جيل الموسوعيين!

حجم الخط
0

خيري منصور

تجاوز انيس منصور الخامسة والثمانين ولم يسأم تكاليف القراءة والكتابة والرحيل، فنحن في زمن يحتاج فيه المرء الى ثلاثة اضعاف عمره لكي ينجز بعض احلامه، وهذا ما تمناه برنارد شو في اقاصي شيخوخته، فقد زهد حتى بجائزة نوبل واعتذر عن قبولها لأنها كما قال أشبه بعصا انقاذ لغريق لكن بعد ان وصل الى الشاطىء. كتب انيس منصور اكثر من مائتي كتاب في مختلف شجون الثقافة، بدءا من الفلسفة التي درسها في الجامعة حتى الرحلات التي بدأت بمئتي يوم حول العالم، اضافة الى القصص والمسرحيات والترجمة، وثمة ما يغري بالفرار من الكتابة عن أنيس منصور رغم كونه ظاهرة معرفية، وهو مواقفه الفكرية والسياسية، خصوصا وانه كان يكتب لعدة عقود مقالات تحت عنوان واحد هو مواقف، لكن هذا الفرار لا معنى له ولا قيمة، لأن الرجل انجز ما لا يمكن تجاهله على الاطلاق، وفي مختلف ميادين الثقافة، وقد ينطبق عليه اكثر من سواه ما قاله الناقد ستانلي هايمن عن الناقد او المثقف الذي يمد قنطرة بين قارئه ومصادر ثقافته، واعترف بأن لأنيس منصور فضلا في فتح أبواب على مصاريعها بعد ان كانت مواربة، وفي مقدمتها الباب الوجودي، الذي ازدحم الفضوليون عليه في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، لكن القليل منهم فقط من دخلوه، من خلاله عرفت فردريك دورنمات لأول مرة، وكان اول من كتب عنه وترجم له ثلاث مسرحيات هي روملوس العظيم، وهبط الملاك، والشهاب، وينتمي انيس الىجيل يمكن تسميته الجيل الموسوعي، يوم كانت المعرفة غابة وما من شجرة تحجبها، والرواد الذين تتلمذ عليهم أنيس منصور كانوا من سلالة معرفية قد لا تقبل التكرار، لأنهم قرأوا وكتبوا في الآداب والفنون والفلسفة وعلم النفس اضافة الى اشتغالهم في السياسة، ومنهم سلامة موسى والعقاد وعلي مبارك وعلي مصطفى مشرفة وآخرون، ولأن انيس بدأ حياته في الصحافة، فلم يفارقه الصحافي حتى وهو يكتب قصة او مقالة عن هيدغر او سارتر، فاسلوبه بقي ممهورا ببصمات الصحفي الهادف الى توصيل ما يريد قوله الى المتلقي، لهذا غالبا ما يستطرد ويكرر بالحاح من أجل هدفه، وهذا ما دفعه الى ان يكتب هذا الكم من الكتب، والتي بلا أدنى شك تقبل الكثير من الاختزال، حتى لو اراد هو نفسه ان يقوم بهذه المهمة، وقد كتب عنه الكثير اثناء حياته لكن ما كتبه الراحل أحمد بهاء الدين بعد صدور كتابه ‘كانت لنا ايام في صالون العقاد’ هو ما يهمني في هذا السياق، يقول بهاء انه يختلف مع أنيس منصور في مواقفه السياسية والفكرية والفلسفية وحتى في النظرة الشاملة للحياة، لكن هذا الاختلاف لم يمنع بهاءالدين من اطراء منصور وامتداح دأبه كمثقف وجديّته في المتابعة لكل ما يصدر في مجالات المعرفة.

نحن ايضا نختلف مع الراحل في الكثير من القضايا بدءا من النظرة السكولائية للفلسفة الوجودية والانجذاب المنفعل لمغناطيسها، حتى السياسة، فأنيس منصور كتب ذات يوم بغضب شديد عن الشعب الفلسطيني قائلا بالحرف الواحد: ليذهبوا الى كوكب آخر، فهو كان من اقرب المثقفين المصريين لأنور السادات وصحبه في تلك المرحلة التي شطرت التاريخ العربي المعاصر الى ما قبل كامب ديفيد وما بعده، وبخلاف ما حدث مثلا لكاتب آخر هو احمد بهاء الدين الذي حاول السادات استدراجه بعد ان غضب من مقالة له بعنوان سلاح مداح عن فلسفة الانفتاح التي اراد السادات من خلالها انقاذ مصر، لكنه ورطها الى الان بمشكلات اقتصادية واجتماعية، اضافة الى السياسة اقترب بهاء الدين من السادات لكنه سرعان ما نأى بنفسه عن النار، اما انيس منصور فقد ذهب معه الى آخر الشوط.* * * * * * * *في كتابه كانت لنا ايام في صالون العقاد يتيح منصور لقارئه ان يتعرف على جوانب من تكوينه النفسي، والكيفية التي يرى بها الاخر خصوصا عندما يكون هذا الاخر قابلا للنمذجة، وافتتان الضيف الاسبوعي بالمضيف يرشح من كل مفردة في الكتاب، لكن انيس منصور روى بعد صدور كتابه حكاية عن العقاد تبدو مثيرة، وهي ان امرأة سألت العقاد عن انيس منصور وعن رأيه فيما يكتب فأجابها بالحرف الواحد: من يكون هذا الأنيس؟

؟ ؟ وقد نال هذا الكتاب اهتماما واسعا من القراء والنقاد معا لندرة الكتابات العربية في هذا المجال حيث يكون الاشخاص هم المحور. فالقارىء العربي أميَل الى استهلاك السرد من اعباء التحليل، وهناك من ساهموا في ترسيخ هذا المنحى الأفقي في القراءة بحيث حولوا التاريخ برمته الى حكايات، ويبدو ان جيل الموسوعيين كان يرى في شخص الكاتب او المثقف المرجعية الشاملة لكل ما ينتجه من نصوص، وحين كتب ثروت اباظة عن العقاد بأنه استاذ الاجيال السابقة واللاحقة الى ان يرث الله الارض وما عليها كان يجسّد على نحو كامل هذا الميل الى الشّخصنة، ولو قرأ على سبيل المثال ما كتبه بعد ذلك رولان بارت عن موت المؤلف لسخر منه كما سخر طه حسين من رواية الغريب لألبير كامو.

وما ينبغي التذكير به في هذا المقام هو ان النصف الاول من القرن العشرين كان مجالا حيويا وبامتياز لظهور البطل الفرد سياسيا وثقافيا واجتماعيا، وكانت المرحلة والبيئة التاريخية في تلك الايام تعزي بالتركيز على دور الفرد لهذا كثرت الالقاب التي اطلقت على كتّاب وكأنهم الجيل الواعي للتاريخ والثقافة.* * * * * * * * * *لم يكن انجذاب انيس منصور الى العقاد وبعده الى حد ما نحو طه حسين الا احد تجليات تلك النّزعة التي تبحث عن ابطال في السياسة والأدب والفنون، وحين بدأ انيس منصور يكتب عن الوجودية بشقيها المؤمن الذي يمثله غابرييل مارسيل والملحد الذي يمثله سارتر وجد نفسه شارحا لما يقرأ، فالوجودية كفلسفة ولدت في مكان آخر ومناخ آخر، تماما كالظاهراتية وغيرها، وترجمة النصوص لا تعني ترجمة المزاج والبيئة والوعي، لهذا عوملت الوجودية كفلسفة باستخفاف شعبي، وان كان المثقفون المفتونون بما بشرت به من حرية قد حاولوا تقمصها ليكتشفوا اخيرا ان قارىء الفلسفة او شارحها ليس فيلسوفا بالضرورة.

ان ما جعل كتب انيس منصور واسعة الانتشار وبالتحديد قبل ثلاثة عقود هو اقترابها من اليومي، فالقارىء العادي بقي ماكثا في وعي منصور حتى وهو يكتب عن هيغل او شوبنهاور، وحين كتب عن المسرح بدءا بما سماه سقوط الحائط الرابع، وكان بارعا في تقديم المسرحيات التي يترجمها لأنها غالبا ما ترتبط بقصة مثيرة ومنها على سبيل المثال مسرحية بعد السقوط لآرثر ميلر وهي عن زواجه بمارلين مونرو، والدراما التي اشتهرت بها العلاقة بين الكاتب واشهر نجوم السينما في عصره.* * * * * * * * لأنيس منصور كثير من الفضل على القارىء الباحث عن مفاتيح او قنطرة بتعبير ستانلي هايمن، فهو حسب تعبير مصري شعبي فاتح سكك او طرق، وهو بمقياس ما ظاهرة ثقافية ذات تضاريس معقدة، بحيث يصعب تحديد صفة واحدة له، فقد كتب في النقد والفلسفة والتاريخ، واصدر عدة كتب في الرحلات، اضافة الى مسرحيات ومجموعات قصصية، اما مواقفه فمن حق قارئه اثناء حياته او بعد رحيله ان يكون له موقف منها وذلك امر من صميم معرفة تتغذى بالسّجال!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية