تركيا وايران.. ليستا بالضرورة شريكتين مثاليتين

حجم الخط
0

تركيا تحولت من دولة موالية للغرب ومشاركة في مسيرة السلام الى جهة اشكالية من وجهة نظر اسرائيليوئيل جوجنسكي وغاليا لندنشتراوسمقدمة: تتابع اسرائيل مثل دول اخرى في الغرب في السنين الاخيرة ولا سيما منذ كانت عملية ‘الرصاص المصبوب’ وأحداث القافلة البحرية الى غزة، تتابع بقلق ما يبدو تحولا في سياسة تركيا الخارجية وابتعادا عن الغرب. أحد التعبيرات عن هذا التحول هو اقتراب تركيا من ايران ومن سائر اعضاء ‘المحور المتطرف’. ليست تركيا شريكة في الانتقاد الواسع في الغرب وبين الدول العربية المعتدلة على النظام المتطرف في الشرق الاوسط، وتعمل احيانا مخالفة مواقف اعضاء حلف شمال الاطلسي الاخرى كما تبين مثلا من ‘اقتراح الوساطة’ الذي قادته مع البرازيل في الشأن الذري الايراني، ومعارضتها تشديد العقوبات على ايران والصعاب التي راكمتها على اقامة نظم دفاع للصواريخ داخلها. إن عمق التقارب بين ايران وتركيا في السنين الاخيرة يشكل تغييرا حادا قياسا بالريبة التي ميزت في الماضي العلاقات بين الدولتين ولا سيما في السنين التي تلت الثورة الاسلامية في ايران. ليس للدولتين مطالب مناطق بعضهما من بعض ويُكثر الأتراك والايرانيون في التصريحات العلنية تأكيد حقيقة انه قد ساد هدوء على الحدود بين الدولتين منذ أكثر من 400 سنة. والى ذلك اتسعت جدا العلاقات التجارية بين الدولتين وبلغت مقدارا يزيد على 10 مليارات دولار، وأعلن ممثلون من الدولتين طموحهم الى مضاعفة حجم التجارة بينهما في السنين الخمس القريبة ثلاثة أضعاف. وتزن الدولتان ايضا امكانية التوقيع على اتفاق تجارة حرة. بل ان الدولتين تتعاونان على نضالهما الأكراد أكثر مما كان في الماضي.

ينبع التقارب بين ايران وتركيا من عدة عوامل. اولا، في السنين الاخيرة يحث وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو سياسة ‘صفر من المشكلات’ من تركيا نحو الدول التي تحاذيها. على حسب هذه السياسة، يجب على تركيا ان تعمل في تصميم لحل مشكلاتها مع جاراتها ولتشجع الاستقرار في المناطق التي تجاورها. وعامل آخر هو تأثيرات تدخل الولايات المتحدة في العراق في سنة 2003. وكما سنوسع الحديث فيما بعد، ليست ايران وتركيا مهتمتين بنقض عُرى العراق. أفضت العمليات الامريكية في العراق الى موجة مشاعر معادية لامريكا عند الجمهور في تركيا، ويتعلق ذلك بالعداوة للولايات المتحدة التي تسود ايران. يحكم تركيا اليوم حزب ذو توجه اسلامي، وهو أمر أسهم في ان تركيا لا تخشى تطوير علاقات بالنظام الشيعي في ايران. وهناك عامل مهم آخر هو الاقتصادي. فتركيا هي الاقتصاد الخامس عشر في حجمه في العالم، واحتياجها الى تكبير أسواق تصديرها واحتياجاتها من الطاقة المتنامية أفضت بها الى توثيق العلاقات بدول كانت لها بها في الماضي علاقات ضيقة جدا. ومن وجهة نظر ايران، يُمكّنها دفء العلاقات بتركيا من مواجهة بعض التأثيرات السلبية للعزلة الدولية والعقوبات التي فُرضت عليها على أثر تقديمها برنامجها الذري، ويلائم بعض سياسة أنقرة سياسة ايران المعادية لاسرائيل.

