د. سعيد الشهابي
ليس جديدا القول بان الغرب عموما، بما فيه الولايات المتحدة والعديد من الدول الاوروبية و’اسرائيل’ كان يبحث دائما عن مبررات لاستهداف ايران عسكريا، لاسباب عديدة: اولها ما تمثله ايران من نظام سياسي وايديولوجي يعتبر التطبيق العملي الاول للمشروع الاسلامي المعاصر، بغض النظر عن الاختلاف في بعض تفصيلاته. وبقاء هذا النظام يعني عامل تشجيع مستمر لأصحاب المشاريع الممثلة حاليا بالحركات الاسلامية التي تسعى للوصول الى الحكم بوسائل شتى، خصوصا في ظل ريع الثورات العربي. ثانيها: انها انتهجت سياسة خارجية مستقلة عن الغرب، وأصرت على التعامل معه بالمثل وليس بالانصياع والتبعية، الامر الذي يؤسس لمحور منافس على المدى البعيد. ثالثها: ان ايران نقلت الصراع مع العدو الاسرائيلي الى مستويات جديدة منذ انتصار ثورتها قبل 32 عاما، فاصبحت مصدر إلهام ودعم لحركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية. وفي هذا الخصوص فان إصرار الجمهورية الاسلامية على رفض الاعتراف بـ ‘اسرائيل’ ومعارضتها مشاريع الغرب لتطبيع العلاقات بين الدول العربية والكيان الاسرائيلي، ساهم في إفشال ذلك ومنع انهاء الصراع. كما انه أشاع الامل بامكان تحرير فلسطين كلها، الامر الذي يتناقض مع المشروع الغربي الذي أسس هذا الكيان ورعاه وأصر على ابقائه متفوقا على مستوى الاستراتيجية العسكرية على كافة الدول العربية مجتمعة. رابعها: ان سعي ايران لامتلك التكنولوجيا النووية عامل آخر يؤرق الغربيين لانه يحدث بمعزل عنهم وبدون رضاهم او مساعدتهم المباشرة. وهذا امر من شأنه تقوية المحور السياسي والايديولوجي الموازي للغرب. خامسها: ان بقاء ايران كنظام سياسي وايديولوجي مختلف عن الغرب ومستقل عنه ومناكف لسياساته حقق انجازات غير قليلة آخرها انفجار الثورات العربية ضد انظمة الاستبداد التي دعمها الغرب ويرفض سقوطها من خلال الثورات. سادسها: تنامي النفوذ الايراني الاقليمي على حساب الغرب والانظمة الاقليمية الحليفة له، وهو نفوذ ذو بعد سياسي ايديولوجي، يمثل الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي التجلي الاوضح لمصاديقه. سابعا: ان ايران استطاعت الاستفادة من اخطاء الغرب كثيرا لتثبيت ليس وجودها السياسي فحسب، بل مرجعيتها الدينية في اطرها العامة، بعيدا عن الخصوصية المذهبية. بدأ ذلك بموقفها الواضح في 1989 ازاء كتاب ‘الآيات الشيطانية’ لسلمان رشدي، وهو موقف يؤرخ لبداية الحراك الاسلامي في العديد من الدول الغربية، اذ بدأ الجيل الثاني من المهاجرين تنظيم نفسه سياسيا والمشاركة في الحراك السياسي المحلي في الدول الغربية. وتكرر الموقف عندما نشرت الرسوم الكاريكاتيرية في الدنمارك وفي حالات مواجهات ايديولوجية اخرى عديدة.
وفق هذه المعطيات تواصلت الحرب الباردة بين ايران والغرب طوال العقود الثلاثة الماضية. واذا كانت الحرب العراقية الايرانية قد فشلت في تحقيق الهدف المنشود منها متمثلا باسقاظ نظام طهران، فان التطورات اللاحقة لم تقل استهدافا للنظام الاسلامي، ومنها التحريض العلني المتواصل ضده بدون توقف، فهناك موازنة سنوية تبلغ سبعين مليون دولار تنفقها الولايات المتحدة على محاولات اسقاط النظام الايراني علنا. ومنذ عشرة اعوام طرح المشروع النووي الايراني عنوانا للمواجهة الغربية مع الجمهورية الاسلامية. ومع اعتراف الغرب بان امتلاك التكنولوجيا النووية السلمية حق مشروع للدول، فانه روج دعوى سعي ايران لتصنيع سلاح نووي وان مشروعها لا يقتصر على توليد الطاقة. واصبح المجال النووي مضمار الصراع الاوسع بين الطرفين، تمثل الوكالة الدولية للطاقة الذرية حصانه المتصدر وآلته لفرض الشروط وتوفير اسباب الاستهداف السياسي والتهديدات المستمرة باستعمال القوة. ولكن الموقف الغربي هذا غير مرشح للنجاح لانه ينطلق بهدف اساسي محوره حماية ‘اسرائيل’ التي تمتلك السلاح النووي والتي رفضت حتى الآن التوقيع على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي ومنعت المفتشين الدوليين من زيارة منشآتها النووية. البعد الاسرائيلي هنا اضعف الموقف الغربي كثيرا، ومن شأنه، في ضوء الصحوة العربية الاسلامية التأثير السلبي على العلاقات بين الغرب والدول العربية والاسلامية. والهدف الآخر من التصعيد المفاجىء مؤخرا صرف الانظار عن الثورات العربية فيما يتم التصدي لها من قبل انظمة الاستبداد، بدعم استخباراتي وامني وسياسي غربي. واذا كانت الولايات المتحدة قد اعتمدت سابقا على القوة كوسيلة لادخال الخوف في نفوس الشعوب، فقد تلاشت قدرتها تدريجيا لاسباب سياسية واقتصادية، واصبحت تعاني من التراجعات في كافة المناطق التي تواجدت عسكريا فيها. واذا كانت حماية ‘اسرائيل’ هي العنوان الاوسع لاستهداف ايران، فان هذا الهدف نفسه هو عامل الضعف الاساسي الذي يحجم قدرة الغرب على الاستمرار في مشروع استهداف ايران، خصوصا في مرحلة الوعي الجماهيري الذي تعمق ايمانه بحتمية النصر على الاحتلال. التقرير الدوري الذي تصدره الوكالة الدولية هذه الايام حول المشروع النووي الايراني سوف يكون مثيرا للغط لانه لن يرضي ايا من الطرفين: الغرب وايران. فالغربيون سوف يجدون فيه اشارات لتوجه ايراني نحو التصنيع العسكري النووي، بدون ان يحتوي على ادلة ملموسة، ولكنهم لن يجدوا ذلك كافيا للقيام باي عمل عدواني ضد الجمهورية الاسلامية، ولن ينجحوا في فرض المزيد من العقوبات خصوصا مع اعتراض الصين وروسيا. وتعاني طهران من العقوبات السابقة التي فرضت بارادة امريكية ودعم اوروبي، خصوصا في المجالات المصرفية. فايران اليوم تستطيع تصدير نفطها ولكنها لا تستطيع استلام العائدات بشكل اعتيادي عبر المصارف الدولية، بسبب الحظر الاقتصادي المفروض. وفي المقابل ستجد ايران التقرير مزعجا لانه لا يبرئها بوضوح من الاتهامات التي يوجهها لها اعداؤها. وهكذا تتواصل الازمة التي تشعر طهران انها مفتعلة ضدها، بين تصعيد اسرائيلي وإصرار ايراني على الاستمرار في مشروعها الذي تعتبره حقا مشروعا لن تتخلى عنه. الاسرائيليون قرعوا نواقيس الحرب منذ زمن، وما تزال طائراتهم تقصف المدنيين في غزة وتقتل اعدادا في كل مرة. كما ان الطائرات بدون طيار تفعل فعلها في استهداف النشطاء الفلسطينيين، في غياب اي رادع دولي، ومع توفر دعم امريكي غير سري لتلك العمليات الاجرامية. الفلسطينيون من جانبهم يتحركون الآن بامتعاض شدديد تجاه الغرب الداعم للعدوان الاسرائيلي. فمنظمة الجهاد الاسلامي تصر على استعدادها لخوض حرب طويلة الامد مع العدو، بينما تشعر حماس بموقف سياسي متين خصوصا بعد التغير الاستراتيجي في مصر. لكن شبح عدوان اسرائيلي ضد ايران يجعل الجميع في موقف صعب، لانه سوف يغير المعادلات في المنطقة بشكل جوهري. انها ازمة ليست لايران فحسب، بل للاسرائيليين والامريكيين والعرب على حد السواء. فالتهديدات المتواصلة بالعدوان العسكري تطور خطير، وان كان من غير المتوقع حدوثه لاسباب شتى: اولها ان الكيان الاسرائيلي نفسه يعاني من ازمة اقتصادية حادة عبرت عنها الاحتجاجات والاضرابات الاخيرة للمطالبة بتحسين ظروف العيش، ثانيها: ان البلد الذي يعاني من اضطرابات داخلية لاسباب اقتصادية مطالب بتوفير قدر ادنى من التجاوب مع مطالب مواطنيه. وفي الحالة الاسرائيلية لا توجد مصادر لزيادة الدعم الاجتماعي الا باتخاذ قرارات صعبة. والمعروف ان الانظمة التي تواجه تحديات داخلية تلجأ عادة لتضخيم الخطر الخارجي الذي يتهددها لصرف الانظار. الحكومة الاسرائيلية لا تستطيع زيادة ميزانيتها السنوية لانها تخشى من التأثير السلبي على credit rating او التصنيف الانتمائي. ويتساءل اوري افريني، الناشط الاسرائيلي من اجل السلام عن المصادر الممكنة لتمويل العجز قائلا: هناك ثلاثة مصادر يمكن التفكير فيها: خفض بناء المستوطنات (ومن الذي يجرؤ على ذلك؟) وخفض الموازنة العسكرية الضخمة’. ويضيف مستهزئا: ‘عشية اكبر حرب في تاريخنا، من يستطيع ان يلمس القوات المسلحة؟ اننا بحاجة لكل شيكل لشراء طائرات اكثر وقنابل اكثر وغواصات اكثر. وليس امام المدارس والمستشفيات وغيرها سوى الانتظار’. ان تصعيد الخطاب الرسمي الاسرائيلي تجاه ايران وحث الدول الغربية على شن عدوان عسكري ضدها يعكس حالة التوتر في المنطقة خصوصا مع القلق الاسرائيلي والامريكي الناجم عن تغير المزاج الجماهيري في الدول العربية وتعمق الثقة بامكان دحر الاحتلال. ويوازي ذلك شيء من التصعيد في الخطاب الامريكي فيما تستعد الاحزاب لخوض الانتخابات الرئاسية العام المقبل، ويرى المرشحون انفسهم امام استحقاق انتخابي يتطلب استمالة اللوبي الصهيوني الذي يمسك بمفاصل القرار السياسي الامريكي. ولذلك لم يكن غريبا ان يصرح المرشح الرئاسي الجمهوري ريك بيري انه اذا أصبح رئيسا للولايات المتحدة فسيؤيد ضربة جوية إسرائيلية الى إيران اذا كانت هناك أدلة على ان طهران تقترب من امتلاك سلاح نووي. ويضيف في مقابلة مع شبكة تلفزيون (سي.
ان.
ان) ‘بالطبع نحن سندعم اسرائيل. وقد قلت اننا سندعم اسرائيل بكل طريقة في استطاعتنا سواء كانت دبلوماسية او عقوبات اقتصادية او عمليات علنية أو سرية… بما في ذلك العمل العسكري.’ ومضى بيري قائلا ‘لا يمكننا ان نتحمل تبعة السماح بان يكون هناك رجل مجنون في ايران يضع يده على سلاح نووي’. حتى الآن ما تزال القضية محصورة بالتصريحات والتصريحات المضادة، ولا تخرج عن نطاق الحرب النفسية التي تشعر كافة الاطراف بضرورة كسبها للاحتفاظ بموقفه. الاسرائيليون قاموا في الايام الاخيرة بمناورات عديدة لاختبار صواريخ جديدة، ولفحص القدرات البحرية لكي تتناسب مع اي عمل عدواني ضد ايران. دق طبول الحرب لا يعني ان الحرب ستقع حتما، خصوصا في ضوء تراجع الحظوظ الاسرائيلية والامريكية. فالولايات المتحدة الامريكية تعاني من مشاكل اقتصادية وسياسية تفوق الصعوبات الاسرائيلية. فقد شعرت بالاهانة عندما فشلت في اجبار العراقيين على السماح لقواتها بالبقاء بعد انتهاء الفترة المحددة بنهاية هذا العام، وتواجه تهديدات بالتصدي المسلح لقواتها فيما لو لم تلتزم بذلك، خصوصا بعد تصريحات مقتدى الصدر بذلك. وفي افغانستان تجد نفسها متورطة في حرب لن تحسم عسكريا، تتصاعد فيها اعداد الضحايا الامريكيين يوميا. وجاء قرار الرئيس اوباما بسحب قواته العام المقبل ليكرس الانطباع بفشل الولايات المتحدة في الحسم العسكري. كما تواجه واشنطن غضب الشارع العربي الثائر الذي يعتقد بان الولايات المتحدة تعتبر اكبر معوق لمشاريع التغيير الديمقراطية في الشرق الاوسط، وتجد نفسها متحالفة مع الحكومة السعودية لمواجهة ربيع الثورات، برغم الانعكاسات السلبية لذلك التحالف على المصالح الامريكية على المدى الطويل. يضاف الى ذلك تعمق الازمة المالية الامريكية والاوروبية، وتضارب ذلك مع خيار المشاركة في حرب ضد ايران في الوقت الحاضر. انه فشل ليس على مستوى النظام السياسي فحسب بل على صعيد الايديولوجيا والفكر الغربي الراسمالي. فكيف يمكن للولايات المتحدة القفز على هذا الواقع والتورط في حرب تتجاوز في تبعاتها كافة الحروب التي شاركت فيها واشطن بشكل واسع. المنطق يفرض ان تتصارح الولايات المتحدة مع ‘اسرائيل’ وتخبرها بعدم جدوى الاستمرار في التصدي للمشروع النووي الايراني خصوصا في غياب اي دليل ملموس على تصنيع السلاح النووي. وبرغم دق طبول الحرب والتلميح بالعمل العسكري، تسعى ادارة اوباما لفتح قنوات تواصل وحوار مع الجمهورية الاسلامية التي لم توفر أذنا صاغية لذلك الطلب حتى الآن. على امريكا ان تشعر بان الدخول في حرب مع ايران انتحار سياسي وعسكري ولن تستطيع الولايات المتحدة التخلص من تبعاته السلبية جدا بسهولة.
الحرب او اللاحرب؟ ذلك هو السؤال المطروح في الدوائر السياسية العالمية وان كان الخيار الاوضح التخلي عن شن عدوان ضد ايران والاستمرار في التفاوض المباشر حول كافة قضايا المنطقة ومنها الاحتلال الاسرائيلي لفلسطين، وربيع الثورات العربية والموقف من الدمقرطة والتخلي عن دعم انظمة الاستبداد والديكتاتورية. هذه الخيارات متاحة لامريكا ولكنها تفتقد قوة القيادة المتوقعة منها. مع ذلك فهناك امتعاض متزايد في الولايات المتحدة ضد ربط مصالح بلادهم بالكيان الاسرائيلي، خصوصا في مرحلة التقشف هذه وتصاعد الديون الهائلة على الولايات المتحدة. التقرير المتوقع صدوره هذه الاسبوع يؤكد تعاون ايران مع الوكالة الدولية وفرق التفتيش ولكنه يحاكم نوايا القادة الايرانيين، وليس مشروعاتهم. الامر شبه المؤكد ان الحرب ضد ايران لن تحدث قريبا لان الظروف الاقليمية والدولية غير مؤاتية لها ولان ايران متعاونة مع الوكالة الدولية. ايا كان الامر فالمطلوب استيعاب دوافع التصعيد الغربي ضد ايران وانه لا يستهدف هذا البلد فحسب بل كافة البلدان العربية والاسلامية التي تسعى لامتلاك تكنولوجيا متطورة. مطلوب كذلك التركيز المتواصل على المشروع النووي العسكري الاسرائيلي الذي يحظى بحصانة دولية مقززة بدلا من اخضاعه للرقابة الدولية. واخيرا فالمطلوب تغيير جوهري في التوازن الاستراتيجي في المنطقة وذلك بدعم الثورات العربية لتتحرر بلداننا من انظمة الاستبداد والطغيان التي اتاحت للكيان الاسرائيلي وداعميه استضعاف امتنا وتهميش دورها ومنعها من التقدم والتنمية والاعتماد على الذات. ‘ كاتب وصحافي بحريني يقيم في لندن