قراءة في ديوان إني أرى شجرا لصلاح أبو لاويد. إبراهيم خليلعندما كتب أمل دنقل قصيدته ‘ البكاء بين يدي زرقاء اليمامة ‘ أشار لحكاية النبوءة بأبيات تتضمن رؤيتها للأشجار التي تمشي، وما كان من أثر تلك النبوءة لدى القوم الذين لم يصدقوها، بل استضحكوا منها، ومما قالت، وعدوه ضربًا من الوهم، والثرثرة:قلت لهم ما قلت عن مسيرة الأشجارفاستضحكوا من وهمك الثرثار وحين فوجئوا بحدّ السيف قايضوا بناوالتمسوا النجاة والفراروها هو صلاح أبو لاوي في ‘ إني أرى شجرا ‘ يستعيد في قصيدته الموسومة بالعنوان’ إني أرى..’ حكاية زرقاء اليمامة التي صلبت بعد أن قالت ما قالت، وبعد أن كذبت، واكتشف القوم كم كانوا واهمين، ومخدوعين: لكن اليمامة وحدهاظلت معلقة على أبواب جوّتنهش الغربان عينيها ومن فمها يسيل الشعر أغنيةعلى وتر النجاةإني أرى شجرا أفيقواإني أرى شجرا أفيقوا وما بين القصيدة الأولى التي نشرت في العام1967 والأخيرة التي نشرت في العام 2010ما يسوّغ للمرء أن يكرر المثل المشهور، والقول المأثور: ما أشبه اليوم بالبارحة! ولصلاح أبو لاوي في هذا الديوان، وهو الثالث بعد ديوانيه: ليتني بين يديكِ حجر(1988) و الغيم يرسم سيرتي( 2008) ومشاركاته في أثني عشر، وصلوات لوجه غزة، قصائد عدة تجتذب انتباه الدارس، واهتمام الباحث الناقد، وأولاها قصيدته التي جعل من عنوانها عنوانا للديوان. فكأنَّ ما حدث قبل نيف وأربعين عامًا ما زال يتكرر، فالخطر الداهم هو هو، والموقف الذي يتعامى عن ذلك الخطر، ويتنكر لنبوءة العراف، ورؤيا المثقف، هو هو. فالقمر الذي يفترض فيه أن يبدد حلكة الليل، والأجواء، قمرٌ ضبابي، وفي ذلك ما فيه من مفارقة ساخرة، والذاكرة إنْ لم تكن نضبت فعلا، فهي في أحسن الأحوال، وعلى أقل تقدير، ضاقت حد الاختناق. فالمتكلم في القصيدة لا يكفيه أنْ يُضطر لتلمس خطاه في الظلمة الشديدة، بلا رؤية واضحة، وبلا بصيص نور، ولا يكفيه أن يسرج خيل أشرعته ويفر من جثته، ولا يكفيه أنّ إخوته إخوة يوسف- تركوه فريسة سهلة ميسورة للذئب، فهو علاوة على هذا كله، لا يستطيع وسط الخراب الغارق في العتمة أنْ يستبين بوضوح وجه قاتله من بين الوجوه الكثيرة:في الموت ما يكفي ولكن الضحية لا تميّز وجه قاتلهاولا تقفُ الفصولُ والأرض مثل سحابةٍ عجلىتسيرُ ولا وصولُفمعاناة المتكلم أكبرُ من أن تحيط بها الأسطورة، (زرقاء اليمامة) وأكبر من أن تعبر عنها رؤياه الكابوس. ذلك الكابوس الذي يتراءى لنا في قصيدة استوحاها من سيناريو محمود درويش. مقدمًا نموذجا مغايرا لما قدمه درويش. فالمتكلمان، وهما فلسطيني وإسرائيلي، ينتهيان إلى أنّ الأول متشبث بقريته، فيما يتمسك الثاني بمزاعمه ودعواه، مؤكدًا أنها أورشليم، وعلى الرغم من أنّ الأول كان قد فاوض الثاني، فإن هذا لا يعترف بالتفاوض، ويرد في حزم قائلا:خوفي الذي فاوضكْثم أيقظته، قلتُ:- ماذا رأيت؟قال لي: – حلمتُ بأني هنا أدفنك فبكيت قليلا لأنّ فضاءً بعيدًاأطلّ علينا ولما اقتربنا إلى غيمة في المنام هلك.فهذا السيناريو يلقي الضوء على الانخراط العبثي في مفاوضات لا يؤمن بجدواها حتى المفاوض. وذلك شيء جرى التعبير عنه في صورة متخيلة عن علاقة الإنسان الفلسطيني بالأرض، وعن رؤيته للسلم الذي يوصي به الأجداد، ويحثّ عليه تراث الأسلاف، فالحوار الذي يجري بين الجد وحفيده ينتهي إلى: يا جدّ لا أرض ليكيف أمشي بلا قدمين؟وكيف بلا أفق سيطيرُ الحمام؟الدوائرُ من حيث تبدأ لا بد أن تنتهيكلّ خلف يجرّ إلى خلفهوالأمام يقود الأمامواضحون،وهم واضحون كلوْن دم الستوات الحرام فالسلام عليك والسلام عليناوالسلام على حقنا في السلام يبدو الشاعر في قصائده هذه مسكونا بهاجس واحد طغى على لغته، وعلى صوره، وعلى رموزه، ففي قصيدة بعنوان ‘ الصقر ‘ يخاطب أبو لاوي الشهيد غسان كنفاني ‘ فارس الزمن المقاوم ‘ بلسان يمثل الناس المحبطين في زمن التفاوض، وإذا هم مهدودون بسبب التفريط ، تائهون بلا أرواح، وإذا هم يحسدون الشهيد كنفاني، لا لشيء إلا لكون السماء اختارته من ذالك الوقت إليها حتى لا يشهد ما نشاهده اليوم من تراجع تحول بالنضال نضالا ضدّ البنادق. وفي ظل هذا الواقع المتغير لم يعد المتكلمون في القصيدة يرون من تاريخهم إلا شيئا مشكوكا فيه وبصحته، بل يرتابون أكثر من ذلك بالحاضر، والمستقبل الآتي: يرتابون في الآباء والأزواج والأبناء ويرتابون كذلك في العمائم واللحى: ونشك في أحلامناإذ كلـّما امتدت لنا كفٌّ لتصفعنا مددنا- نحن عشاق السلام- مصافحين لذئبها كفيّنْوعلى هذا النسج تواصل القصيدة استذكارها الشهداء، فمن أحمد العربي، إلى (الحكيم ) في نسق يؤكد النقيضين: الاستشهاد مقابل التخاذل، والنتيجة أنّ المتخاذلين يخونون الدم: نحن الذين كتبتناخنّاك لا عادتْ لنا حيفا ولا عُدناولا شئنا سَداد الديْن ويستعيد الشاعر أبو لاوي في قصيدة ‘ بيروت ‘ ماضي هذه المدينة عندما كانت ساحة نضال يرتحل نحوها الشعراء، ويؤمها المثقفون. فبيروت التي يناجيها المتكلم رقصة تارة، وغانية تارة، وامرأة تارة، ونهر من نبيذ نبويّ تارة، ووجه أسمر تارة أخرى. وليست شاطئ صيد، أو شارع لهو ‘ الحمراء’ وليست مقعدًا في (باص) يأخذ المسافرين من منفى لآخر، ومن مدينة لمدينة أخرى: هنا بيروتآهة قوسنا القزحيّواحة عشقنا الصوفيوفاتحة إذا قرئتْ تصيرُ حروفها حَجَلاوأفئدةً تصيرُ.ولذلك فإن الشاعر المهزوم ، الذي فارق بيروت مكرها، لا يفتأ يحنّ إلى هذه المدينة باحثا فيها، لا عن ماضيه حسب ، بل عن حاضره، وعن مستقبله، الذي ما تزال فيه بارقة من أمل، وبصيص من نور:وحيدًا جئتُ يا بيروتأبحث فيك عن جسدي وعن قدمي التي التصقتفلم ترحلْ على زبَديوعن قمح سنابله برغم الموت لم تبْرحْ شقوق يدي ولي أملٌ أنا الأعمى أنا المهزومُ من عينيك لي أمل بصيرُ ومن يقرأ شعر صلاح يظنّ من الانطباع الأول أنه يتوخى البساطة، والعفوية، التي تؤدي إلى المباشرة. وهذا انطباع غير دقيق. فعندما نعيد النظر فيما نقرؤه نكتشف ما قام به الشاعر من محاولات جادة، وجذرية، لابتكار لغة شعرية خاصّة به، مجردة من تأثيرات الشعراء الآخرين. فهي محاولات تتجلى بصفة خاصة في قصائده القصيرة التي ساقها تحت عناوين مختلفة، منها: مقاطع من سيرة لم تكتمل.وقصاصات الكرمة. فهي تجارب تمثل بلا ريب اتجاهًا متفرّدًا في هذا اللون من الشعر. ففي قصيدة قصيرة بعنوان ‘ قل’ يعبر المتكلم لصاحبه عن شعوره القوي بما لديه من معاناة، بكلماتٍ قليلة نعم – لكنها توحي، وتشير، إلى دلالات كبيرة ذات مغزى: لا تقلْ ما الذي أغضبك إنما للطريد المهجّر قلْما الذي أخّركونظرت بعين اليقين إلى يأسه فارتبكْ فبكلمة ‘ ارتبك ‘ عبّر الشاعر عن مأساة هذا النموذج الذي يحاول مداراة يأسه تارة، وغضبه تارة أخرى، من غير أن يضطر لاستخدام التفاصيل التي تحول القصيدة من نص مكثف إلى آخر، يخلو من التكثيف، وعلى هذا النحو نجد قصائد أخرى تعتمد الومضة الشعرية إذا جاز التعبير بدلا من الاطراد، والاستطراد. ولا ريب في أن القارئ يلاحظ ما لدى الشاعر صلاح من حسّ دافق بالموسيقى، ففي أكثر هذه القصائد سلاسة إيقاعية، وجرس صوتي، ينمّ عن الإتقان الأسلوبي الذي نفتقده في الكثير من الشعر. وهو لا يفتأ يتخذ من القافية محورًا للقصيدة. ففي القصيدة التي أشرنا إلى بعضها وهي قصيدة ‘ بيروت ‘ ثمة قافية تتكرر على نحو لافت : أسير، الكسير،العبير، يطير،خرير، غرور،حرير، يدور ، تصير، سرير،ضرير، صخور، فتكرارها في أواخر المقاطع المدوّرة يضفي على القصيدة تشكيلا موسيقيا يكسبها طابع التماسك الصوتي عن طريق التذكير، والربط الذهني بين القافية وما يليها من قوافٍ. وكانت قد تكرّرت هذه الطريقة في اتخاذ القافية محورًا مركزيًا للقصيدة في ‘ إني أرى شجرا’ فالمقاطع المدورة تنتهي دائما بالصوت نفسه : تضيق، غريق،صديق،رحيق، يليق، شقيق، طريق، بروق، أفيقوا. وقد مهدت القوافي المذكور للأخيرة ‘ أفيقوا ‘ التي تكررت على نحو يخدم دلالة النص، فارتقى فيها تفاعل الصوت والمعنى، وهذا شيء يؤكد شاعرية القصيدة. إلى ذلك لا يغفل الشاعر عن توظيف ما يؤدي إلى الاتساع الدلالي؛ تارة بتوظيف التراث الثقافي (النواطير)، وتارة باستخدام الأسطورة(زرقاء اليمامة)، والميثولوجيا الدينية (شعيب) و(جالوت) و( إخوة يوسف) وطورًا بالاتكاء على نماذج يلتقطها من السياق المعْرفي، مثلما هي الحالُ في قصيدته ‘ الصقر ‘. وهذا كله مما يفصح عن أنّ لصلاح تجربة شعرية تقوم على أسس ثابتة، وتقاليد راسخة، تذكرنا بالكثير الجيد من تجارب الشعر العربي الحديث. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*ناقد وأكاديمي من الأردن email;[email protected]*صدر الديوان في منشورات الزرقاء مدينة الثقافة الأردنية، وزارة الثقافة، عمّان2010.