ملوك من زمن عربي فات

حجم الخط
0

‘الربيع العربي قادم لا محالة’.. تلك قناعة عارمة تخيم على المجتمع الخليجي قاطبة، حكاما قبل المحكومين، الأمر الذي دفع بالكثير من قيادات الدول الخليجية إلى المسارعة في السماح بهامش من الحرية الوهمية والدور الرقابي الصوري للكيان الشعبي، في محاولة للالتفاف على رغبات هذه الشعوب، وترسيخ الحصانة التي تتمتع بها دوائر الحكم الملكية، والحياة الخاصة للأمراء وأفراد العائلات المالكة، فضلا على التغاضي عن مناقشة سياسة إنفاق ثروات الأمة النفطية.. حيث تظل هذه القضايا خطا أحمرا من يتجاوزه فهو يغامر برقبته.

بدأت إرهاصات التغيير بموجة عارمة من المنح المالية السخية بقرارات ملكية وأميرية شملت تحسين الأجور وإعانات بطالة وزيادة دعم السلع، حتى أن في الكويت صرفوا الحصة التموينية سنة كاملة مجانا، وبدا الحكام وكأنهم يشترون العروش من الشعوب، لكن يبدو أن صناع القرار رأوا أن هذا وحده لا يكفي لإقناع عقلاء شعوبهم، وأن الحرية هي مطلب جماهيري ملح لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال. وكانت السعودية رائدة هذه العملية التخديرية باقتدار، حيث أعلن العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز أنه سيتاح للمرأة السعودية الحصول على عضوية مجلس الشورى اعتبارا من دورته القادمة، والمشاركة بالترشح والترشيح في الانتخابات البلدية القادمة.

وقال الملك في خطاب متلفز بمناسبة بدء أعمال الدورة الجديدة لمجلس الشورى: ‘لأننا نرفض تهميش المرأة في المجتمع ونريد مشاركتها في كل دور يتفق مع الشريعة، قررنا بعد التباحث مع علمائنا وغيرهم، قررنا مشاركة المرأة في مجلس الشورى عضوا اعتبارا من الدورة القادمة ووفق الضوابط الشرعية’. وأضاف: ‘يحق للمرأة أن ترشح نفسها لعضوية المجالس البلدية من الدورة القادمة، ولها الحق في المشاركة في ترشيح المرشحين وفق ضوابط الشرع’ في إشارة إلى حق الاقتراع’. وهكذا بدا الملك وكأنه أنصف الحرية الجماهيرية كاملة بإعطاء المرأة حق الترشيح والترشح، في محاولة للالتفاف على الحرية الحقيقة التي يريدها الشعب والتي تمكنه من مشاركة حكامه في كافة القرارات المصيرية المتعلقة بثروات الأمة وسبل توظيفها، فضلا عن قضية الأمراء الذين تضخمت سلطاتهم وثرواتهم إلى حد الورم السرطاني، ووضع منطقة الخليج على المستوى التقني والعلمي والعسكري المتدهور حتى باتت أكثر مناطق العالم استهلاكا واعتمادا على منتجات الآخرين، وكأن النفط لن ينضب والثروة المالية الضخمة لن تتآكل.. وغيرها الكثير من الملفات الشائكة التي تحتاج إلى المصارحة والشفافية في التعامل معها.

يذكر أن مجلس الشورى الذي لا يكف حكام السعودية بالحديث عنه عند تناول قضية الحريات أنه مجلس ليس لأعضائه أي حقوق تشريعية، أو رقابية على أداء السلطة التنفيذية، ومناقشاته غالباً ما تتناول قضايا ثانوية، وتتمخض فقط عن توصيات غير ملزمة للحكومة التي تحتكر إصدار كل القرارات.

أما في الإمارات فكانت الجهود الحكومية بسيطة لأبعد غاية، حيث تمت انتخابات ‘المجلس الاستشاري’ بإقبال ضعيف من ربع الناخبين فقط، مما يؤكد على أن الناخب الإماراتي لا يقتنع بهذا المجلس أساسا في العملية السياسية، وهو محق في قناعته تلك لأن هذا المجلس في واقع الأمر له سلطة استشارية فقط، كما أن هذا المجلس يتم الانتخاب فيه على نصف عدد المقاعد الأربعين فقط، والنصف الآخر (20 مقعد) بالتعيين المباشر من قبل الحكومة. أي أنه مجلس شكلي ذو سلطات شكلية أكثر منها فعليه.

وفي عمان والبحرين لا تختلف الصورة البرلمانية عنها في سائر دول المنطقة، لكن يحق القول بأن البرلمان الكويتي ظل الأشهر والأحسن والأكثر حرية وانفتاحا في ممارسة دوره في استجواب الوزراء والتصدي لقضايا الفساد، لكن يبدو من النهج الحكومي أنه نادم على هذه المساحة من الحرية، حيث سبب هذا البرلمان صداعا مزمنا في رأس قادة الحكومة الكويتية الأمر الذي تطلب حل البرلمان أكثر من مرة والدعوة إلى انتخابات مبكرة، وما ببعيد عنا في تلك الأيام قضية الرشاوى الحكومية الفلكية التي وضعت في الحسابات البنكية لبعض النواب في محاولة لتكميم الأفواه وتهميش دور البرلمان واقتصاره على التصفيق لخطابات الحكام العصماء وإدمان التصويت بـ ‘موافقون’ كحال سائر المجالس النيابية في منطقتنا العربية، أي إنها عملية تدجين أنفقت عليها القيادات الغالي والرخيص في محاولة لإتمامها. هكذا بدت ظاهرة ‘الاستئثار بالسلطة’ مهيمنة على فكر وسلوك قادة الخليج، وتلاشت معها كل المبررات في إقناع المواطن بها كخصوصية منطقة الخليج أو أن الإصلاحات لا بد أن تتم بصورة تدريجية ولو بطيئة، والتغني بمنظومة الحفاظ على الاستقرار والأمن وتجنيب البلاد ويلات التشرذم. كلها محاولات لا تنطلي إلا على السذج، ولا ترضي إلا عقلية الحكام أنفسهم والتي تحتاج لأن تعي جيدا بأن الزمن تغير والأوضاع تبدلت والشعوب صارت أكثر انفتاحا ووعيا وأن فكرهم إن ظل على هذا الانغلاق فسوف يفوتهم القطار ويواجهون نفس مصير أسلافهم في دول الربيع العربي، فهل يتفهم قادة الخليج هذه القضية أم أنهم ملوك من زمن فات؟!

د.

خالد سعد النجار[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية