الثورات العربية والإصلاح الديني وصعود التيار الإسلامي

حجم الخط
0

عبد الحكيم أجهرلا يحتاج المراقب إلى تأمل طويل ليلاحظ أن حضور الإسلاميين في الثورات العربية كبير، وأن هذا الحضور مرشح لأن يحصد أعداداً كبيرة من المقاعد الانتخابية القادمة في الدول التي اجتاحها الربيع العربي. وإن أي تحليل نظري لهذا الصعود الإسلامي لا يجب أن يتجاهل فكرة الهوية التي تتمسك بها الشعوب العربية تمسكاً شديداً. فالثقافة العربية لا تكف عن التساؤل عن العلاقة بين الذات والآخر، وعن موقعنا في هذا العالم، وعن الطرق الكفيلة بالتقدم وتجاوز الانحطاط. هذا الشعور بالهوية وبالذات، وبضرورة تجاوز الانحطاط والتخلف هي هموم أساسية وكبرى عند العربي، وهي جزء من شعوره العام وليس مجرد تعبير ثقافي مكتوب، وهذا ما يجعل هذه الشعوب تتمسك بالإسلام بوصفه مكوناً للهوية أكثر من كونه مشروعاً لتطبيق الشريعة الحرفي.

يحق لنا الاعتقاد أن الإسلام الحديث مرّ بثلاث مراحل كبرى: الأولى هي مايسمى عصر النهضة العربي الذي امتد من أواخر القرن التاسع عشر وحتى الربع الأول من القرن العشرين، والمرحلة الثانية، هي مرحلة الإسلام التقليدي أو المحافظ الذي اكتسح الشارع العربي منذ السبعينيات وحتى اليوم، والمرحلة الثالثة هي مرحلة الثورات العربية وصعود التيارات الإسلامية المعتدلة إلى السلطة. وهذه المرحلة الأخير ة يجب تسميتها مرحلة رغم أنها بدأت للتو ولكنها تختلف كثيراً عن الإسلام التقليدي الذي ساد قبلها.

لقد نشأ عصر النهضة العربي نتيجة المواجهة مع الغرب، فالعالم العربي كان عالماً غارقاً في إسلام السلطنة العثمانية مقابل غرب متحضر أنجز الكثير من التقدم في القرون نفسها التي كان فيها العالم العربي في حالة جمود. كان الإصلاح الإسلامي الذي قادته أسماء كبيرة من خير الدين التونسي ورفاعة رافع الطهطاوي ومحمد عبدة وعبد الرحمن الكواكبي وعلال الفاسي… ، كان هذا الإصلاح يعكس في روحه المواجهة التي حصلت بين عالمين: إسلام تقليدي جداً، وتقدم أوروبي يتمثل في المؤسسات والعلم والعقلانية وفكرة الحرية والعقد الاجتماعي. وبالطريقة نفسها التي تم فيها اللقاء بين عالمين مختلفين انعكس هذا اللقاء على الورق في نصوص رواد عصر النهضة. فحملت تلك النصوص طابعاً تبريرياً وتجميعياً تهدف إلى خلق مصالحة بين الإسلام والغرب. كان مثقفو عصر النهضة لا يوفرون جهداً في تكرار القول إن المبادىء والمقدمات التي جعلت أوروبا تتقدم هي ذاتها مبادىء الإسلام. خير الدين التونسي مثلاً يعتبر أن المؤسسات الأوربية، والوزارات المسؤولة، والبرلمانات، وحرية الصحافة، يجد كل ذلك مايعادله في الإسلام. ففكرة الوزير الجيد في أوروبا هي نفسها فكرة الوزير الصالح في الإسلام، أما البرلمانات والصحافة فهي تساوي فكرة المشورة في الإسلام، وأعضاء البرلمان في أوروبا هم أنفسهم ‘أهل الحل والعقد’ في المفهوم الإسلامي. هذه الطريقة في الإصلاح اعتمدها مثقفو عصر النهضة العرب المسلمين ولكن العنصر الضائع في عملية الإصلاح هذه كانت فكرة الدمج وإعادة التركيب. كان فكر عصر النهضة فكراً يقارب طرفاً مع طرف ولكنه لم يذهب إلى إعادة بناء فكر إسلامي جديد ينجح في إنتاج نظريات متماسكة وفق عناصرها الخاصة التي تجد معناها في سياق النظرية نفسه.

كان لقاء العالمين العربي الإسلامي والغربي لقاء خارجياً، وصار أيضاً لقاء خارجياً في النصوص المكتوبة على الورق وفي المؤسسات المنفصلة عن بعضها في الواقع، المدرسة الحديثة والجامعة تقع إلى جانب الكتّاب والمدارس الدينية التقليدية. لقد أدت هذه الطريقة في صياغة فكر النهضة والإصلاح الإسلامي إلى سهولة انقسام المثقفين فيما بعد إلى تيارين، محافظ وعلماني، كما حصل في حالة تلاميذ محمد عبدو، الذي كان يجد كل فريق في فكر الأستاذ ما يريده. هذه الانقسامات في وسط تلاميذ عبدو لا تشبه انقسامات أتباع هيغل أو كانط، فهي ليست انقسامات تقوم على تأويل فكر الأستاذ بل على التمسك بجانب دون آخر من فكره، لأنه بالأساس كان فكراً منقسماً على نفسه جراء عملية التوفيق الحاصلة بين طرفين متخارجين. لقد انهزم الجانب الإصلاحي في النهاية ونجح التيار التقليدي المحافظ في الاستمرار وقد غذاه عجز الفكر القومي العربي عن حل مشكلات الأمة الأساسية، ثم جاءت الثورة الإيرانية لتعلن ظهور ماكان غامضاً وهو قدرة التيار التقليدي المحافظ على اكتساح الشارع العربي. يقف الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي اليوم على عتبة مرحلة جديدة بعد الثورات العربية ولكن ضمن شروط مختلفة تماماً عن شروط عصر النهضة. هذه الشروط المختلفة تتمثل أولاً، في تراجع المشروع الإسلامي التقليدي الذي انتعش منذ سبعينيات القرن العشرين، وثانياً، أن المشاريع الإسلامية الجديدة المتمثلة بحزب النهضة التونسي والإخوان المسلمين في مصر وسوريا هم اليوم على مواجهة مباشرة ليس مع غرب أكثر تحضراً بل مع مطالب الناس في الرغبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وتحطيم الأشكال السلطوية وتحقيق التقدم. هذه المواجهة تفرض على الفكر الإسلامي إلزامات جديدة. والاحتمالات الأرجح أن الصعود الإسلامي الجديد بعد الربيع العربي لن يكون محافظاً ولن يسعى إلى فرض الشريعة بحرفيتها، بل سيبحث عن الصيغ الأكثر ملاءمة لتلبية مطالب الناس الذين يميلون بحدسهم الخاص نحو تيار إسلامي معتدل قادر على التجديد والحفاظ على الهوية في الوقت نفسه.

هناك مشاريع ثقافية متعددة يتم طرحها الآن وهي تختلف في عملها عن آليات عمل عصر النهضة، وإن كانت استفادت منه وتسعى إلى معالجة عيوبه. إن واحدة من هذه المشاريع يحملها أبو يعرب المرزوقي التونسي ولعله من باب الرمزية المعبرة أن يشارك المرزوقي إلى جانب الغنوشي في الإعلان عن تصورات حزب النهضة عن مستقبل تونس.

التيار الإسلامي المعاصر الذي يحقق نجاحاً في انتخابات ما بعد الثورات يقف أمام اختبار قاس، فمهمته لن تتوقف عند طرح برامج سياسية تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية، بل عليه أن يقدم اطروحات نظرية تستطيع ممارسة الجدل النظري ضد أصحاب الإسلام التقليدي الذين سيقفون بالمرصاد ضد الإصلاحيين. وهنا تبرز مهمة المثقف العربي اليوم، هذا المثقف الذي ربما تغريه التجرية التركية ولكنه يعيش في سياق مختلف تماماً عنها. الإسلام التركي جاء للسلطة على أكتاف العلمانية المتحققة فعلاً ومنذ زمن طويل، ولكن الإسلام العربي سيصنع فكره الجديد بدون مسبقات سوى مقدمات عصر النهضة النظرية التي يجب تجاوزها من أجل تحقيق الاعتدال الأقرب لفكرة المجتمع المدني في نظام الحكم. ولا يكفي للإسلام الجديد أن يكرر شعارات عصر النهضة أو شعارات غير مسنودة نظرياً. الغنوشي يقول أنه يؤمن بمساواة الرجل والمرأة وأنه لن يغير قانون الزوجة الواحدة… ، ولكن هذا الكلام يبقى كلاماً إذا لم يتم صياغة العدة النظرية الكاملة لدعمه وتحويله إلى فكر مقنع على المستوى العام. إن القوى الإسلامية الجديدة اليوم تمتلك طاقة هائلة على إنجاح مشروع الإصلاح الديني، هذه الطاقة هي ثقة الناس في تيار إسلامي معتدل لم يتوقعه حتى أصحابه أنفسهم، وهي من أهم المقومات التاريخية التي لا تتكرر دائماً: حماس شعبي وثوري كبير لفكرة إسلام إصلاحي يحافظ على الهوية ويتقدم بالبلد نحو آمال أبنائها. ولذلك فالمسؤولية النظرية والسياسية كبيرة جداً، وإن فشلها سيترك فراغا ثقافياً وسياسياً يصعب تعويضه، فراغاً سيلجأ إلى ملئه فكر علماني خالص ذي نزعة أوربية ترتاب الناس في قبوله، الآن على الأقل، أو فكر تيارات إسلامية محافظة ستشعر بأنها استردت مصداقيتها كونها الوحيدة الحريصة على الشريعة كما تعتقد.

ثمة عناوين كبرى تدركها الأحزاب الإسلامية الإصلاحية على أنها موجهات لعملها المستقبلي، أولاً، الهوية المتثملة بإسلام معتدل، وثانياً، الحرية التي وصل العربي إلى حد جعلها واحدة من أكبر أحلامه في العصر الحديث، والتي تترجم عادة بحرية التعبير والتعددية السياسية بكل أشكالها، وثالثاً، الكرامة التي تعني استعادة حقوق الفرد داخل وطنه، من جهة، واستعادة المكانة التاريخية لبلداننا، كما عبّر عن ذلك ثوار مصر، من جهة ثانية، وثالثاً، العدالة الاجتماعية، التي تعني القضاء على الفساد، ومساواة المواطنين جميعاً مسلمين وغير مسلمين أمام القانون، وتحقيق تعليم جيد ومتوفر للجميع وفرص عمل من أجل ممارسة حياة طبيعية.

الإيجابي في الثورات العربية وما يدعو فيها للتفاؤل هو أنها استكمال لمشروع عصر النهضة العربي، ولكنه ليس استكمالاً على مستوى النخبة الثقافية، إنما هو مشروع مرتبط بعمق بالهموم السياسية والثقافية والاجتماعية. لذلك فإن أحزاب الإسلام المعتدل تحتاج إلى منظرين مثقفين على معرفة بالفكر الإسلامي وبالفكر العالمي، ويمتلكون القدرة على التنظير للإصلاح الديني، بقدر احتياجها إلى تكنوقراط وخبراء في العمل السياسي. ذلك ان الثورات العربية اتخذت منحى مختلفاً عن الثورات التقليدية، فهي لم تبدأ تحت قيادات محددة ولا برامج سياسية أو أيديولوجيات مسبقة، وإنما هذا ماتحاول صنعه الآن بعد نجاحها في إسقاط أنظمة عطلت الحياة والثقافة، وشكلت تربة خصبة للتيارات التقليدية الإسلامية.’ أستاذ جامعي وباحث سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية