الفنان التركي محمد علي يوزال: أفكر بقصف أحد الغاليريهات بقذيفة مضادة للدروع احتجاجا!

حجم الخط
0

بيروت ـ ‘القدس العربي’: محمد علي يوزال، فنان تركي قدم مؤخرا في بيروت مجموعة من الأعمال تحت عنوان ‘MALIST’ فتحت النقاش أمام اشتغاله على تطويع الفضاء اولا والتلاعب بالمقاييس الدارجة للأشياء، وبالتالي إدخاله العين في مغامرة بصرية تستطيع استرجاع الفضاء من الباب النقدي والاستدلال عليه ومعالجته. اعماله التي انتشرت في بعض مدن اوروبا، تثير جدالا حول مخيلته ومما إذا كان موقفا سياسيا ما متضمنا فيها. البعض يذهب إلى ان كونه تركي الجنسية، سبب إضافي يمكنه من عرض تجهيزاته، أو يضيء نجمه فقط بتوقع أنه سيقول بيانا سياسيا موجها نحو داخل بلاده او خارجها. غير أن يوزال يبتعد، أو يتملص إذا صح القول، خلال حوارنا معه من أي إمعان في السياسة، وكلما حاولت النفاذ معه إلى قلب العالم الإشكالي والمعجون بالأخبار، وجدته تمترس مجددا خلف واجهة الفن، الأشرح، والأرحب والأكثر إنسانية، وإن أثارت الخلاف بين عين فلان ومخيلة آخر. في بيروت، كان هذا الحوار معه: *نعلم أن لك خلفية أكاديمية غير عادية، وهي بمثابة مغامرة. هل تعرِّفنا بها أكثر؟ *في أنقرة، يمر الفن عبر الاكاديمية، فلا يسمح لك بأن تصير فنانا إن لم تكن أستاذا محاضرا في إحدى المواد المتعلقة بالفن. درست تصميم الديكور، لكن أعمالي الأولى كانت توحي للبعض بأنني مجنون وغاضب وغريب الأطوار. واستغرق الأمر مني العديد من السنوات لأنجز رسالتي في الماجيستير حيث أنني كنت مشغولا بتصاميم ‘غير مألوفة’ في مخبري الخاص. وقدمت بعض اعمالي في معارض فردية في أنقرة واسطنبول. لم يقبلني الأساتذة في اسطنبول وحاولوا محاربتي، وكان أمامي أحيانا وقت ضيق خاص فقط لكي أنجز أحد اعمالي. وأذكر أنني ذات مرة اضطررت للعمل اثناء الليل وحتى ساعات الصباح الاولى، ذلك أن احدا لم يكن هناك ليوفر لي المشغل الفني. لكن ما خلصت إليه كان أقرب إلى الفكرة الأوريجينال لكن تحت الضغط النفسي والمعنوي. كنت تلميذا فاشلا في النحت، على الأقل بالنسبة لأساتذتي. ولم أكن لأحظى بمديح في الكلية على الإطلاق. لكن أعمالي الاولى التي قدمتها خلال الإعداد لرسالة الماجيستير جلبت اهتمام الكثيرين، وأصبحت بطبيعة الحال اعمالا فارضة نفسها على الجمهور والذوق المتعارف عليه في الكلية. ذلك أن الاسئلة التي طرحتها وما قدمته من نفحة جديدة في الفن كان مثار حديث الطلاب على الدوام مما جعل قسما كبيرا من الأساتذة يرضخ لواقع الامر، وبالتالي اصبح التعاطي مع أعمالي مختلفا تماما. إلا أن نظرتهم بالنسبة لي لم تتغير كثيرا. فأنا مثلا قدمت اعمالا في نهاية الفترة الدراسية للماجيستير، غير أنها لم تؤهلني بنظر اولئك الاكاديميين لأن اتخطى نحو مرحلة أعلى. وبالفعل، رسبت في اعمال كان لها وقع جيد حينما عرضتها بعد ذلك ضمن محترفات او غاليريهات في العالم. أنا لم ادرس الفن بطبيعة الحال وربما هذا ما جعل مسيرتي تتعثر بهذا الشكل في الكلية.*كيف دخل محمد علي يوزال، الذي لم يدرس الفن، إلى عالم الغاليريهات ومعارض العالم؟