المميزات الخاصة للانتفاضة الثانية في معارك اسرائيل

حجم الخط
0

الانتفاضة الثانية للفلسطينيين كانت واحدة من أشد المعارك التي واجهتها اسرائيل على الصعيدين العسكري والمدنيالبروفيسور زاخي شالوم والدكتور يوعز هندل مقدمة: مر أكثر من عشر سنين منذ بدأت الانتفاضة الثانية في سنة 2000. كانت تلك فترة وجدت فيها دولة اسرائيل والمجتمع الاسرائيلي أنفسهما تحت أحد أشد الامتحانات التي واجهاها قط. وكان ذلك نتيجة سلسلة طويلة ومتصلة وكثيفة من العمليات التي نفذتها المنظمات الارهابية داخل دولة اسرائيل موجهة على مواطنيها وجنودها، وكانت الأصعب العمليات الانتحارية التي نُفذت على نحو عام في مراكز مدنية وأوقعت عددا كبيرا من المصابين والجرحى أكثرهم مدنيون. أصبحت ظاهرة الارهاب عاملا مهيمنا في صوغ برنامج العمل الوطني لدولة اسرائيل ومواطنيها وغيّرت تغييرا ملحوظا حياة مواطني الدولة العادية. وأثرت ايضا في الجهاز السياسي ومست غير قليل بمنعة الدولة الاقتصادية. صاحب الانتفاضة مدة سنين شعور صعب عند الجمهور الاسرائيلي فحواه أن ليس لاجهزة الامن رد حقيقي يفضي الى وقفها أو الى مضاءلتها على الأقل على نحو حاد. لم يتلاش ذكر تلك الايام الشديدة من الذاكرة الجماعية للمجتمع الاسرائيلي. فهو موجود فيه ويؤثر تأثيرا بارزا في صوغ مواقفه من القضايا السياسية والامنية التي تُطرح للنقاش منذ ذلك الحين الى أيامنا هذه.

للانتفاضة وجوه كثيرة، ويمكن ان نبحث في اطارها طائفة واسعة من الشؤون. سنحصر العناية في هذه المقالة في محاولة الفحص عن فرضية تؤكد المميزات الخاصة للانتفاضة وتعرضها باعتبارها احدى أصعب المعارك التي واجهتها دولة اسرائيل منذ أصبحت دولة مستقلة.

خاصية الانتفاضة بين معارك اسرائيلعرفت دولة اسرائيل منذ أُنشئت فترات صعبة لحروب مليئة بالثكل والخسائر بالروح والبدن. يمكن أن نفحص عن شدة كل واحدة منها على أساس معايير مختلفة ومتنوعة مثل: نسب القوة بين الأطراف؛ وتصور الأخطار التي تعرضت لها دولة اسرائيل؛ وتقدير الأخطار في واقع الامر؛ وعدد المصابين؛ ونسبة المصابين المدنيين قياسا بالجنود؛ ومبلغ الدافعية التي صاحبت المعركة؛ ومستوى التأييد أو المعارضة السياسيين اللذين صحبا المعركة؛ والعلاقات بين المستوى السياسي والعسكري اثناء الحرب الاتفاقات إزاء الاختلافات وما أشبه. يصعب أن نجد سلم معايير متفقا عليه يُمكّن من تدريج شدة المعارك التي واجهتها دولة اسرائيل. إن كل إقرار بمبدأ لتقويم شدة معركة هو بقدر كبير ذو طابع ذاتي.

برغم ذلك، عندما نفحص عن الخطاب العام المتعلق بالمواجهة العسكرية لارهاب المنتحرين في السنتين الاوليين من الانتفاضة، نتبين ظاهرة متميزة يمكن أن نسميها ‘معضلة الاستطاعة’. إن أصداء الانفجارات وتيار المنتحرين الذي لا ينقطع سببا جدلا اسرائيليا داخليا في أنه هل الجيش الاسرائيلي قادر على أن يهزم ارهاب المنتحرين، وعلى نحو أكثر عموما: هل جيش قوي قادر على العموم أن يهزم منظمة عصابات أو ارهاب؟ اعتقدت دوائر واسعة في اسرائيل ومن شبه المحقق انها ما زالت تعتقد، أن الجواب عن هذا السؤال بالنفي. لأنه كيف يمكن أن تردع، سأل كثيرون، من هو مستعد لأن يبذل مهجته للمس بمواطني اسرائيل؟ أي عقوبة تستطيع أن تردعه؟ فهو مستعد بل مشتاق الى أن يبذل أعز ما لديه، أي حياته، لتحقيق هدفه. فأي عقاب يمكن أن يردعه؟ أفضت هذه التساؤلات التي لا جواب عنها الى شعور واسع بالعجز واليأس من القدرة على مجابهة ظاهرة الارهاب التي زادت ضرباتها كل يوم تقريبا. وفي النهاية هزم الجيش الاسرائيلي ارهاب المنتحرين عسكريا، لكن الارهاب ودوائر تأثيره أثرت وما زالت تؤثر في دولة اسرائيل في شتى المجالات في المستوى الاستراتيجي.

الجانب الاستراتيجي لتهديد الارهابعلى مدى سنين كثيرة ومنذ انقضت حرب الاستقلال في واقع الامر ثبت في التصور الامني في اسرائيل تمييز بين فئتين من التهديدات لدولة اسرائيل: تهديدات في المستوى الاستراتيجي وتهديدات في مستوى الامن اليومي الجاري. نُسبت التهديدات في المستوى الاستراتيجي دائما الى الدول العربية المجاورة ولا سيما مصر. وكان الفرض الأساسي أن جيوش الدول العربية المجاورة تستطيع أن تهدد وجود دولة اسرائيل باحتلال مناطق والقضاء على الاستيطان اليهودي في البلاد. ونُسبت تهديدات مستوى الامن الجاري في الأساس الى نشاطات المنظمات الارهابية المختلفة. كان الفرض الأساسي أن نشاط المنظمات الارهابية إقلاق مضايق لدولة اسرائيل لكن ليست فيه خصائص تسوغ أن يُعرف بأنه ‘تهديد استراتيجي’. في السنين الاخيرة، ولا سيما خلال الانتفاضة الثانية أخذ هذا التمييز يُطمس عليه. فالنشاط الكثيف للمنظمات الارهابية ولا سيما ارهاب المنتحرين غيّر على نحو جوهري روتين حياة مواطني الدولة. وأثر تأثيرا شديدا في تطور دولة اسرائيل الاقتصادي ومقدار الهجرة والسياحة اليها وفوق كل شيء أن تأثيره في وعي الجمهور أخذ صبغة تهديد استراتيجي. والى ذلك أثر الارهاب في بنية الجهاز السياسي في اسرائيل. يمكن أن نقول انه في جميع المعارك الانتخابية تقريبا التي حدثت في العقدين الاخيرين أصبحت قضية الارهاب ومواجهته في السياق السياسي والعسكري موضوعا من الطراز الاول في النضال من اجل صوت الناخب.

كانت الأبرز في هذا السياق المعركة الانتخابية للكنيست في أيار/مايو 1996. أُجريت تلك الانتخابات في ظل مقتل رئيس الحكومة اسحق رابين. أشارت جميع استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات الى هزيمة شديدة متوقعة لاحزاب اليمين. أما النتيجة بالفعل فكانت مختلفة فقد انتخب لرئاسة الحكومة بأكثرية ضئيلة في الحقيقة، زعيم الليكود بنيامين نتنياهو. نُسب انتخابه المفاجيء في وسائل الاعلام الاسرائيلية بقدر كبير من الصدق الى عمليات ارهابية صعبة وقعت في البلاد في الاشهر التي سبقت موعد الانتخابات اثنتان منها في قلب تل ابيب.

بدأت الانتفاضة الثانية عندما قاد حزب العمل برئاسة اهود باراك الدولة وعندما بدت مسيرة السلام واعدة ومعها تأييد الجمهور لخطوات مصالحة. وانتهت بعد أن عاد الحكم الى الليكود، ومن وراء ذلك تضاؤل أخذ يزداد لتأييد الجمهور لاتفاقات اوسلو وصيغة: ‘المناطق مقابل السلام’ التي صاحبت دولة اسرائيل على مدى سنين. في مقابل هذا أفضت الانتفاضة ايضا الى تغيير تصور أبعاد قوة دولة اسرائيل وقدرتها على أن تحكم سكانا معادين. بدأ على هذه الخلفية تآكل حاد في اليمين لقضية ‘حقنا في البلاد’. وعلى هذه الخلفية أخذ يتسع في دوائر اليمين مقدار الاستعداد للتخلي عن أجزاء من يهودا والسامرة كانت تُعد قبل سنين فقط ‘أمرا محظورا’. أصبحت الانتفاضة في المستوى الاستراتيجي ايضا قاعدة نشأ فوقها صراع من نوع جديد وهو سلب دولة اسرائيل شرعيتها. إن نجاح قوات الامن في القضاء على ظاهرة الارهاب واعتراف القيادة الفلسطينية الذي أخذ يزداد بأن النضال العنيف لا يخدم مصالح الفلسطينيين القومية ولا يُقدمها باتجاه تحقيق فكرة دولتين للشعبين، أفضى بالفلسطينيين الى حصر نضالهم ضد اسرائيل في الصعيد السياسي الدعائي. وفي هذا الصعيد، وينبغي أن نعترف، ينجح الفلسطينيون في ادارة معركة فعالة معادية لاسرائيل تؤلف بين منظمات فلسطينية ومنظمات يسار ويمين متطرف من أنحاء اوروبا ودوائر معادية للسامية استغلت المنصة لتحقيق أفكارها.

وفي الخلاصة يبدو أنه يوجد اليوم اعتراف واسع بأن نشاط منظمات الارهاب ذو تأثير استراتيجي في دولة اسرائيل في مجالات شتى لا يقل عن تأثير معارك مع جيوش نظامية.

تعريف العدوكانت حرب الانتفاضة شاذة بين جميع معارك اسرائيل ومن جملة اسباب ذلك أنه لم يكن في أكثر مراحلها تحديد واضح متفق عليه لمن هو العدو بالضبط الذي يفترض ان تواجهه دولة اسرائيل ومن يتحمل المسؤولية عن العمليات الموجهة عليها.

بدأت المعضلة في مستوى القيادة، وسؤال أي دور أداه رئيس السلطة الفلسطينية عرفات الذي كان يفترض أن يكون حليفا قريبا لاسرائيل. ارتاب فريق من متخذي القرارات في دولة اسرائيل أن عرفات يرسل جزءا كبيرا من المخربين المنتحرين الى قلب مدن اسرائيل واعتمدوا بموقفهم هذا على معلومات استخبارية أخذت تتجمع. وفي المقابل، رأى اشخاص آخرون في قيادة الدولة ودوائر واسعة من الجمهور، اتفاقات اوسلو برهانا على استعداد عرفات الصادق لانهاء الصراع الطويل بين حركتين قوميتين الحركة الصهيونية والحركة الفلسطينية. برغم المعلومات عن مشاركته في الارهاب وُجد من أرادوا تصديق أن من يتحدث فوق كل منبر وأمام كل سماعة عن طموحه لأن يصنع مع دولة اسرائيل وقيادتها ‘سلام الشجعان’، ويندد بالعمليات على اسرائيل وبقتل الأبرياء، نواياه حقيقية.

وفي النهاية عزز الملف الاستخباري المنفوخ عن مشاركة عرفات الشخصية في النشاط الارهابي الموجه على اسرائيل، والأحداث الارهابية المتجمعة على نحو كبير، الشبهات بأن زعيم السلطة الفلسطينية يضلل العالم كله وفيه اشخاص من القيادة الاسرائيلية. في هذه الظروف وجدت القيادة الاسرائيلية نفسها بين المطرقة والسندان بين ارادة الحفاظ على ‘الصديق الجديد’ وبين المعطيات التي أشارت الى أن الحديث عن عدو في الحقيقة، وقد بدأوا بين الجمهور في اسرائيل ايضا يتناقشون في نوايا عرفات الحقيقية: ألا يخشى أن يعرض للخطر جميع انجازاته بغض عينه عن الارهاب بل بمشاركة فاعلة فيه؟ أهو مستعد لأن يعرض للخطر الرأي العام الذي يؤيده ونضالاته في العالم كله وبين أجزاء واسعة من المجتمع الاسرائيلي؟ اعتقد كثيرون انه قد يكون، مثل حكومة اسرائيل المعتدلة، في نضال شديد مع دوائر متطرفة تطمح الى منعه السير نحو سلام حقيقي مع اسرائيل. هل ينبغي العمل عليه ردا على العمليات وهل نريد اضعافه؟ وماذا سيحدث اذا قويت نتيجة ذلك القوى المتطرفة في المعسكر الفلسطيني؟.

لم تواجه اسرائيل قط اسئلة شديدة كهذه تتعلق بزعيم كان يجب عليها ان تواجهه، ووضع عدم يقين لفترة طويلة جدا. وعندما تجمعت ايضا معلومات لا لبس فيها عن مشاركة عرفات الشخصية في النشاط الارهابي كان كثيرون رفضوا قبول هذا باعتبار ذلك حقيقة لا اعتراض عليها. رفض كثيرون في اسرائيل آنذاك ايضا المس بقيادة السلطة الفلسطينية ورئيسها بسبب العمليات التي نُفذت موجهة على دولة اسرائيل ومواطنيها وجنودها وذلك في الأساس على خلفية شكوك تتعلق بمعلومات عن مشاركة عرفات الشخصية في النشاط الارهابي وعن فرض أنه على كل حال ‘أخف الضرر’. اشتدت معضلة تحديد العدو أضعافا مضاعفة بالنظر الى نشطاء الميدان. مع نشوب الانتفاضة و’أيام الغضب’، استصعبوا في الجيش الاسرائيلي أن يقرروا كيف ينبغي السلوك في شؤون تكتيكية مثل أوامر اطلاق النار ولا سيما على ناس مؤسسة فلسطينيين. أُثيرت اسئلة مثل كيف يجب النظر الى أفراد شرطة السلطة الفلسطينية ومعهم اتفاقات في الظاهر على التعاون على مكافحة الارهاب؟ هل يجوز العمل على مواجهة شرطي يلبس بزة الشرطة في النهار وينفذ عمليات في الليل؟ هل يجوز السماح لرجال الشرطة الفلسطينيين بحمل السلاح؟ أين ينبغي العمل على مواجهة المخربين وهل أراضي السلطة الفلسطينية هي ‘مدن لجوء’ ذات حصانة بفعل الاتفاقات مع اسرائيل أم ارض عدو ينبغي العمل فيها؟.

بعد احتجاز سفينة السلاح ‘كارين إي’ في الثالث من كانون الثاني/يناير 2002 وهي التي نقلت سلاحا كثيرا من ايران الى السلطة الفلسطينية، تلاشت الشكوك في اسرائيل والنظام الدولي في شأن مشاركة السلطة الفلسطينية الفاعلة ورئيسها ياسر عرفات في النشاط الارهابي الموجه على دولة اسرائيل، وأخذ هذا التقدير يقوى على خلفية حقيقة أن صدقية عرفات في نظر الادارة الامريكية تحطمت تماما بعد احتجاز سفينة السلاح. حتى ذلك الحين احتارت القيادة في اسرائيل كيف تحدد لنفسها ولمواطني الدولة من هو العدو الذي يواجهنا بالضبط.

هل يمكن الانتصار في معركة مع منظمات ارهابية؟

كما قلنا آنفا كان أحد الاسئلة الأكثر تأثيرا والذي أُثير في الانتفاضة هو هل يمكن الانتصار على منظمات الارهاب التي تعمل في مواجهة دولة اسرائيل؟ زعم كثيرون أن هذا غير ممكن. بل قال اشخاص كثيرون في الدولة أن ما نسميه ‘منظمات ارهاب’ هو في الحاصل العام فصائل مختلفة من حركة قومية فلسطينية تريد تحقيق حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وأن بينها اختلافات في سبل احراز هذا الهدف: فبينها من يؤيدون حصر النضال بالدبلوماسية وطريقة عمل سياسية، وهناك من يؤيدون العمل العنيف. وقالوا إن الحركات القومية التي تطمح الى تحقيق استقلالها بازاء ‘دولة محتلة’ لن تهدأ ولن تستقر حتى تحقق ما تصبو اليه.

زعم كثيرون بين متبني هذا الموقف للاقناع بصدق موقفهم أن التاريخ البشري ‘برهن’ على أنه قد اضطرت ‘دول محتلة’ آخر الامر الى التخلي عن سيطرتها على الارض المحتلة والى تمكين الشعوب الواقعة تحت الاحتلال من أن تحظى بالاستقلال. فقد برهنت حروب الهند والصين الاولى، والجزائر وفيتنام والحرب السوفييتية في افغانستان، بزعم المتمسكين بذلك الموقف، على أنه لا يمكن التغلب بمساعدة الجيش على منظمة ارهابية أو عصابة مسلحة. وقالوا انه لما كانت النتيجة النهائية لنضال المنظمات الفلسطينية معلومة سلفا فمن الخسارة بذل الثمن والضحايا التي يضطر الطرفان الى دفعهما عن النضال لانه لن تستطيع أية طريقة عمل عسكرية أن تفضي الى وقف النشاط العنيف الموجه على اسرائيل. لهذا فان التسوية السياسية هي السبيل الوحيدة لوقف العنف الفلسطيني. عبّر عن هذه الآراء كثيرون في المجتمع الاسرائيلي منهم ناس حياة عامة ووسائل اعلام واكاديميات و’خبراء بالأمر’. وهذا مسار طبيعي في دولة ديمقراطية. وقد أصاب مسار مشابه ذو مستويات من الكثافة مختلفة حقا، أصاب اسرائيل ايضا في معارك اخرى واجهتها. لكن الانتفاضة تميزت بأن الشكوك في اثنائها تغلغلت الى سويداء قلب المؤسسة الامنية العسكرية. عرفت دولة اسرائيل اختلافات في حروب اخرى ايضا، لكن القيادة الامنية عرفت دائما كيف تزرع في الشعب الثقة باحراز النصر. هذا ما وعد به دافيد بن غوريون الشعب في حرب الاستقلال وقال سندفع ثمنا باهظا لكننا سننتصر في نهاية الامر. وقال كلاما مشابها ايضا رئيس الاركان اسحق رابين عشية حرب الايام الستة. وبعد ست سنين في حرب يوم الغفران دوى صوت رئيس الاركان دافيد بن اليعيزر المصمم الذي قال إننا سنعرف كيف نغلب وننتصر في معركة فُرضت علينا.

خلال الانتفاضة كانت صورة الوضع مختلفة بقدر كبير. فقد دعا اشخاص كبار جدا داخل المؤسسة الامنية وداخل الجيش الاسرائيلي، وقادة ذوو أوسمة بطولة وامتياز لا يستطيع أحد الشك في استقامتهم العامة وقدرتهم الفنية، دعوا الشعب الى عدم الغرق في أوهام النصر. وبينوا أنه يجب علينا أن نتوجه الى تسوية سياسية ستضع هي فقط حدا للعنف الفلسطيني. كان الأبرز بينهم اللواء عمرام متسناع الذي كان قائد منطقة المركز حينما نشبت الانتفاضة الاولى. وقد عبر في تصريحات كثيرة عن موقفه الحازم ومؤداه انه لا يمكن التوصل الى حسم عسكري في مواجهة منظمات ارهابية وأن تسوية سياسية فقط تستطيع أن تفضي الى الهدوء الذي تترقبه اسرائيل كثيرا.’إن الصراع الفلسطيني الذي هو اليوم في الحقيقة لب المجابهة العسكرية الارهابية التي نواجهها يستنفد منا طوال السنين الاخيرة جميع الطاقات لا الموارد المالية فقط بل جميع الطاقات حقا… يُخيل إلي أن أكثر سكان دولة اسرائيل ربما يفهمون اليوم على نحو أفضل ما فهموه قبل أكثر من سنتين. وقد قلت هذا قبل سنين كثيرة جدا وهو أنه لا حل عسكريا لصراعنا مع الفلسطينيين، من المهم أن نفهم هذا. إن شعارات: دعوا الجيش الاسرائيلي ينتصر، وهي سياسية في أساسها، لكن لها معنى فنيا موضوعيا بطبيعة الامر، هي شعارات فارغة. لا يوجد حل عسكري، كما أن الارهاب لن ينجح في لي يد دولة اسرائيل ولن ينجح في أن يفرض على دولة اسرائيل وسكانها تسويات واتفاقات أو حلولا تضر بأمنها وبمصالحها الحيوية. للجيش وللقوة العسكرية معنى كبير جدا، وأهمية كبيرة جدا في هذا النضال للارهاب الفلسطيني وفي شؤون كثيرة اخرى تتصل بأمن دولة اسرائيل بطبيعة الامر. لكن من المهم أن نفهم أنه لا يوجد حل عسكري، لا يوجد حل قوة فقط.

الارتياب في عدالة النهجقام فوق جميع الشكوك والريب في مسألة طريقة التغلب على الارهاب غيمة ثقيلة تصاحب المجتمع الاسرائيلي منذ سنين طويلة هي قضية ‘عدالة الطريق’. فقد سأل كثيرون أنفسهم هل نُجري على الفلسطينيين حربا اخلاقية نحن أبناء الشعب الذي حارب آلاف السنين عن حريته واستقلاله؟ أمن العدل منا أن نسلبهم حقهم في تقرير المصير؟ وذكر آخرون أن جزءا كبيرا من الفلسطينيين يعيشون منذ عشرات السنين لاجئين بعد أن طُردوا عن اراضيهم اثناء حرب الاستقلال وكان زعم هؤلاء أننا باعتبارنا شعبا عاش في الجلاء لاجئا مطاردا في احيان كثيرة، لا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بتجاهل أزمة اللاجئين الفلسطينيين. أحدثت هذه المزاعم والاسئلة صدوعا شديدة في المجتمع الاسرائيلي حول عدالة مكافحة المنظمات الارهابية.

عرفت دولة اسرائيل أنواعا مشابهة من الاحتجاجات العامة اثناء المواجهات الحربية كانت الواقعة الاولى التي صيغ فيها احتجاج عام على عدالة المعركة زمن حرب الاستنزاف في السنين 1968 1970. فالمكوث في سكون على شاطيء قناة السويس وتعريض جنود الجيش الاسرائيلي لضربات نار ثقيلة من الطرف المصري وكمائن يومية الى جانب الشعور بأن حكومة اسرائيل برئاسة غولدا مئير لا تُظهر مرونة كافية في الطريق الى تسوية اسرائيلية مصرية، أفضت الى موجة احتجاجات استمرت حتى احراز وقف اطلاق النار في القناة في آب/اغسطس 1970. كان بين التعبيرات الأشد بروزا عن موجة الاحتجاجات هذه ‘نشيد السلام’ بأداء فرقة الشباب المقاتلين الطلائعيين والعرض المسرحي ‘ملكة حوض الاستحمام’. كان الموضوع المركزي في هذين العملين الفنيين أنه يوجد امكان واقعي لاحراز سلام مع الدول العربية الجارة وعلى رأسها مصر وأن حكومة اسرائيل تحبط هذا الامكان لانها تريد الاستمرار في حكم المناطق التي احتُلت اثناء حرب الايام الستة.

في اثناء حرب لبنان الاولى ايضا، وبعدها في اثناء الحرب الطويلة في جنوب لبنان كان هناك احتجاج عام طغى كلما استمرت الحرب، وكان التعبير الرئيس عنها أناشيد احتجاج وجهت في الأساس لمضادة وزير الدفاع آنذاك اريئيل شارون، وانشاء حركة الاحتجاج ‘أمهات اربع’ في 1997. وقد أسهمت حركة الاحتجاج هذه اسهاما حاسما في صوغ تأييد عام جارف للانسحاب من جنوب لبنان حتى من غير اتفاق مع حكومة لبنان. كان رئيس حزب العمل آنذاك اهود باراك أول من استوعب الطاقة الانتخابية العظيمة الكامنة في هذه الحركة وفي طلب الانسحاب من لبنان، واستغلها من اجل معركته الانتخابية في أيار/مايو 1999. وقد كان التزامه الانسحاب من لبنان بين العوامل الحاسمة التي أفضت الى فوزه في الانتخابات على بنيامين نتنياهو، وبعد ذلك بسنة في أيار/مايو 2000 حقق وعده وأدى الى انسحاب الجيش الاسرائيلي من لبنان. في مقابل أمواج الاحتجاج هذه كان الاحتجاج الذي طغى في اسرائيل اثناء الانتفاضة مختلفا وأشد كثافة مما كان في معارك سبقت وأطول ايضا. وكان لزعم أنه لا يمكن الانتصار على الارهاب ولهذا فان النشاط العسكري الشديد الموجه على الفلسطينيين لا جدوى منه معنى عظيم فيما يتعلق بمسألة شرعية القتال الذي أجراه الجيش الاسرائيلي. قامت المنظمات الارهابية الفلسطينية بالقتال، بقدر كبير، مُشركة في ذلك السكان الفلسطينيين، وهذه الحقيقة أوجبت على سلطات الامن في اسرائيل أن تجري المعركة بطريقة تأخذ في الحسبان امكانية اصابة سكان فلسطينيين غير مشاركين مباشرة بالضرورة في النشاط العنيف الموجه على دولة اسرائيل. برزت في هذا السياق جدا ظاهرة الاغتيال المُركز الذي أفضى أكثر من مرة الى اصابة شديدة لمدنيين أبرياء.

أحدث الاغتيال المركز انتقادا عاما واسعا داخل دولة اسرائيل أُضيف الى الانتقاد الدولي عليها. وقد برز في هذا الشأن ‘رسالة الطيارين’ الرافضين التي نشرت في 24 ايلول/سبتمبر 2003 ووقع عليها 29 طيارا حربيا من سلاح الجو وعلى رأسهم واحد من الطيارين المشهورين في السلاح هو العميد يفتاح سبكتور. احتج الطيارون في رسالتهم على نشاط سلاح الجو الموجه على مطلوبين في قطاع غزة وأدى الى قتل مدنيين أبرياء:’نحن طياري سلاح الجو الذين تربينا على الصهيونية والتضحية والبذل لدولة اسرائيل. وخدمنا في المقدمة دائما، نعارض تنفيذ أوامر هجوم غير قانونية وغير اخلاقية من النوع الذي تنفذه دولة اسرائيل في المناطق… ونرفض الاستمرار في المس بمدنيين أبرياء. هذه الاعمال غير قانونية وغير اخلاقية، وهي نتيجة مباشرة لاحتلال طويل يُفسد المجتمع’. لا تُعبر الرسالة عن موقف يرفض على الاطلاق عمليات الاغتيال المركز، بل ترفض المس بأبرياء اثناء عمليات الاغتيال. في مقابل دعوى الطيارين قالت عناصر أمنية انه لا يمكن أن يُضمن ألبتة ألا تصيب عملية اغتيال ما أبرياء. وقالوا انه يمكن الاجتهاد في منع اصابة المدنيين وان الجيش الاسرائيلي يفعل هذا حقا لكنه لا يمكن ضمان ألا يحدث ذلك. اذا كان طلب الامتناع عن قتل مدنيين إنذاري فمعناه بالضرورة احباط وسيلة الاغتيال المركز هذه التي يراها الجيش الاسرائيلي وسيلة ناجعة جدا في نضاله للمنظمات الارهابية. قال طيار آخر من سلاح الجو هو يغئال شوحط كلاما صريحا انتقاديا يتعلق بعمل طائرات سلاح الجو في نطاق مكافحة المنظمات الارهابية يزيد حتى على ما عند كُتاب ‘رسالة الطيارين’: ‘عندما يتم الحديث عن طيارين، لا يمكن الحديث عن رفض الخدمة وراء الخط الاخضر… يجب على الطيارين أن يقرروا كل يوم من جديد وكل ساعة احيانا، ماذا يجوز لهم أن يفعلوا من جهة اخلاقية وقانونية وماذا لا يجوز لهم… عندما يكون الحديث عن طيارين فانني اؤيد توسيع مصطلح ‘راية سوداء’. أرى أنه يجب على الطيارين أن يفحصوا جيدا عن الأمر العسكري الذي يتلقونه، وأن يسألوا اسئلة كثيرة عن الهدف وأن يرفضوا تنفيذ أمر يرونه غير قانوني… أعتقد أنه يجب على طياري الـ اف 16 أن يرفضوا قصف مدن فلسطينية. يجب عليهم أن يفكروا كيف كان يبدو مثل هذا القصف لمدينة يسكنونها… أتحدث عن اغتيال في الشارع الرئيس… حينما تقصف طائرة مدينة مأهولة يأخذون في الحسبان قتل مدنيين حتى عندما يكون الحديث عن قنابل دقيقة. أرى أن هذا قتل للمدنيين عن سبق إصرار وجريمة حرب’. أُنشئت الى جانب الطيارين الذين ذكرناهم آنفا ومنظمات مثل ‘نكسر الصمت’ حركات مدنية رأت محاربة الجيش الاسرائيلي للارهاب الفلسطيني خروجا عما يحل. وقد تغيرت دعاواهم مع تطور المعركة: فقد أوضحوا في البدء أنه لا داعي للقتال لأنه لن يُحرز فيه نصر على كل حال. ومنذ اللحظة التي تضاءل الارهاب فيها بفضل العمل المضاد له وجهوا الدعاوى على التصور الاخلاقي. فقد قالوا الآن إن الغاية منطقية لكن الوسيلة غير سائغة.

الخلاصة: تم بدء الانتفاضة الثانية مثل كل قتال مع منظمة عصابات أو ارهاب مع عدم يقين ودون خط فاصل بين الجبهة الأمامية والجبهة الداخلية. بخلاف حروب صغيرة في أنحاء العالم تعرضت دولة اسرائيل اثناء الانتفاضة لـ ‘طوفان’ منتحرين ومشكلة التعريف الصعب للعدو. أُضيفت معطيات البدء هذه الى تصور عام سياسي نظري ساد اسرائيل وفحواه أنه لا يمكن الانتصار على الارهاب أو عصابة مسلحة. أفضى ذلك الى الاعتراض على مجرد عدالة مكافحة دولة اسرائيل للمنظمات الارهابية، أو بعبارة اخرى ـ الى فقدان الايمان بعدالة الطريق.

إن مجموع هذه العناصر يجعل الانتفاضة الثانية واحدة من أشد المعارك التي واجهتها دولة اسرائيل في الصعيد العسكري وفي الصعيد المدني. وفي النهاية وبرغم الشكوك والريب هُزم ارهاب المنتحرين عسكريا و’انتصر الجيش الاسرائيلي’.’ البروفيسور زاخي باحث في معهد ابحاث الامن القومي وباحث في معهد تراث بن غوريون ومحاضر في جامعة بن غوريون في النقب. د. يوعز باحث في مركز بيغن ـ السادات للابحاث الاستراتيجية في جامعة بار ايلان الجيش والاستراتيجية ـ معهد ابحاث الامن القومي ـ 2011.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية