د. يحيى مصطفى كامل
سؤالٌ بسيط، أزعم عن ثقةٍ عميقة بأنه فرض نفسه بتكرارٍ مؤلم على أذهان الملايين من العرب لدى رؤيتهم لنهايات بعض الطغاة العرب، سواء منهم من قضى ومن دخل في نفقٍ طويل من الوقوع بين الثوار وأنصار النظام الذين يماطلون من أجل الإبقاء على الأوضاع الراهنة بتركيبتها الاجتماعية القائمة… ولئن كان العقيد ملك ملوك أفريقيا قد رحل بالجسد فالباقون ماتوا سياسياً منذ زمنٍ طويل يتساوى في ذلك مبارك القابع في مشفاه يساق منه وإليه لمحاكمةٍ لا أحسبه سيرى نهايتها في حياته أو من يتشبثٍ بالبقاء بعنادٍ غبي كالفتى بشار أو الأخ علي عبد الله صالح الذي تسلم راية المعمرين على الكراسي… يرجع السؤال في رأيي إلى سببين أساسين يصاحبهما شعورٌ غامضٌ بالضيق؛ أول الأسباب هو كون الشعوب لم تكن تتصور أنها سوف يأتي عليها يومٌ تشاهد فيه القذافي مترجلاً في وسط شارعٍ بين جمهور حقيقي… ليس حقيقياً فقط وإنما ثائرٌ عليه أيضا، ليس كأولئك الذين كانوا يساقون إلى خطبه العصماء ليصفقوا ويتقافزوا، وهم قريبون منه لا تفصله عنهم حواجز أو حرس فيعاملونه بفظاظة (يقيناً يستحقها) وهو يستجديهم بعد النزق و الغطرسة المجنونة التي كانت، وكأن لسان حالهم كان: أنحن الذين أسميتنا جرذانا؟! أنحن الذين توعدتنا بما لم تستخدمه من قوةٍ بعد؟!… كما أن الحال لا تختلف كثيراً مع مبارك، أول فرعون يحاكمه المصريون علانيةً، أما السبب الثاني فهو عمق الصدمة التي سيطرت على الشعوب حين تبين لهم مدى تفاهة هؤلاء الطغاة ووضاعتهم وضآلتهم الأصيلة… لقد أكملت ما بدأته الثورة التي إذ أبرزتهم في كامل إجرامهم ودمويتهم التي لا تعرف أية حدود وابتعادعم التام عن الواقع ممزقة ً تلك الغلالة الرقيقة من مخايل رجل الدولة أو القائد التي كان الإعلام المتواطئ وكتبة النظام يسعون إلى ستر قبحهم بها… فالسؤال مشروعٌ إذن وتلقائي تصاحبه مرارة على فقدان الأحباب والعقود التي ضيعها الطغاة والخراب الذي خلفوا مما يفسر ذلك الشعور الغامض بالضيق الذي ذكرت آنفاً، إلا أن الأهم من ذلك أنه ليس بالسؤال الذي نمر به مرور الكرام فنهمله أو ننحيه جانباً مدعين أن هذا ليس وقته… علينا أن ننتبه إلى أن للاستبداد وحكم الطغاة أسباباً موضوعية، فهي ليست مجرد أشياء تحدث أو وليدة المصادفة… أنا لن أدعي أن لدي إجابةً شاملة وافية وإنما هي محاولة للتصدي للمشكلة وتشريحها بطريقةٍ علمية… تصورٌ مبدئي عن مفتاح البحث أو طرف الخيط.. أنا أعتقد أن أول ما يجب فعله للوصول إلى أية فهم هو إعادة صياغة السؤال بصورة دقيقة ليصبح: كيف أفرزت مجتمعاتنا هذه النماذج المنحطة؟ لن أختلف مع أحد في كونهم حطموا بلدانهم وانهاروا بها إلى أسوأ مما كانت عليه حين استولوا على السلطة فيها، إلا أنهم لم يهبطوا عليـــــنا من المريخ وليسوا من مخلفات عرقٍ أو جنسيةٍ دخيلة رحلت وتركت هؤلاء النور وراءها وإنما هم نتاجٌ محلي أصيل، وإذا شئنا الإنصاف فإن حكمهم، مع اعترافي الكامل بشططه، لهو أقسى تعبير عن إشكالياتٍ عميقة وأزماتٍ طاحنة في مجتمعاتنا، وبالتحديد في البنية الفكرية والميراث الثقافي المشكلين للمزاج العام والخطاب الجماهيري والمفاهيم المهيمنة. أقر قبل غيري (لئلا أُتهم بالتناقض…) بأن شعوبنا كانت قد قطعت أشواطاً محترمة على طريق اكتشاف تراثها وما هو أبلغ وأهم من ذلك من بداية تقييمه النقدي وقد واكب ذلك النضال ضد المستعمر وتقُبل، بل والحماس لمبدأ المشاركة والانضمام للتنظيمات السياسية التي شرعت حينذاك في تمثيل طبقات المجتمع والتعبير عنها بوضوح أكثر ليتزامن ذلك مع بروز المسألة الاجتماعية… أجل، تلك حقائق تاريخية موثقة لا خلاف عليها، إلا أن ذلك لا ينفي ولا يتعارض مع كون المجهود الثقافي تحديداً ظل مقصورا في نخبٍ بعينها وفي خريجي الجامعات؛ يجوز أن تلك الدوائر كانت آخذةً في الاتساع مع انتشار التعليم وتنامي الوعي (مع ملاحظة التفاوت بين المجتمعات العربية) لكن الغالبية العظمى من شعوبنا بقيت تتعيش على اجترار الثقافة المتوارثة بما فيها من مكونات تبث السلبية وتساعد على التسليم وتمكن للطغيان وتعاضده… مواريث وأوامر ومحظورات تم دمجها في ظل حكمٍ قمعيٍ مستبد توجه عسفٌ عثماني خرافي يفوق الوصف حيث كانت الرقاب تطير بلا سبب وتباد مدنٌ عن بكرة أبيها لبادرة تساؤل ناهيك عن التمرد… وحين وصل العسكر كانت شعوبنا تحت الاحتلال الأوروبى الغربي المسيحي، فهي إذن تنتفض ضدهم وتكرههم وتشعر بالإهانة العميقة… فالغرب المسيحي يهيننا في حريتنا وفي ديننا، وليس ذلك بالجديد، فقد عانينا موجات غزوره الجشعة الطامعة في بلادنا كثيراً في الماضي.. الاختلاف هذه المرة أننا أضعف منه بمراحل لا تقاس، وهو يعمل ويكيد كي لا نتمكن من اللحاق به… فنحن نكرهه ونرتاب فيه ونود الانتقام منه، لكن… لكن نحن مفتونون بمكتسبات حضارتهم المادية وبنمط حياة أهله وجمال بلادهم (ونسائهم؟..)، نود أن نلحق بهم ونتفوق عليهم… غير أننا أصحاب حضارةٍ قديمة ومنظومةٍ فكرية، أو على الأقل هكذا يقال، ولما كانت كرامتنا المهانة واعتدادنا بأنفسنا يأبيان أن نأخذ عنهم افكارهم، فقد قررنا أن نعيد بعث أفكارنا ومجدنا، بغض النظر عن كون هذه المواريث داخلها كمٌ هائلٌ من الاختلاق فالوضع فالتزييف فالأكاذيب حتى صارت في صلب مادة نسيجنا الفكري وليست فقط تشوبه، ولا كون هذا التراث لم يخضع للتحقيق في كتبه الصفراء المعاد اكتشافها لتصير في أيدي العامة، وبلا اعتبار لتغير الوضع والظروف والزمن، وبالطبع لا تسألن عن أية أمجاد تلك فالشيطان يكمن في التفاصيل كما يقول الإنجليز… أي أننا وصلنا إلى صيغة وسط مريحة، نشتري المدفع والسيارة ونرفض ونهاجم المنطق والعقلية التي فكرت… وفي موروثنا دائماً وأبداً مخلص، ذلك الذي يهبط علينا أو يصل إلى مسرح الأحداث ونحن في قاع الضنك؛ بطلٌ قائدٌ نبيل الأخلاق مغوارٌ لا يهاب يقودنا لنتخلص من الهم والضعة و الضياع… بلغةٍ معاصرة لا مكان للشعوب سوى في دور القطيع يسير وراء المخلص-البطل.. ليس ذلك فحسب، وإنما نحن، تمشياً مع رفضنا للغرب ولكوننا لا نحتاج منه إلى أية أفكار، لا نكتفي بالبحث عن نماذج النجاح الاجتماعي في العالم المــــعاصر أو التاريخ القريب، بل ننظر إلى فترةٍ محدودة من العدالة في التارخ تمتــــد بضـــعة عقود فقط دون أن نلتفت إلى بساطة ذلك العهد البعيد جداً مقارنة بالواقع المعاصر الشديد التعقيد أو نسأل أنفسنا لماذا لم تدم هذه الحالة المثالية… حتى كتبة الأنظمة لهم سابقوهم من فقهاء السلاطين ووعاظهم ممن أسهموا في الدس والتدليس في منظومة المعارف الدينية وسيدوا السمع والطاعة فضيلةً أولى… وإذا أضفنا إلى ذلك نجاحهم في تمكين ثقافة النص وباب الاجتهاد المغلق بقفلٍ ثقيلٍ ضاع مفتاحه منذ ما يقرب من ألف سنةٍ تقريباً والخلافات المذهبية والطائفية… إيه… تناقضات لا حصر لها لم نتصد بجدية ككتلة اجتماعية إلى تفكيكها وحلها ومن ثم تخطيها… لا شك في أن الطغاة استغلوا هذا الميراث المثقل بالإشكاليات والنقائص لشعوبٍ تم إعدادها لتقبل الواقع عوضاً عن التعامل معه، والفرق بين الاثنين شاسع… لقد لعبوا على كراهية الغرب ورفضه وتوق الشعوب وانتظارها للقائد الفارس والتواكل كما أنهم استثمروا في تغليب عوامل الانحطاط على عوامل النهضة فما قصروا، بل وأبدعوا… إلا أنهم لم يأتوا من فراغ… سهلٌ وميسور أن نسب الطغاة ونعدمهم كما هو أسهل أن نلقي باللائمة على الغرب على كل مشاكلنا واستعصاءاتنا فنشتمه على طريقة العقيد الراحل، إلا أن ذلك لن يحل المشكلة… إن أخشى ما أخشاه هو أن تسكرنا نشوة النصر بإزاحة الطغاة فنكتفي بذلك كما أعتقد اعتقادا راسخاً بأن الثورات لن تكتمل دون الالتفتات إلى هذه المهمة المتبقية التي لا تقل أهميةً في نظري ألا وهي الإجابة عن السؤال عنوان المقال بما يقتضيه ذلك من تمحيصٍ نقدي لتراثنا الفكري والاجتماعي السياسي… مرةً ثانية أؤكد أنني لا أمتلك خزائن الحكمة ولا الإجابة الفاصلة عليه، إلا أنني أعلم علم اليقين أنه دون التغيير الموضوعي لأسباب ومسوغات القمع والاستبداد فسوف تتمكن الأنظمة من إعادة إنتاج نفسها… ولعل شيئاً من ذلك يحدث الآن، للأسف..’ كاتب مصري