الاقلام كرصاصات قاتلة توخوا الحذر في استخدامها

حجم الخط
0

قراءة في كتاب ‘الطغاة ينظمون الشعر’امير الكلابي (Despoten Dichten) كتاب نشر حديثا باللغة الالمانية من قبل (كنستانتين كامينسكي والبرت كوشوركه) استاذي علم اللغة جامعة كنستانس الالمانية. يعتقد مؤلفو الكتاب، ان العلاقة بين الشعر والسياسة لا تخلو من مضامين الجمال والشدة، ويحاولان من خلال تحليل بعض النصوص الادبية التي تركها لنا الحكام المستبدون كشف العلاقة بين الطغاة والشعر.

الكل يعلم ان الكثير من الطغاة الفوا كتبا عديدة وجدت طريقها الى صفحات التاريخ كما في (الكتاب الاخضر) للعقيد القذافي و(الكتاب الاحمر) لماو وكتاب ‘احاديث القائد صدام’ الذي نال بشأنه العديد من اساتذة البعث البائد درجة الدكتوراة من معهد القائد المؤسس في بغداد. فكان كل من لم يحفظ مختارات من هذه الكتب يتهم بعدم الولاء من قبلهم.

لكن القليل يعلم ان القذافي قام بتأليف نص شعري وقصصي تحت عنوان (الهروب الى جهنم) قبل (18) سنة عندما كان في اوج قدرته تنبأ فيه بطريقة مقتله ونهاية مصيره بدقة متناهية قبل ان يقتل بهذا الشكل المفجع. يذكر القذافي في هذا الكتاب، ان الاستبداد الفردي من اسوأ اشكال الاستبداد، وعليه فان الشخص المستبد هو شخص واحد ويمكن اعتباره مجهولا وبلا اهمية ايضا ويمكن خلعه بأية وسيلة.

اما الاستبداد الجماعي فهو من اعنف واقسى اشكال الاستبداد، فمن ذا الذي يمكنه ان يصمد امام امواج الشعب الهائج او قدرته الغالبة!! ؟ سؤال كان حريا به ان يطرحه على نفسه قبل ان يدرجه في كتابه مخاطبا فيه دكتاتوريات المنطقة، بيد ان الشعب لم تنطل عليه هذه الالاعيب. لعل القذافي في لحظاته الاخيرة عندما كان يعذب بأيدي قاتليه كان يفكر بهذه الجمل ويمكن القول ومن خلال تحليل هذه الجمل ان القذافي كان يخاف من غضبة الشعب، لكن هل يعتبر الطغاة الذين يستمرون بقمع شعوبهم حتى هذه اللحظة، فكم قالوا (حذار من غضبة الشعب)! فهل من معتبر؟

يقول مكيافيلي: ان الحاكم الطاغية يبدأ مسيرته كالثعلب وعندما يستقر الامر بيده ينقلب الى ذئب، وينتهي بموتته ككلب وهذا ما حدث فعلا للعقيد القذافي الذي كنا نتطلع الى محاكمته بصورة عادلة لاقتله بهذه الطريقة المفجعة.

بيد ان القذافي ليس الوحيد المذكور في هذا الكتاب الذي نتعرف من خلاله على صفاة الطغاة والمستبدين، خيالهم، مخاوفهم واهدافهم العليا بل العديد منهم امثال (هتلر، ستالين، موسليني، صدام، كيم سونغ. .. الخ من الذين عرفهم التاريخ واتخذوا من الشعر والابداع الادبي وسيلة للتعبير والترويج لانفسهم. فيتضح من خلال تحليل نصوص هذا الكتاب ان الطغاة ينجذبون بصدق الى قدرة القلم، كما يذكر البروفسور البرت كوشوركه في مقدمة هذا الكتاب حيث يقول ان الطغاة مجبرون على بناء محور لنظامهم السياسي بسبب ظروف عدم الاستقرار التي يمرون بها فهم لايمكنهم الاعتماد على مشروعيتهم في بناء النظام السياسي لذا هم مجبرون ان يسدوا هذه الثغرة من خلال الظهور كأفراد مبدعين من الناحية الادبية ويقومون بعمل خلفية لهم ذات بعد ديني وتاريخي ويظهرون انفسهم بانهم وارثو هذه الخلفية. ولهذا يتصور الطاغية سواء من خلال شعره وكتاباته انه خالق العمل الفني الذي ينبع من دواخله. اما اوجه الشبه بين الطغاة والكتاب والشعراء فهو ليس محض صدفة ففي نظرهم ان الخالق وهم الوحيدون القادرون على ان يخلقوا شيئا من العدم بقوة الكلام، فحينا يخلقون اثرا ادبيا لا نظير له، وغالبا ما تكون ليست سوى كتابات عابرة تحاول تسليط الضوء على شخصياتهم والترويج لهم بقدر ما تكون ذات قيمة ادبية او فنية، اذ يحاول بعضهم ان يبلغ درجة الالوهية مستندة على ميراث تاريخي وديني مزور كما فعل الدكتاتور العراقي صدام حسين بتاليف كتاب احاديث القائد واسماؤه التسعة والتسعون وخط القرآن بدمه وارجاع نسبه الى آل بيت الرسول محاولا اكتساب الشرعية في استحواذه على السلطة.

فكتابات هؤلاء بنظر عالم الاجتماع هاينرلومن ليس لها محور خاص او جانب تفسيري وانما تعكس اضطرابهم الذهني من خلال التشتت الواضح في النص كما في كتاب كفاحي لهتلر.

يتطرق مؤلف كتاب ‘الطغاة ينظمون الشعر’ الى احدى قصائد ستالين بعنوان (الصباح) وهي قصيدة شاعرية تحمل في طياتها العديد من الصور الشعرية كتغريد البلابل، وحلول وقت السحر وتفتح الازهار، كما قام ستالين بتاليف ثلاثة كتب تاريخية بأسلوب ادبي حاول فيه حرف الحقائق حسب اهوائه الشخصية يظهر فيه نفسه كقائد بلا منازع. فجميعهم يتنافسون فيما بينهم للاستحواذ على قدرة الكلام من خلال ادخال الكلمات تحت سطوتهم لتوسيع نطاق نفوذهم وقوتهم ودس صورهم في قلب التاريخ. وبالنتيجة يمكن القول ان هذا البحث الموسوم (الطغاة ينظمون الشعر) عبارة عن مجموعة من المباحث القابلة للتأمل تقوم بتحليل العلاقة بين الكلام والعنف بلغة دقيقة وبيان علمي رصين، كما يظهر الصلة بين فن الكتابة والشعر من جهة والعنف السياسي من جهة اخرى من دون ان يتهم الشعراء بالاستبداد الذاتي. فمعطيات الباحثين في هذا الاثر تستند على تفسير وتحليل النصوص الادبية التي تركها لنا ابرز الطغاة في العالم. كاتب واكاديمي عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية