إلا في حدود ضيقة جدا بوصفه الفنان الوسيم القادم من كفر أبو جندي بمدينة طنطا التابعة لمحافظة الغربية للعمل مطربا في فرق ومسارح روض الفرج، وقد تردد اسمه بعد هذا الفيلم وأصبح بمرور الوقت وتعدد التجارب نجماً مشهورا، ومن المفارقات الغريبة أن المطرب والمؤلف الموسيقي الذي وضع الموسيقى التصويرية لأكثر من عمل فني لم يكمل دراسته الأكاديمية بمعهد الموسيقى العربية لإحساسه بأن الدراسة ستضيع وقته وأنه لن يستفيد كثيرا منها، وقد عوض ذلك بالممارسة العملية فتفوق وازداد تفوقه الى ان تجاوز أساتذته وأصبح صاحب مدرسة في التجديد والابتكار ويكفي انه قام بتلحين إحدى الأغنيات بدون موسيقى نهائياً معتمدا فقط على الإيقاع والإحساس الداخلي بالكلمات والأنغام، نجح فيلم ‘معجزة السماء’ الذي وضع له فوزي الموسيقى التصويرية نجاحا مبهرا فتهافت عليه المنتجون لتكرار التجربة والاستفادة من مواهبه وخبراته، ولكنه فضل التلحين لارتباطه بالغناء فهو مدرك لقيمة صوته وحلاوته.
كان الفنان الراحل مؤمناً بموهبة شقيقته هدى سلطان ومحباً لأدائها ولذلك أهدى إليها لحن أغنيتها الشهيرة ‘تسلم ـ تسلم’ التي غنتها لفريد شوقي في فيلم ‘رصيف نمرة 5’ ورفض أن يتقاضى عنها أجراً، كنوع من التشجيع لشقيقته وزوجها في ذلك الوقت، من أفلام المطرب المعروفة ‘دايماً معاك’ أمام فاتن حمامة وبطولة عبدالوارث عسر وسعيد أبو بكر وأيضاً فيلم ‘عدو المرأة وآه من الرجالة وبنات حواء’ وفيلمه الأول ‘سيف الجلاد’ الذي حصل فيه على أول بطولة مطلقة، بالإضافة الى مجموعة أخرى من الأفلام بلغت في مجملها 36 فيلماً وهو عدد كبير قياسا بعمره القصير. وما لا يعرفه الكثيرون ان الفنان محمد فوزي قام بإخراج أحد الأفلام للتنفيس عن رغبته في دخول مجال الإخراج واختبار قدراته فيه، رغم عدم دراسته، وإنما يحالفه الحظ وبالتالي لم تتكرر التجربة مرة أخرى وركز فيما يعرفه، والمعلوم ايضا عن حياة الفنان الشخصية زواجه من الفنانة القديرة مديحة يسري، ولكن من غير المعلوم انه تزوج ثلاث مرات، الزوجة الأولى كانت قريبة له وهي أم أولاده. أما الثانية التي سبقت مديحة فهي الفنانة كريمة منافسة الفنانة صباح على عبدالحليم حافظ في فيلم ‘شارع الحب’ وهي الشهيرة في الوسط الفني باسم فاتنة المعادي، وهذا الزواج لم يستمر طويلا ويمكن اعتباره زواجا فنيا.
اكتسب محمد فوزي ثقة المخرجين والمنتجين في السينما لنجاح أفلامه وقدرته على تجسيد دور الشاب ‘الحليوة’ خفيف الدم الذي يطارد البنات ويوقعهن في حبه وإزاء هذه الثقة وهذا النجاح سعيت الفنانات الكبيرات وبعض المطربات للتمثيل معه كشادية وصباح وفايزة أحمد، فلم تتولد لديهن حساسية من جماهيريته الواسعة، بل على العكس كانت مشاركته في أي عمل فني تعني لهن مزيدا من الاستمرارية والتألق، ولم يقتصر التعاون بهذه الكيفية على النجمات فقط وإنما شمل أيضا النجوم الرجال أمثال اسماعيل يس وحسين رياض ومحمد قنديل وعباس فارس وشكوكو فهؤلاء كانوا في ذلك الوقت نجوم المرحلة باختلاف درجاتهم وألوانهم.
ومما يروى عن خصاله الإنسانية سماحته وتواضعه، فقد حدث ذات مرة أن وجد شخصاً ينتظره أمام العمارة التي يقطنها وحين خرج من الباب ورآه اندفع نحوه وطلب منه بعد المصافحة وإبداء الإعجاب بفنه وشخصه ان يقرأ انتاجه من الأغاني فقرأ ما تيسر له أن يقرأه في عجالة وفي اليوم الثاني استدعاه ليتعاقد معه على أغنية واكتشف اثناء التعاقد ان مؤلف الأغاني ضابط شرطة فقال له بطريقته المعتادة مازحاً، ‘آهي دي جديدة’! ‘أول مرة أشوف بوليس رومانسي’ وضحك الاثنان وصارا صديقين حميمين بعد ذلك، رغم ان الضابط لم يكتب إلا أغنية وحيدة، هذه الحكاية القصيرة الدالة على روح الفنان الفكهة حكاها نجل أحد الذين ربطتهم بمحمد فوزي علاقة عمل قوية وكان يعمل عازفاً على آلة الأوكورديون، هناك أيضاً نوادر أخرى تعطي نفس الملمح عن خفة الدم والجدعنة فهو يهوى النكت ويحفظ الكثير منها ويحب جلسات العمال والفنيين في الاستديو ويفضل تناول وجباته معهم اثناء فترات الراحة، وما يتفرد به صاحب الصوت المتميز زهده في الأضواء وعدم لهاثه وراء الصحافة الفنية وفرسانها فما تم تسجيله معه من حوارات إذاعية محدود للغاية، كذلك أحاديثه الصحافية كانت قليلة لاهتمامه الشديد بالعمل وانشغاله بإدارة شركة الإسطوانات والألحان والأغاني وغيرها من الأشياء التي كان يعتبرها أهم من مجرد الوجود على الساحة الفنية للدعاية.
كان رحيل الموسيقار والمطرب والمؤلف والممثل مبكرا وهو لا يزال في ريعان شبابه صدمة لكل عشاقه ومحبيه، خاصة شقيقته هدى سلطان وزوجته مديحة يسري فقد شعرتا بفقدان العائل الداعم والموجه، فضلا عن الشعور العام لدى الجمهور العريض بغياب القيمة الفنية الكبرى التي لا تعوض فقد بقي العزاء في التراث الموسيقي الذي خلفه وراءه بعد 26 عاما من العطاء المتواصل.