*كانت مشاركتي الاولى ضمن مباراة للفن المعاصر. كان يؤمل منها ان يقام معرض يجمع الفنانين الفائزين بهذه المسابقة، ومن ثم يتم اختيار أفضل عمل من بينها. تلقيت الخبر من صديقة لي، وتحمست بالفعل، إلا أنني عرفت بعدها ان علي دفع رسوم مسبقة لتسجيل إسمي في تلك المباراة. هنا، رفضت العرض كليا، وقلت في نفسي ألا اشارك في هكذا حدث ما دام يتوخى الرسم المادي مقابل إسم الفنان. صديقتي لم تقتنع بهذا، فأرفقت في ملفها الشخصي، بعد دفعها المتوجب المالي، قرصا مدمجا يحتوي بعض اعمالي. وكانت المفاجأة أنني تلقيت بعدها اتصالا من اللجنة المنظمة للمسابقة، وقد ابدى هؤلاء استعدادا كبيرا لقبولي حتى بدون دفع اية رسوم. ثم حدث أنني شاركت ونلت الجائزة الاولى وهنا كانت انطلاقتي فعليا. للأسف، لم يتم اختيار صديقتي للمشاركة في تلك المسابقة، والأكثر مدعاة للاستغراب أن مشاركتي اقتصرت فقط على الاعمال التي انجزتها والتي لم تنل المعدل المطلوب للنجاح في الكلية. هي نفسها الأعمال التي فزت عنها بالمركز الاول. لم اشعر بالفرح العارم لأنني فزت، أيضا لم أزعل لانني لم أُعط علامات النجاح في الكلية. انا فقط فرحان بما أنجز فنيا.*هل نستطيع القول بأن هناك حميمية بينك وبين أعمالك؟ وإن كان الامر كذلك، كيف يمكنك التملص من واقع ان الفن المعاصر، يدعو اكثر ما يدعو، لمشاركة العمل ‘الخاص’ مع العامة، وبالتالي التنازل عنه بمعنى آخر؟*ليس سهلا ان افسر الامر لك. من وجهة نظري، أشعر برضى عارم كلما أنجزت عملا يمثل لغة لي. لكنني أضع نفسي في زمني الخاص. في زمني الحالي. اعمالي لا تحد عن اللحظة الآنية بشقها السياسي والإنساني والشخصي. سأخبرك قصة، عندما أنظر إلى تجهيزي ‘الحائط/ السلك/ الحجر’، أتذكر حادثة طفولية معي. وعندما أبصر في تجهيزي الآخر الإطارات المعلقة والسائلة، أتذكر مثلا متحف اللوفر والانطباعات الاولى التي تشكلت لدي عند زيارتي باريس. الأمر يؤدي إلى بناء علاقة حميمية بيني وبين الاعمال، إلا أنها تصل الى قصة ما. النقطة الأخرى التي أريد شرحها هنا هي أنني اعتبر نفسي اكثر وضوحا الآن في ما يتعلق الفن الذي أشتغله. لا أريد أن آتي واقول ‘أنا اعمل على الفضاء’ لأنني لا أريد أن أحبس نفسي في سجن ما. *لكن كيف تشعر حينما تبيع عملا؟*أشعر بأنني أُغتصَب. لأنك حين تبيع عملا فإنك تفتح المجال أمام شيء خصوصي. لا خيار آخر لديك. لو كانت لدي خيارات أخرى لرفضت بيع أي مما صنعته، إلا أننا جميعا منسحبون في هذه الماكينة الرأسمالية العالمية وتبعاتها. مثلا، أنا سعيد لأن احدهم ينوي شراء تجهيز لي ووضعه في منزله. يفرض ذلك علي بأن أدير الموقع الذي سيوضع فيه التجهيز وأن أشرف عليه أيضا. وجود هذا العمل في تلك المساحة المختلفة، يجعلني اشعر وكأنه عمل انتقل إلى منزل آخر لي. بكل بساطة عملي، حين يتواجد في فضاء مختلف، يجعلني أسقط على نفسي ذلك الفضاء. *لماذا ليست هناك عناوين لاعمالك، او كتابات تذيل بها اعمالك وتفتح بالتالي افقا أو على الأقل تضبطه أمام العين؟ *أحيانا، أحب أن أكتب شيئا موازيا للعمل، غير ان الكتابة بحد ذاتها هي فن مستقل. وفي بعض الاحيان، تراني خططت شيئا على الورق من أجل استعماله لاحقا، او دونت ملاحظة حول الفن وعلاقته بالمجتمع التركي. ليس سهلا القيام بهذا. أحب التلاعب بالكلمات وأن تفضي إلى دلالة. من بين الأفكار التي دونتها، كان اقتراح بتفخيخ غاليري تفخيخا حيا ومن ثم تفجيره امام العامة. كما أن هناك خيارا آخر يبدو أكثر قابلية للتنفيذ خصوصا بعدما تلقيت عرضا من أحد الغاليريهات في دولة اوروبية لتنفيذه. وهو يقضي بقصف غاليري بواسطة قذيفة حقيقية. وربما قد أضع أعمالي في الداخل، وأنجز الفكرة. إن في هذا بالنسبة لي دلالة وافية لما تمر به المنطقة من نزاعات، وأيضا احتجاجا على سطوة المال وتحكمه بالفن، والسوق، وبالتالي العرض والطلب. لكن هذه الأفكار تحتاج إلى تطوير، وأحيانا تحتاج أيضا وانت تكتب مشروعا فنيا، إلى أن تضيف شيئا ما عميقا، غير مباشر، كي يؤمن مساحة اكثر اتساعا للمشاهد. ليس ضرورة ان يفهم هذا الزائر اعمالي فهما دقيقا او نهائيا. ما يهمني هو ان يُستفز، أو ان يبدأ بالتفكير في هذه الاعمال التي أعرضها. كما أحب وأشعر بالغبطة حينما يأتي احدهم ليفسر لي عملي بأبعاد تتخطى ما ضمرتُه. الامر شبيه بقراءة الشعر. يمكنك أن تجد عشرات الناس يقرأون القصيدة عينها إلا ان لكل منهم فهما مختلفا عن الآخر، وبالتالي تفسير مختلف. الشعر يقدم أبعادا عديدة للقارئ، وهو فن مفتوح، وأحب ان يكون فني أيضا غير مقتصد على فضاء محدد، لذلك، لا أعنون اعمالي، ولا اضع أيضا مقاطع كتابية إلى جانب اللوحات. الكتابة تأتي لاحقا في بعض الاحيان. أعتقد أن على الناس يكونوا قابلين لاستيعاب العمل بالطريقة التي تناسبهم، وأن يكونوا غير شاعرين بتعقيدات أو بمسؤوليات كبيرة أمام العمل الفني. *إلى أي مدى يمكن الحديث عن خلو اعمالك من أية دلالة سياسية؟*اعتقد أن الأمر نسبي. فما قد يحملك على الاعتقاد بأن عملا فنيا ما، شديد الوقع أو التأثير أو الرهبة، قد لا يعني أي شيء بالنسبة إلى شخص آخر. وما تمر به أنت في بيروت، قد لا يتشابه على الاطلاق مع الظرف الذي يمر به كائن ما في مكان آخر. في تركيا أو في العالم كله، هناك اعمال معروفة، ولا داعي لذكرها، لها علاقة بالسياسة، أو أنها مبنية على اساس سياسي أو موقف ما، لكنني الآن أرفض مثل هذه الاعمال، وأشعر بالسأم منها، كما لا تعنيني في شيء. لا أشعر بكبير تأثير علي حينما ارى عملا سرديا يجسد موقفا سياسيا ما وبطريقة إخبارية في كثير من الأحيان، كأنني اقرأ صحيفة مثلا. ولا اريد أن أقرأ السياسة مباشرة في الاعمال، إلا أنني افضل عندها أن أقرأ الجريدة او ان أستمع إلى نشرات الاخبار. حينما أنظر إلى معاناة الاكراد، أو الفلسطينيين مثلا. لو عرضت عملا لي في كردستان، لاخذ شكلا سياسيا مرتبطا بالقضية الكردية، وهكذا دواليك. العمل إذن مفتوح، ومتعدد الاسقاطات. كل منجز فني يثير التكهنات والإشكالات والنقاشات، هو بالنسبة لي ناجح من حيث المبدأ. فهو قادر على استثارة الأفكار العديدة التي يكون بعضها متناقضا. التقاه: مازن معروف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية