ناصر العبدليحتى الآن لم أستدل على موقف واضح وصريح لدول الخليج العربية (السعودية، الكويت، البحرين، الإمارات، قطر، عمان) تجاه العراق منذ سقوط نظام الديكتاتور العراقي صدام حسين إلى اليوم، وكل مانسمعه ونراه بين الحين والآخر من تلك الدول لايعطي إنطباعا على شيء ثابت وراسخ فالأمور غائمة وضبابية، وفي أحيان أخرى متناقضة وغير مفهومة، وكأنما يخبئ كل ذلك أمرا ما. عندما قررت الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس السابق جورج بوش الأبن الإطاحة بالنظام العراقي دون الحصول على قرار دولي يعطي شرعية لتلك الخطوة وقفت الدول الخليجية موقف المتفرج وإن ساهم بعضها على مضض في تأييد مثل تلك الخطوة، وربما نجد لها بعض المبرر في ذلك على إعتبار أن الخطوة لاتحظى بقبول دولي، لكن ما لايمكن فهمه غيابها عن الترتيبات الداخلية في العراق هي ودول عربية أخرى مؤثرة مثل مصر رغم إستحقاقات المرحلة.
الوضع الخليجي لا يمكن تفسيره إلا من خلال ثلاثة أمور رغم أجواء الغموض أما أن تكون تلك الدول مجرد دمى يجري تحريكها من خلف الكواليس تجاه هذا الموقف أو ذاك حسب مصلحة الراعي الأمريكي، وأما أن يكون الأمر رفض منح الأغلبية الشيعية حقها الطبيعي في تحديد شكل الحكومة العراقية وتوجهاتها وربما يفسر ذلك الموقف ما جرى في البحرين عندما تدخلت قوات درع الجزيرة لإجهاض الثورة هناك، وأما أن تلك الدول ضد التغيير بشكل عام وتريد الإبقاء على الوضع كما هو دون تغيير وهو ما يدحضه مواقف الدول الخليجية من الثورتين الليبية والسورية. إذا ماتناولنا الأمر الأول سنجد أن هناك بعض المؤشرات التي تؤكد وجود مساحة للمناورة لدى الدول الخليجية، وقد بدا ذلك واضحا عند التعاطي مع الملف السوري فهناك بعض الدول الخليجية إتخذت موقفا حادا من ذلك الملف، فيما عارضت أخرى تلك الحدية في الطرح، مما يدفعنا إلى إستبعاد أن تكون الأمور تنفيذا لإملاءات تفرض من الخارج.
يمكن في هذه الحال أن يكون الأمر الثاني أكثر قبولا لتفسير الحالة الخليجية إذا ما وضعنا في عين الإعتبار موقف الدول الخليجية من الثورة البحرينية فقد كان هناك إجماع على قمعها وإن إختلفت آليات ترجمة ذلك إلى واقع، فهناك من الدول الخليجية من أرسل قوات للتصدي للمتظاهرين بشكل مباشر وهناك من أرسل قوات بحرية بحجة حماية حدود البحرين البحرية، وهناك أيضا من أتخذ إجراءات أخرى خلف الكواليس كان لها نفس الأثر.
يمكن إستبعاد التفسير الثالث في ظل مساهمة قوات عسكرية خليجية من قطر والإمارات في دعم الثورة الليبية، مما يعني أن تلك الدول لاتعترض على رغبة الشعوب العربية في التغيير بشكل عام حتى وإن كان هناك موقف ملتبس تجاه الثورتين التونسية والمصرية وربما الثورة اليمنية، وسنجد أن لذلك الإلتباس ما يبرره، لكننا في المحصلة النهائية أمام دول لا ترفض التغيير بل تساهم في بعض أشكاله.
دول الخليج في هذه الحالة تتجاوز حقائق تاريخية تبلورت في العراق الجديد بعد إسقاط النظام السابق أبرزها أن هناك حكومة منتخبة بأغلبية الشعب العراقي مهما حاول الآخرون التشكيك في هذه الحقيقة، وأن هذه الحكومة لن تقفز على تطلعات الشعب العراقي الداخلية والخارجية، وهي الآن تعمل على قدم وساق من أجل تحويل تلك التطلعات إلى واقع على الأرض من خلال وضع مشاريع طموحة على صعيد الثروة النفطية حيز التنفيذ.
العراق الجديد وهي حقيقة ينبغي أن تنتبه لها الدول الخليجية يرفض أن يكون تابعا لأحد سواء للولايات المتحدة الأمريكية التي كانت المساهم الرئيسي في إسقاط الديكتاتور، أو لأي من الدول المحيطة به رغم كل تلك الأموال التي أغدقت على بعض الدمى هناك، ومؤشر ذلك هو المسافة التي تقفها الحكومة العراقية من كل الثورات العربية في المنطقة بما في ذلك الموقف من الثورة البحرينية حينما جاء متوافقا مع منطق الأمور.
العراق الجديد يعمل كذلك على إعادة صياغة العلاقات مع محيطه العربي وغير العربي (تركيا، إيران، الأردن، السعودية، الكويت) من خلال إستيعاب وفهم الحقائق الجديدة داخله، وهو أمر إن لم تستوعبه وتفهمه الدول الخليجية وخاصة الكويت ستواجه مشاكل كثيرة ومعقدة ربما يؤثر على إستقرارها، ولعل التصريحات النيابية الأخيرة هناك حتى وإن كانت تتحدث عن بناء الكويت لميناء مبارك الكبير إلا أنها تندرج في هذا الإطار الذي يعبر عن حالة إمتعاض عراقية من حكومات الخليج بشكل عام بسبب عجزها عن فهم ما يدور في داخله.
إستخدام الطرق السائدة أيام الحرب الباردة مثل دفع الأموال للقوى السياسية والإجتماعية المختلفة بهدف كسبها إلى جانب المشاريع المتخلفة، وإثارة النعرات الطائفية، وضرب القوى السياسية والإجتماعية ببعضها البعض لم يعد مجديا كثيرا، وثبت فعليا أنه يمكن أن يرتد على أصحابه كما حدث في لبنان، لذا من الأجدر بالدول الخليجية إعادة التفكير في مايجري في العراق من تحولات والإستفادة منها لتطوير أوضاعنا الداخلية وخلق حالة من التوازن في المنطقة تقف معنا لاعلينا. ‘ كاتب كويتي