رواية ‘المساليب’ والقضية الفلسطينية شوقي بدر يوسفصدرت رواية ‘المساليب’ للروائي مصطفى نصر عام 1999، ولم تنتبه إليها الساحة الأدبية من ذلك الحين وحتى الآن، وعلى الرغم من ذلك فهي تمثل علامة فارقة وجملة اعتراضية مهمة في مسيرة وعالم مصطفى نصر الروائي لاحتوائها على بنية سردية لها جمالياتها الخاصة النابعة من توجه المتخيل السردي في هذا النص إلى نفس النموذج الواقعي المألوف في عالم’الكاتب. علاوة على ما رسمه الكاتب في روايته من تنوع فني له غناه ومظاهره المتعددة في القدرة على وصفية أعماق الشخصيات بهمومها واستلاب واقعها وأفكارها، كما أنها تجسد وتعبّر في نفس الوقت عن سطوة الواقع المأزوم من خلال استلاب المكان والزمان والحقيقة الكبرى الشائعة الآن في عالمنا العربي، وهي حقيقة تشكّل العنصر الصهيوني على أرض فلسطين العربية، بواسطة الخديعة والمكر، وقد جسد الكاتب هذه الرؤية الكامنة في التاريخ العام للمنطقة في هذا النص الروائي في واقع سردي له نفس الأبعاد ولكن من منظور فني واقعي حكائي خالص بعث فيه الكاتب حركة الحياة بكل ما تحمل من شخوص وممارسات ووقائع وأحداث وتداخلات للواقع حول هذه الموتيفة، حيث تتواجد شخوص لها نفس التوجهات ونفس الطبيعة، ونفس الإطماع، تسللت بأساليب المهادنة والخداع والسحر إلى أرض النخيل بمنطقة بسونة الرامزة لفلسطين، ونجحت في العبور إلى المنطقة مستخدمة أساليب شيطانية، لا قبل لأصحاب الأرض بها منها افتعال التذلل، والمسكنة، والضعف، واستخدام سلاح المرأة، والمال، والسحر، وزرع أشخاص لهم سطوة وكاريزما سحرية خاصة يستطيعون عن طريقهم الوصول إلى أهدافهم في الحصول على هذه الأرض البكر وفرض سطوتهم عليها. تسلل المساليب إلى بسونة وأرض النخيل في قصاص والمراغة بأسمالهم ومكرهم ومسكنتهم المفتعلة حين زرعوا منصور عشرة بشخصيته الطاغية وجسده الفارع وقوة شكيمته كأسفين ضخم وبداية ومقدمة لتسللهم إلى هذا الأرض، فقد وصل منصور عشرة إلى أرض بسونة بطريقة غريبة في يوم غائم، واكتشفه الناس على شاطئ البحر الكبير واقفا وكأنه مزروع في هذه المنطقة منذ زمن بعيد، وكانت ملابسه البيضاء الناصعة التي لا يوجد عليها أي آثار للسفر ولا غبار الطريق تدل على أن هذا الرجل ليس رجلا عاديا، وأن تواجده في هذا المكان ليس بطريق’المصادفة، وظن الناس أيضا بسذاجتهم الفطرية وقتها أن هذا الرجل مبروك لسمات خاصة اتسم بها، حيث قالت الكتب الصفراء التي كان يقرأها هارون احد أعيان بسونة، وصدقها صديقه الشيخ رضوان أحد الرجال المقربين من أعيان وكبار رجال البلد حين أخبره هارون بفحواها قائلا ‘: الكتب الصفراء تقول إن كل مائة عام يأتي رجل بهدف سام وغاية شريفة. يعطيه الله الجمال والحسن، ليجعلانه مقبولا لدى الناس، ويعطيه القوة لتعينه على الشدائد وعظائم الأمور. وذلك الغريب الذي تحكون عنه، ما هو إلا ولي من هؤلاء، جاء إلى بسونة ليعينها، وليجعلها فوق كل القرى’. وكانت هذه هي الحيلة التي ابتدعها المساليب للوصول إلى أرض بسونة، وكانت أولى محاولاتهم فى ذلك هو زرع رجلهم منصور عشرة، وشخصية منصور عشرة في حد ذاتها شخصية مجهولة المصدر، فلم يعرف أحد هويته الأصلية، من أين جاء؟
، وكيف حلّ بهذا المكان، وهو داخل النص شخصية مؤجلة بحسب رولان بارت حيث الأحداث المترتبة على ذلك ستفصح عن أصول تلك الشخصية الغريبة التي حلت بأرض بسونة في هذا الوقت بالذات وفي تلك الظروف الغامضة على وجه التحديد، واستطاعت أن تفرض نفسها وحياتها على الجميع بمن في ذلك أصحاب القرار، حتى تم تعيينه في النهاية شيخا للبلد بأوامر من الباشا خير الله في سوهاج. تبدأ الرواية بنكبة ‘بسونة’، أو بمأساة اغتصاب ‘شوق’ الغازية التي تزوجها ضيف الله أبن منصور عشرة وعاشت مع زوجها في منزل أبيه، كانت مأساة وواقعة اغتصابها بمعرفة والد زوجها هي التي فجرّت الحدث بأكمله، فقد اغتصبها منصور عشرة والد زوجها في مفاجأة ألجمت الجميع وشلت تفكيرهم بمن فيهم ابنه ضيف الله أقرب الناس إليه، كذلك كانت المفاجأة شديدة الوقع على الشيخ رضوان الرجل الذي اكتشف وجود منصور عشرة عند البحر الكبير، ورحب به، وفرضه على أهل بسونة فرضا بدافع الشهامة والأخوة، بل وأدخله بيته وكشف عليه زوجته، ثم قربّه بعد ذلك إلى الوجيه الأمثل ـ عبد المولى أحمد- احد كبار أعيان المنطقة الذي زوجه ابنته الوحيدة ‘هنا’، كذلك ألجمت المفاجأة طلبة العجوز الذي كانت شوق تعيش في عشته قبل زواجها من ضيف الله، وفهمي العجل صديق ضيف الله والذي كان حاضرا معهم في ذلك الوقت، وهو المقرّب من مطاريد الجبل، والذي تقوم ذكور’بهائمه بتلقيح أناث بهائم بسونة والنجوع المحيطة بها، حتى شوق نفسها فوجئت بما فعله بها والد زوجها، كانت هذه الواقعة التي أقدم عليها منصور عشرة بدم بارد هي بداية الحدث والمفجر الأساسي لمجريات الوقائع والأحداث التي مرت بها أرض بسونة وما حولها من نجوع وقرى بعد ذلك، وكانت هذه الحادثة هي البداية لما حدث من أحوال وأمور في هذا المكان، وهذا الزمان، والذي، فيما يبدو كان في منتصف العشرينيات من القرن الماضي، أما نهايته فكانت هي ما حققه المساليب على أرض الواقع والذي توجزه هذه العبارة التي أنهى بها الكاتب روايته ‘: تزايد المساليب بصورة مفزعة، حتى قارب عددهم أهالي البلدة الأصليين. وبعضهم أصبح غنيّا يتاجر في كل شيء خاصة الخمور والدخان. وواحد منهم أصبح مغنيا مشهورا تذاع أغانيه في الإذاعات الأهلية التي بدأ ظهورها في ذلك الوقت’. (3)، وبين بداية النكبة، (مأساة اغتصاب شوق) ونهاية النص يكمن هذا الاستلاب الرهيب الذي أطل برأسه على أرض بسونة وقصاص والمراغة وأرض النخيل والأراضي المحيطة بها من أعمال سوهاج في صعيد مصر، وبدأ على أثره احتشاد النص بكثير من الأحداث والشخوص المؤصلة لوقائع ما حدث وما جرى لأهلها من طغمة المساليب الذين استباحوا المكان والزمان والحقيقة لأغراضهم الذاتية، وهو ما يحدث الآن على الأرض الواقع. لقد كان هذا الطرح الواقعي’الذي استخدمه الكاتب في تجسيد الصراعات التي دارت على أرض بسونة بين أبنائها بمختلف طوائفهم على سطوة السلطة الحاكمة في المكان من جهة، وبين المساليب الذين يحاولون الوصول إلى أرض النخيل لتكون وطنا لهم بأي طريقة من جهة أخرى، شكّل تماثلا مشابها مع الطرح التاريخي الذي استلهمه الكاتب من وقائع تسلل اليهود ومحاولاتهم الوقيعة بين السلطة الحاكمة في العالم العربي من أجل الوصول إلى مآربهم، عن طريق الخداع وحبك المؤامرات، تماما كما فعل آدم عثمان العقل المفكر والمدبر للمساليب حين استغل أساليبه الشيطانية في تدبير المؤامرات والوقيعة بين أهالي المنطقة وأعمال السحر المختلفة في محاولة زرع الفرقة بين أهل بسونة وأهل قصاص والمراغة من أجل الحصول على أرض النخيل لجلب أكبر عدد من ممكن من المساليب إليها، وكانت تلك الهواجس كثيرا ما تنتابه عندما كان يفكّر في رجال المساليب وشبابها. ”’وقد استخدم الكاتب عتبة النص الأولى من خلال مفردة واحدة وضعها في مستهل الرواية محققا من هذه المفردة اختزالا متعمدا لكل معاني النص وما يحتويه من مضمون ورؤى وترميز وهاجس فني وإشارة إلى معادل موضوعي يجسد رؤية الكاتب في التعبير عما يضمه النص من إشكالية فكرية وسياسية تضع هذه المفردة أمام المعنى الكبير لما هو محفور في جسم النص من أحوال ووقائع وشخوص. ولعل المعنى الذي يقصده’الكاتب هنا هو معنى ملتبس من ناحية التفسير، له علاقة مع ‘موضوعية’ الحدث، فشخصيات المساليب داخل نسيج النص تحوي هذا الجنس من الكائنات البشرية الهائمة على وجهها في أنحاء الأرض هي تريد أن تجد لنفسها وطنا وأرضا تستوطنها وتعيش فيها وتشكّل فيها كيانا خاصا بها، والآخرون يريدون لها نفس الأهداف حتى يستريحوا من شرور هذه الفئة الضالة، لذا جاء الاستلاب كإشكالية مهمة تحل معضلة البحث عن أرض تجمع تلك الفئة وتضمهم بأي وسيلة وبأي الطرق، لذا كان الاستلاب لا يتم عليهم بالمرة إنما الاستلاب جاء على من هم أصحاب الأرض الحقيقيين، وهو ما عبرّت عنه الرواية في كل جوانبها، لذا فإن المفردة الحاملة لمعنى النص والإشارة إلى دلالة المضمون تعد إشارة وعلامة ملتبسة في معناها ومبناها الخاص، وقد رمز الكاتب لهذا العنوان الملتبس لانسحابه داخل النص على فئة الغجر والنوّر الباحثين عن أرض’ووطن لهم، وباعتبارهم كما ذكرنا هم حجر الرحايا المتنقل داخل النص والمتفاعل مع الأحداث والنابعة علاماته وإشاراته من سيميائية دلالية يبدو فيها المعنى الذي ارتآه الكاتب هو المعادل الموضوعي الرمزي الكامن في سلطة النص واستراتيجيته الخاصة، وكأنه يشير إلى هذا الاستلاب المقنّع الذي عاشته ولا زالت تعيشه المنطقة العربية، من خلال تلك الهوية التي يجري تحريفها وتشويهها واللعب في حقيقتها من أجل أهداف ومرام يعرفها من يحاولون القفز فوق الوقائع وتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب، على حساب أصحاب الحق في هذه الوقائع، حيث اشتغل الكاتب في هذا النص على تقنيات الحكي الواقعي ومزج في خطوطه العريضة بين وقائع الاجتماعي والسياسي والتاريخي رامزا لما حدث على أرض فلسطين برؤية سردية ابتدعها من عالم صراعات السلطة والإنسان في منطقة الصعيد، من خلال اختيار مجتمع الغجر والمساليب والنوّر لتجسيد مراحل الاستلاب المختلفة، مع توطين رؤية فكرية ضمنية اتخذت من خلال سطوة الواقع، ومن حركة المكان ورمزية الزمان وواقعية الأحداث رؤية جديدة لمحاولات هؤلاء الغجر والنّور والمساليب التسلل والتغلغل في الأرض والإنسان والفكر. لذا كان المكان في الرواية له أبعاده المختلفة، وتؤكد تضاريس النص وطوبوغرافيته ودهاليزه الخاصة، واقع ما رسمه الكاتب من متخيل سردي من خلال العلاقات الإنسانية الدائرة داخله، والمكان الذي رفده النص والكاتب في هذه المنظومة السردية هو شخصية حية فاعلة تنطوي عليها أبعاد وأهداف ما يسعى الجميع من أجلها. وقد استخدم الكاتب المكان ولكن بأسلوب مختلف عما استخدمه في أعماله الروائية السابقة، فالمكان في هذا النص يكمن في مستويين أساسيين المستوى المضمر المطلق الحامل في طياته أبعادا رمزية من الممكن إسقاطها على الخاص والعام، ومستوى آخر واقعي ينبع من واقع ما يعيشه الناس في قرى بسونة والقصاص والمراغة والأراضي المحيطة بها من أعمال سوهاج في صعيد مصر، والتي أسقطها الكاتب من خلال خصوصية هذا المكان على العام في رمزية استلاب الواقع واستلاب هذا المكان بكل ما يحمل هذا المعنى من رفد لأحداث يعيشها الزمن العربي الآن في أرض البرتقال، والذي رمز لها في النص أيضا بأرض النخيل في قرية بسونة بصعيد مصر، كما أن الواقع الدرامي المستخدم في نسيج النص أيضا يرفد في أبعاده المختلفة الصراع الإنساني بين الخير والشر في نزعته الحاكمة والمركبّة والمعقدة في طرح جديد يعوّل فيه على إشكالية الهوية والانتماء وعدم الانتماء. يعمد الكاتب إلى استخدام تقنية التكنيك السينمائي من خلال انتقال المشاهد والمواقف في إيقاعات متحركة تعكس طبيعة بنية المواقف والوقائع والمشاهد، كما تعكس ممارسات الشخوص ودرامية ما يحدث من وقائع تتطلب تسريع الإيقاع أو إبطاءه، والانتقال بالمشاهد باستخدام خاصية السيناريو، فمنذ الوهلة الأولى للنص يتسارع الإيقاع السردي حين يغتصب منصور عشره الغازية ‘شوق’ زوجة ابنه ضيف الله، وحين تقع هذه الواقعة يتسارع الإيقاع أكثر فأكثر، وحين تلقي شوق بنفسها في الرياح في غفلة ممن حضروا على أصوات الصراخ والنحيب، يستحضر المشهد والصورة حادثة حضور منصور عشرة وظهوره فجأة أمام البحر الكبير، ثم تغلغله داخل بسونة بمعرفة الشيخ رضوان، ويستحضر الجميع هذه الوقائع بتفاصيلها والجدل الذي ثار حولها، ويزداد حضور منصور عشرة في بسونة بزواجه من ‘هنا’ ابنة الوجيه الأمثل وشقيقة هارون، ثم يصبح منصور عشرة شيخا للبلد بقدرة قادر وتزداد سطوته على الجميع، كما يزداد تغلغله داخل الحياة في بسونة لا يوقفه أحد عن مباذله ومطامعه، وحين تقع مأساة شوق، يزداد الإيقاع تسارعا حين يهم زوجها ضيف الله أبن منصور عشرة لقتل أبيه ثم انسحابه إلى الجبل’لينضم إلى مطاريد المنطقة تاركا بسونة ترزح تحت وطأة ما حدث. في هذا المتن الحكائي تدور العلاقة الجدلية بين هذا المتن وبنيته كمجموعة من الحوافز لكنها مرتبة بحسب التتابع الذي يفرضه ويعرضه العمل، وانطلاقا من نوعية هذا العمل تتجلى هواجس الشخصيات المؤثرة والفاعلة في نسيجه، من هذه الهواجس، تلك التي كانت تنتاب كبير المساليب آدم عثمان، ففي هواجسه المالكة عليه كل حواسه ومشاعره تجاه ما يحدث لأبناء جلدته المساليب، يستحضر آدم عثمان واقعه الآني المعيش في مونولوغ داخلي ‘: لم تتعّود يا آدم نوم الحجرات. اعتدت النوم في العراء، وتحت النخيل، وفي الطرقات. يطاردك رجال الباشا خير الدين في سوهاج؛ لأنك وأهلك تملأون الشوارع النظيفة قذارة. تهرب إلى القرى البعيدة والنجوع. سارة زوجتك ولدت كل أبنائك في العراء، قالوا هناك: ‘مسلوب. سيفضحنا ويضع رأسنا في الطين’. طردوك من البلدة. تبرأوا منك. وفي كل بلدة تذهب إليها يحدث هذا أيضا. المسلوب ليس له أرض، ولا وطن’. (9) تطرح هذه العبارة دلالة كبيرة عن صلب ما تحتويه القضية من أساسها، هي تنسحب فنيا على واقعية العمل من خلال مطاردة المساليب في مدينة سوهاج لأنهم يقومون بأعمال قذرة تسيء إلى المدينة وحاكمها ومن فيها، لذا فإن الباش خير الله يريد أن يضع المساليب في قطعة من الأرض بعيدا عن سوهاج يقيمون فيها ويبتعدون بأوزارهم وقذارتهم وأعمالهم الدنيئة عن المدينة. لذا كان هذا الهاجس كثيرا ما يدور في خاطر آدم عثمان كلما ألم به طارئ، أو يشتم خطرا على القضية. ينسحب الأمر أيضا على اليهود في فلسطين، فالعالم يريد أن يعطيهم أرضا يقيمون فيها ووطنا لهم، حتى يستريح العالم من شرورهم وآثامهم فلم يجد سوى فلسطين موطن الأديان ليمنحها لليهود عن طواعية ليقيموا فيها، فاستلب الأرض من أصحابها، كما استلب منهم الحقيقة، ومنح المساليب أرض بسونة أو أرض فلسطين بمعنى أصح لتكون وطنا لليهود. لقد حقق مصطفى نصر في هذا النص الذي جاء واقعي النسق كما هو مألوف في عالمه الروائي رؤية سياسية تدين الواقع وتعري مفهوم الانتماء وتضع موضوع استلاب فلسطين والانتماء العربي موضع جدل دائم ومستمر.