الفنان العراقي سلمان البصري يعرض في غاليري رؤى’ألوان فرشاة مهاجرة’ العربي عاطفي جدا.. لا يخفي أي شيء.. تماما مثل لوحتي!

حجم الخط
0

عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: من قسوة الغربة وضراوتها اختار الفنان العراقي سلمان البصري عنوانا لمعرضه، الذي جاء اسمه ‘ألوان فرشاة مهاجرة’، وافتتحه سفير العراق في الأردن الدكتور جواد هادي عباس، في غاليري رؤى 32 للفنون في العاصمة عمان، بحضور عدد من السفراء والمهتمين والفنانين ووسائل الإعلام.

سألته لماذا هذا العنوان وفي عمان القريبة من بغداد فقال: ‘الأمر يتعلق بأوضاعنا في العراق بعامة، والحركة التشكيلية بخاصة، فعمان منفذنا، حاولنا أن نجد لأنفسنا طريقا ما، نفيد أنفسنا ونفيد الآخرين. والحقيقة جئنا إلى الأردن قبل سنوات، ومنها سافرت إلى فرنسا، ثم اتجهت إلى هولندا، وبقيت فيها لغاية الآن، هولندا بدت مقبولة لنا، كما أنني وبسبب الغربة والارتحال والوحدانية، منحني الفن مناهج في الحياة لاستخلاص مرفأ يمكن أن أقف فيه’. ويرى البصري ‘أن هذا المرفأ ـ الفن/ اللوحة – أوجد له مكانة في هولندا، فوجد المرفأ، وثبت سفينته و’فزت بما فزت فيه’، كما يقول، إذ بدافع من الغربة حاول أن يجد لنفسه مكانته الفنية بين آلاف الفنانين في أوروبا’. والمتجول في المعرض يلاحظ أن لوحات المعرض العشرين، لها ذات الألوان، ذات الحجم أيضا، وكأنه يحمل اللوحة فلسفة لونية تشكيلية خاصة، وهو ما يؤكده الفنان البصري لـ’القدس العربي’ : لو حتى تدرس فلسفة الواقع، احلل اللون، وأميل للتوازي داخل اللون، لهذا الألوان متوازية داخل اللوحة. فهذا العطاء من ذاك المرفأ، يمكن لأي فنان أن يصنع ‘موقفا’، وكذلك أي إنسان عربي. ولكنني هنا لست أنا الموجود فقط، فهناك العديد من الكتاب والنحاتين الموجودين في أوروبا واستطاعوا أن يصنعوا مواقفهم وفنهم، لهذا كان علي عبء مضاعف لاثبت فني بينهم’. ولكن كيف يتفاعل المتلقي الأوروبي مع أعمالك، وهذه المجموعة هي لوحات مصغرة من جداريات مماثلة يتم عرضها في أوروبا، وهي تتميز بالألوان الشرقية الحارة يرد الفنان البصري: ‘الفنان العربي عموما، يستعمل الألوان الحارة، إنها فلسفة تتعلق بالجودة في اللوحة، الألوان المشرقة، كما بلادنا تشرق عليها الشمس، والحقيقة أن العربي عاطفي جدا، لا يخفي أي شيء، تماما كما هي لوحتي، ولهذا أحبها عشاق الفن في أوروبا، كما أنني صرت أتبع النموذج الغربي فكل لوحة أرسمها على سنوات، عندي أعمال كبيرة، وهذا المعرض نماذج من أعمالي على مدار سنوات من عام 1996، مذ أخذت الجائزة الأولى في فرنسا، وأردت أن أقدمها في هذا المعرض ليراها أصدقائي وطلابي في الأردن، وهي نماذج من فترة الغياب، وهي بمثابة مسودات للأعمال الجدارية الكبيرة، والتي نفذت عددا منها، وبعضها نشر في كتاب جينيوس ارت.

وعن طفولته الأولى، وسر اسمه المنسوب للبصرة يقول الفنان البصري: ‘ في الطفولة عشت في البصرة، ووالدي ملاك معروف في الهلال الخصيب، وتحديدا جنوب البصرة، في منطقة أسمها أم النخيل، ومنذ كنت ادرس، كانوا ينادون علي البصري، فمشى هذا الاسم، وثبتت المفارقة، وعائلتي معروفة باسم ال حزبه.

الفنان البصري الذي غادر عمان مسرعا، لم نتمكن من إجراء حوار أطول معه، وبرر مغادرته السريعة كونه يستعد لإقامة نصب تذكاري اسمه ‘إنسانية الإنسان’، في هولندا باتفاق خاص مع بلدية روتردام، وسيوضع هذا النصب خلف منحوتة ملحمة حورابي في مدينة روتردام. البصري واحد من أهم فناني جيل الستيناتوالفنان سلمان البصري هو واحد من أهم فناني جيل الستينات في العراق وهو من مواليد مدينة البصرة 1939، ومن مؤسسي ‘جماعة الظل’، حاصل على دبلوم شرف في الفنون الجميلة، وحاصل على درجة الدكتوراة في الفن التشكيلي في مفهوم الجودة وتشكيل اللوحة الفنية. وله عدة مؤلفات تدرس في معاهد وكليات الفنون في العراق، إضافة إلى عشرات المعارض الجماعية والشخصية التي توزعت ما بين بغداد وعواصم عربية وعالمية. وقد حصل الفنان سلمان البصري على عدة جوائز دولية، كما أن أعماله مقتناة في عدة متاحف عربية وعالمية. وهو مقيم في هولندا منذ مطلع التسعينات وحتى الآن وهو متفرغ كليا. البصري.. والذاكرة المحتشدة بالتفاصيلوبمناسبة معرضه في غاليري رؤى32، كتب الناقد كريم النجار دراسة قيمة عن أعماله المعروضة في المعرض عنوانها: ‘الفنان التشكيلي سلمان البصري.. والذاكرة المحتشدة بالتفاصيل’، يرى فيها ‘أن تدوين الذاكرة بالرسم على سطح القماشة، يجعل المتلقي في حيرة من أمره في تتبع خيوط تلك الذاكرة واحداثها وتشعباتها، وبشكل خاص حين تكون غنية بالأحداث والإرهاصات الكبيرة التي تشكل كيانها الفني والوجودي، حيث تختبئ هناك تضاريس الغياب والحضور، المكان والزمان، وتفترس مساحات اللون والكتل المتقشفة حد الاختزال الكثير من الرؤى التي يختزنها وجدان الفنان، ومن ثم يصبها بتأن على مساحة عمله، من لوحة لأخرى. هذا ما تطالعنا به أعمال الفنان الستيني العراقي سلمان البصري، والذي يحمل رؤيته الفلسفية الخاصة لمهمة الرسم، كـ (مشهد وموقف وتفاصيل حياتية) يخطط لها بتصميمية عالية، حيث ينفذ تخطيطات أعماله على نماذج مصغرة تعتبر كعمل متكامل للوحة الأساس وموتيفاتها، بكل تفاصيلها الإنشائية ومساحاتها اللونية، حتى لا تشرد منه تلك التفاصيل أثناء الرسم على اللوحة الأساس مع أن هذا ينفي (التلقائية والعفوية) إلا أنه يفسره بصناعة لوحة متكاملة تختزن الفعل الفني وتعزز رصانته. أعماله التجريدية لا تخلو من رمزية مفرطة الدلالة، فهو ابن واقع صادم عاش تفاصيله وترسخت في وجدانه أحداث ومشاهد وكوارث وتبدلات جمة، على صعيد حياته الخاصة، أو ما مر به العراق طوال العقود الأخيرة.. فأراد تدوينها، لكن بصيغها الجمالية التي تخلد أثرها. ففي أعماله التعبيرية التجريدية، أو تلك التي أسميها بـ (التعبيرية الصادمة) التي تطلق ضرباته الإيقاعية المتتالية، والتي تشطر اللوحة إلى فضاءين، علوي وسفلي، وكل منهما له تناظره الخاص الذي يفصح عن الرغبة في التحليق وملامسة الفضاء الأعزل، في الجانب العلوي، والثبات المستند إلى قاعدة راسخة في الجانب السفلي، لكن دائما هناك مواءمة بين المنظورين، حيث كل يجر نظيره الآخر إلى فضائه أو جذره الثابت، حتى يستوي نحو إيقاع رقيق متناه في شفافيته الصادمة.

وقد شاهدنا تلك التناظرات الثنائية في أعمال من جايله من الفنانين (رافع الناصري وضياء العزاوي..) لكنهما يفترقان عنه بدلالة الإنشاء والتصميم، عكس أعماله التي تصدم المشاهد وهي تحاول أن تطلق صرختها بوجه واقع مأزوم، أو بمحمول رموزه التي تتساوق مع بلاغة (غوتيلب) المتماهية بالغموض والتعمية، حيث تتشابك على سطوح أعماله اللون الأحادي الصارم في صفائه مع تشكيلات ورموز وإشارات ناتئة تعبر عن مكنون انفعالاته والواقع الذي يجسده، بمحمولاته الرمزية الصادمة الذي لا خلاص منه.

سمة الاختلاف في أعمال الفنان البصري، هي تعبير عن شخصيته المتمردة والمتجددة بين أسلوب وآخر، حيث لا يستقر على عمل وموضوع فني محدد، عكس الكثير من أقرانه العراقيين والعرب، فهو ينتقل بين أسلوب وموضوع غارق في واقعيته التشخيصية التي يكون الجسد الإنساني ثيمتها الأساس، وربما هذا عائد إلى اهتمامه بدرس (التشريح) الذي ألف منه كتابا تدريسيا، كان يعده لطلبته في أكاديمية الفنون ابان ثمانينات القرن المنصرم، وبين بحث تجريدي تعبيري يصل به حد الاختزال التام في الإنشاء واللون، وقد توج أسلوبه هذا بحصوله على جائزة بينالي (مسكرون الدولي) في بلجيكا للأعوام 1996 و1998. وما حققه من نجاحات لاحقة في معارض شخصية أقامها في عدة مدن هولندية منذ عام 96 19 ولحد الآن.

حلم الإنسان العراقي بالانعتاقبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وتدفق صور ممارساته اللا إنسانية في سجن (أبو غريب) والاعتقالات العشوائية اشتغل الفنان البصري مجموعة أعمال، تمثل إدانة فاضحة لتلك الأساليب القمعية التي تجرد الإنسان من آدميته وتجعله مجرد كتلة جرداء مهلهلة هائمة وسط كون رمادي لا أفق له، رغم حلم الإنسان العراقي بالانعتاق والعيش الحر والسوي كباقي البشر في هذه المعمورة.. فهو هنا ينسج لوحته من واقع عاش الكثير من تفاصيله، وبالضد من أعمال الفنان الكولومبي (فيرناندو بوتيرو) التي تصور سجناء أبو غريب بأجسادهم الضخمة المنتفخة وجروحهم النازفة.. لكن النزف الحقيقي لدى سلمان البصري لم يأت من الجرح الذي خلفه التعذيب، بل هو جرح الكرامة ومسخ الحلم الإنساني لحظة استلابه حريته ودخوله العدم. وتأتي هذه المجموعة كونها أعمالا تحمل بصمَتها ودلالتها القوية بفرشاة فنان حساس يتطلع لمستقبل بلاده الآمن وغير المدنس بالطغاة. وتمثل مجموعة أعماله هذه أثرا حقيقيا من هذا الزمن الغريب الذي انقلب على المثل الإنسانية التي افتقدها العراق ماضيا وحاضرا. نحن الذين اكتوينا بكل أشكال الاضطهاد.. أثناء زيارتي الأخيرة لمشغله البيتي قبل بضعة أيام، أثارني انشغاله بعمل (ماكيت) لنصب كبير، يعتزم اقامته في احدى الحدائق العامة في الحي الذي يقيم فيه، بالتعاون مع المجلس البلدي في مدينة روتردام. ويدور عمله على ثيمة (الحرية) التي يجسدها انصهار جسدين لرجل وامرأة في بوتقة يؤطرها مربع كبير يضم الجزء العلوي للجسدين، وكأنهما شجرة سومرية تلتف على جذورها الثابتة بالأرض، وتنطلق منه تشكيلة حروفيه في غاية التناسق الهارموني، دلالة على هذا الانصهار الروحي والجسدي والحرية المنطلقة لأبعد مداها. ويفسر الفنان البصري استخدامه لمفردة الحرية ومحمولها الغربي الذي يعيش أجواءه في هولندا، (كونها تتيح العيش بتواؤم ومساواة مع جميع الأجناس والاعراق المختلفة في بيئة واحدة، فهذا مجتمع يعيش فيه البوذي والهندوسي والمسلم والمسيحي واللا ديني، والبيض والسود وشعوب شرق آسيا… الخ، دون تمايز أو ضغائن أو انتهاك الحق في الحياة الكريمة. لذا ترانا نحن الذين اكتوينا بكل أشكال الاضطهاد، نتمسك بالحرية ونقدسها.. بالحياة والفن.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية