زهير أندراوس
الناصرة ـ ‘القدس العربي’: اعتبر مئير داغان رئيس (الموساد) السابق، في خطابين ألقاهما حديثاً، أن ضرب إيران فكرة غبية، وقال إنّ التحدي الإقليمي الذي ستواجهه إسرائيل سيكون مستحيلاً، وقد أوضح أن رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو ووزير الأمن، إيهود باراك يقودان إسرائيل إلى حرب لا يمكن أن تفوز بها.
وأمس الخميس سلّط الإعلام العبريّ للمرّة الثالثة خلال عدّة أشهر الأضواء على الخطاب الجديد الذي ألقاه داغان في النادي الاقتصاديّ والتجاريّ بتل أبيب، حيث عاد وأكد على أنّ القضيّة الإيرانيّة شائكة ومعقدة ومركبّة، وأنّه يتحتم على صنّاع القرار في تل أبيب، أنْ يأخذوا بعين الاعتبار تداعيات الضربة العسكريّة لإيران، وأنْ يفكروا جيدًا وجديًا في اليوم الذي سيلي الضربة، في تلميح واضح إلى الردّ المؤلم الذي ستتلقاه الدولة العبريّة من طهران ومن حليفاتها في المنطقة بالتالي. وأضاف أنه تعاون مع مسؤولين أمنيين لإعاقة أي مغامرة خطيرة حين كان يشغل منصبه. ولكنه تابع قائلاً: أخشى الآن عدم وجود أحد لردع نتنياهو وباراك، على حد تعبيره. يُطرح اليوم سؤال ملح في إسرائيل: لماذا شكك داغان أي زعيم إسرائيلي يفكر في توجيه ضربة استباقية ضد منشآت إيران النووية؟ إن الجواب عن هذا السؤال يسلط الضوء على وجود انقسام هائل داخل مؤسسة الأمن القومي في إسرائيل، كما أنه يشير إلى أن داغان هو خبير استراتيجي أخرق، مع أن أحداً لا يضاهيه على مستويات التخريب والاغتيال والتجسس.
وبحسب المصادر في تل أبيب، فإنّ يعتبر أن تكاليف أي ضربة إسرائيلية على إيران ستفوق المكاسب المتوقعة، وفق تحليلاته لن يكون أي اعتداء مماثل مشابهاً للتفجير الإسرائيلي الذي استهدف مفاعل أوزيراك النووي في العراق، عام 1981، لأن العراق ركز برنامجه النووي في مكان واحد. أما برنامج إيران النووي، فهو منتشر في أنحاء البلد، ومن المعروف أن إيران تقع على مسافة أبعد من العراق. كذلك، يثق محللون في (الموساد) بأن إيران ستأمر عملاءها في حزب الله اللبناني بإطلاق آلاف الصواريخ على إسرائيل، نتيجةً لذلك، قد تضطر القوة الجوية الإسرائيلية إلى وقف هجومها على إيران للدفاع عن إسرائيل ضد اعتداء متعدد الجبهات. ومع ذلك، تُضيف المصادر، يعتبر الموساد، كغيره من الأجهزة الأمنيّة في الدولة العبريّة، أن برنامج إيران النووي يطرح تهديداً جدياً على وجود إسرائيل، وهي تدرك أن مجرد احتمال شن اعتداء إسرائيلي سيساهم في كبح طموحات إيران. بالتالي، ما الذي سبب خلاف داغان مع المسؤول السابق عنه، أيْ نتنياهو، وما سبب قراره بإضعاف موقعه علناً، الأمر الذي أدى إلى طرح جميع الخيارات على الطاولة بحسب العبارة الرائجة، المحللون في إسرائيل يعتقدون أنّ داغان يظن بأن باراك تحديداً لا يرى أي تداعيات سلبية لقرار استهداف إيران، وأن نتنياهو هو أسير الفكرة القائلة إنّ مسؤولية تجنب وقوع أي محرقة جديدة تقع على عاتقه شخصياً، علاوة على ذلك، أشارت المصادر عينها إلى أنّ نتنياهو يريد تحويل الأنظار عن مشاكله مع الفلسطينيين.
وتشدد المصادر عينها على أنّه ثمة حرب داخل منظومة الأمن الإسرائيلية، وحرب على مستوى التحليلات الصادرة. يقود داغان معسكر المسؤولين الراهنين والسابقين المقتنعين بأن نتنياهو يجب أن يخصص كل وقته لمحاولة إقناع الرئيس باراك أوباما بأن الولايات المتحدة وحدها قادرة على إبطال مفعول التهديد الإيراني، مع تأكيد ضرورة أن يلغي نتنياهو فكرة شن اعتداء إسرائيلي نهائياً.
لكن داغان أغفل أمراً واحداً، أن انتقاداته العلنية قد تؤدي إلى حث إسرائيل على إطلاق الهجوم في مرحلة أبكر. فهو أضعف بمواقفه مصداقية نظام الردع الإسرائيلي.
وتشك وكالات الاستخبارات الغربية وإدارة أوباما والوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن قادة إيران يتجهون تدريجياً نحو تصنيع قنبلة نووية، وقد تراجعت مخاوفهم الآن من شن ضربة إسرائيلية مقارنةً بالسنة الماضية. وبحسب مصادر في الاستخبارات فإنّ الإيرانيين يظنون أن تصريحات داغان تعكس موقف مؤسسة الدفاع الإسرائيلية.
لكن الواقع مغاير، ذلك أنّه في حال أقدمت إسرائيل على مهاجمة برنامج إيران النووي، فسيعود ذلك جزئياً إلى واقع أن داغان أضعف مصداقية بلده على مستوى قوة الردع. ولفتت المصادر الأمنيّة في تل أبيب، كما قالت ‘يديعوت أحرونوت’ إلى أنّه في الفترة الأخيرة، سادت فكرة مفادها أن إسرائيل تعارض مقاربة توجيه ضربة عسكرية وتعلق آمالها على أوباما، غير أن الأشخاص الذين يظنون أن نتنياهو لن يهاجم إيران لا يعرفون شيئاً عن هذا الرجل وعن مخاوفه وشراسته ومدى اقتناعه بأن التاريخ كلفه بإنقاذ الشعب اليهودي.
وخلصت إلى القول: قد لا يكون مئير داغان بارعاً على المستوى الاستراتيجي، ولكنه محق حتماً في أخذ انشغال نتنياهو بالشأن الإيراني على محمل الجد.
جدير بالذكر أنّ داغان كان قد صرح قائلاً إنّ تسعين بالمائة من دول العالم لا توجد لديها قوة نيران كالتي لدى حزب الله وأن الجبهة الداخلية الإسرائيلية ليست مستعدة الآن لمواجهة هجوم صاروخي. وأضاف أنّ الإيرانيين ما زالوا بعيدين جدًا من القنبلة النووية وأن برنامجهم يتأخر مرة تلو الأخرى بسبب الوسائل التي يتم تنفيذها ضدهم، في إشارة إلى عمليات سرية عسكرية والكترونية، كما رجّح عدم قدرة إيران على امتلاك سلاح نووي قبل عام 2015. ونقلت صحيفة ‘هارتس’ عن داغان قوله إنّ البرنامج النووي الإيراني تراجع سنوات للوراء بسبب سلسلة من الأعطال التي واجهته، على حد تعبيره.