برغم نقاط الاتصال هذه، يوجد ايضا احتمال اختلاف بين الدولتين بل نشوء تنافس في الهيمنة الاقليمية مع مرور الوقت. هدف المقالة لذلك هو التعرف على النقاط التي يوجد حولها وقد يوجد اختلافات في الرأي بين تركيا وايران. إن التعرف على نقاط الاختلاف هذه مهم من اجل الفحص عن السؤال: هل يمكن ان ينشأ محور ايراني تركي قد يكون تهديدا حقيقيا من وجهة نظر اسرائيل، وما هي نقاط ضعف ذلك المحور؟.

ينبغي ان نذكر أولا انه برغم التطورات في الساحة الداخلية وفي السياسة الخارجية لتركيا، ما يزال يوجد اختلاف أساسي بينها وبين ايران. فتركيا تجري عليها في الحقيقة عملية أسلمة عميقة لكنها دولة ذات أكثرية سنية ونظام ذي خصائص ليبرالية، أما ايران الثورية فهي دولة أصولية شيعية دينية في أساسها. وثانيا، تتصل تركيا صلة وثيقة بالغرب وبالولايات المتحدة وذلك خاصة لكونها عضوا في حلف شمال الاطلسي منذ سنة 1952 وهي عضو مؤسسة في الـ ‘جي 20’ ولها اتفاقات متعددة الأطراف وثنائية الأطراف مع دول في الغرب على شؤون مختلفة. وثالثا، ترى الدولتان أنفسهما، لاسباب تاريخية وجغرافية ومادية، قوتين اقليميتين على الأقل، وهو شيء قد يزيد على مر الزمن التنافس بل ربما يفضي الى عداوة ظاهرة بينهما. والى ذلك ما تزال تركيا شريكة رئيسة للغرب في عدد من الجبهات المهمة: ففي العراق لها دور مركزي في حل القضية الكردية؛ وفي افغانستان الولايات المتحدة معنية بأن تزيد تركيا باعتبارها عضوا في حلف شمال الاطلسي مشاركتها؛ ولتركيا في الشأن الذري الايراني مصلحة أساسية في منع احراز ايران للقدرة الذرية. خلال الثورة في مصر وفي ليبيا ايضا كانت توجد قناة اتصال بين رئيس الولايات المتحدة براك اوباما ورئيس الحكومة اردوغان لتنسيق مواقف الدولتين. من هذه الجهة حتى لو أصبحت تركيا اليوم لاعبة أكثر ‘استقلالا’ مما كانت في الماضي فانه ما تزال لها صلة مهمة بالغرب، وللغرب برئاسة الولايات المتحدة اهتمام بتنمية هذه الصلة.

تختلف ايران عن تركيا في رؤيتهما لصورة نظام الحكم المطلوب في العراق، والوضع في لبنان وموضوع مسيرة السلام الاسرائيلية العربية. نرى ان ايران اذا امتلكت قدرة ذرية عسكرية فان تركيا قد تحجم على مر الوقت عن توثيق العلاقات معها بسبب وجود أهداف بعيدة الأمد مختلفة في الأساس، وستطفو الاختلافات التي أصبحت موجودة بين الدولتين على السطح. على العموم، ليست تركيا شريكة في عقيدة ايران ومصالحها. فهي ما تزال تريد ان تحافظ على توازن بين الشرق والغرب على نحو يساعدها على الحفاظ على مكانتها الاقليمية. وعلى ذلك وفي الأمد البعيد، فان تعزيز مكانة ايران على حساب عوامل القوة الاخرى في المنطقة سيكون اشكاليا من وجهة نظر تركيا. والى ذلك نعتقد ان دور تركيا الحالي في الشرق الاوسط وفيه معارضة اسرائيل، يشكل وزنا معادلا لمشاركة ايران ومطامحها الاقليمية، ولهذا، وعلى نحو غير مباشر، قد يخدم اسرائيل في الأمد البعيد.

مراكز صراع محتملةقد يكون لتقدم البرنامج الذري الايراني عدد من التأثيرات السلبية في علاقات تركيا بايران. أولا، أعلن قادة تركيا مرارا كثيرة بأنهم يعارضون انتشار السلاح الذري في الشرق الاوسط. وهم في الحقيقة ينتقدون أساسا سياسة اسرائيل الذرية لكنهم يعارضون مبدئيا ان يكون لايران سلاح ذري ايضا. أعلن وزير خارجية تركيا في نهاية كانون الاول 2010 بأنه اذا رجعت ايران عن التزاماتها بحسب ميثاق منع انتشار السلاح الذري، فان تركيا قبل الولايات المتحدة ستثور عليها. وهذا الامر مفهوم إزاء تأثيرات القدرة الذرية العسكرية اذا امتلكتها ايران في التوازن العسكري بين الدولتين الذي يميل اليوم لصالح أنقرة. وثانيا، أقامت ردود الغرب على تطوير المشروع الذري الايراني، تركيا في عدد من المعضلات لانها تؤيد محادثة ايران لا عقوبات عليها، ومع ذلك فان تركيا معنية بأن تُعرض بأنها تعمل بحسب مباديء القانون الدولي. جرى التعبير عن هذا التوتر مثلا بمعارضة تركيا في مجلس الامن القرار 1929 على توسيع العقوبات على ايران، وكذلك لبرنامج الحماية من الصواريخ الذي يحثه حلف شمال الاطلسي قُدما ووافقت عليه تركيا مع تحفظ أن يعلن بأن نصب صواريخ لا يرمي الى مجابهة تهديد من دولة محددة أي ايران. وثالثا، التقدم في المشروع الذري الايراني معناه ايضا فشل جهود وساطة تركيا في هذا الشأن. يستطيع الاتراك القاء المسؤولية عن ذلك في الحقيقة على دول الغرب وفي مقدمتها الولايات المتحدة بل على ايران، لكن مكانة تركيا تتضرر ايضا مع كل ذلك.

يمكن أن تُنشيء قضية مستقبل العراق على خلفية انسحاب القوات الامريكية مشكلات ايضا في العلاقات بين تركيا وايران. ففي حين ليست الدولتان معنيتين بنقض عُرى العراق بسبب التأثيرات الممكنة في أمنيهما، فان تصوراتهما تختلف فيما يتعلق بمستقبل العراق المُراد. فايران معنية بدولة ضعيفة مقطوعة قدر المستطاع عن التأثير الغربي والعربي، مع هيمنة الشيعة على قيادة الدولة، أما تركيا فمعنية بأن يحكم العراق تحالف على أساس واسع قدر المستطاع يكون فيه تمثيل مناسب للأقلية السنية ايضا. وعلى العموم، فان تدخل ايران في العراق يبعثه ما تراه مجال تأثير ايراني طبيعي. وهو يستمد من الخشية من صورة العراق في المستقبل ومن الطموح الى الهيمنة على المنطقة وادراك ان العراق لبنة مهمة في الطريق الى هذه الهيمنة.

إن ايران في الحقيقة، مثل تركيا، غير معنية بتدهور الوضع الداخلي في العراق لان عدم الاستقرار هناك قد يتسرب الى داخلها ايضا؛ لكن اذا ضعفت السلطة المركزية في بغداد فان ايران قد تعزز قبضتها على الجنوب الشيعي وهو أمر سيكون قذى في عيني تركيا. يوجد اليوم لتركيا تأثير مهيمن ومصالح اقتصادية واضحة في شمال العراق، وبحسب التطورات بعد انسحاب الولايات المتحدة قد تزيد تأثيرها في هذا الجزء ولو من اجل ان تمنع الأكراد الذين يعيشون في هذه المناطق عن اعلان الاستقلال. كانت قضية الاكراد في العراق على مر السنين قاعدة للتعاون لكنها كانت قاعدة اختلاف بين الدولتين ايضا. ففي حين اتهمت تركيا ايران باعطاء رجال الـ ‘بي.

كي.

كي’ لجوءا، اتهمت ايران تركيا بالهجوم على أهداف كردية داخلها.

فيما يتعلق بلبنان، حاولت تركيا التوسط بين الفصائل المختلفة في لبنان وبين لبنان وسورية ايضا، وفي مقابل هذا، فان تأييد ايران المتواصل لحزب الله مصدر عدم استقرار داخل لبنان وبين لبنان واسرائيل. في تشرين الثاني 2010 زار اردوغان لبنان زيارة مغطاة اعلاميا بعد زمن قصير من زيارة رئيس ايران إياه، وقد تُفسر زيارته بأنها محاولة لزيادة تأثير تركيا في الدولة على حساب تأثير ايران. في اثناء زيارة اردوغان وجه انتقادا شديدا على اسرائيل محاولا أن يبدو مدافعا عن لبنان بل هدد بأن تركيا سترد اذا تجرأت اسرائيل على مهاجمة لبنان. في سياق تدخل تركيا في لبنان، ليس واضحا مبلغ مقاربتها من حزب الله. جرى الابلاغ مثلا ان اردوغان قال عند عودته من لبنان إن منظمة حزب الله لا صلة لها بقتل رئيس حكومة لبنان السابق رفيق الحريري. واقترحت تركيا ايضا أن يتم التقرير تأجيل نشر تقرير لجنة التحقيق الدولية من قبل الامم المتحدة في تحقيق مقتل الحريري كي لا يتدهور الوضع في لبنان الى حرب أهلية اخرى. بعد استقالة وزراء حزب الله وسقوط حكومة لبنان في كانون الثاني 2011، استمرت تركيا في محاولات وساطتها بين الفصائل في لبنان، بل ان وزير خارجية تركيا ورئيس حكومة قطر التقيا مع زعيم حزب الله حسن نصر الله. وقررت تركيا وقطر في الختام تعليق محاولات الوساطة، ويمكن ان نرى في ذلك اخفاق تركيا في محاولتها إضعاف موطيء قدم ايران في لبنان أو رغبة في الابتعاد قليلا عن منظمة حزب الله.

فيما يتعلق بسوريا، بذلت تركيا جهود وساطة في السياق الاسرائيلي السوري (اربع جولات محادثات غير مباشرة بين أيار وكانون الاول 2008) ولم يكن هدفها تقوية مكانتها باعتبارها وسيطة فقط بل أن تُبين أن سوريا ليست جزءا من ‘محور الشر’. إن سوريا مثل تركيا ليست عضوا طبيعية في ‘المحور المتطرف’ فهي دولة علمانية، وهي بخلاف ايران وحزب الله وحماس لا ترفض امكانية التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل. والى ذلك ليس من الممتنع أن يثير دفء العلاقات بين تركيا وسوريا مخاوف في ايران من ان سوريا تزن أن تستبدل بالدعامة الاستراتيجية الايرانية الدعامة التركية. وقد زادت أنقرة ودمشق في السنين الاخيرة النشاط العسكري المشترك (تدريبات مشتركة هي الاولى من نوعها، بين الدولتين بدأت في نيسان 2009) لسلاحي الجو، والمدرعات والمشاة في المنطقة الحدودية المشتركة بينهما، وظهرت تقارير ايضا عن تعاون تركي سوري لمواجهة نشطاء حزب العمال الكردي. بل كانت محاولات توسط تركيا بين سوريا والعراق بعد ان اتهمت هذه الاخيرة دمشق بـ ‘اغماض عينها’ بل بالمساعدة على عمليات الارهاب التي تمت من ارضها في آب 2009 كانت مهمة.

فيما يتعلق بالصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وبرغم الوضع الشديد للعلاقات بين اسرائيل وتركيا، تؤيد تركيا التسوية، أما ايران فلا تقبل شرعية اسرائيل. ايران في الحقيقة خارج الصراع الاسرائيلي العربي والاسرائيلي الفلسطيني لكنها تبذل كل ما تستطيع للاضرار بكل تسوية ممكنة بوساطة التمويل والتدريب ونقل السلاح الى منظمات ارهابية مثل الجهاد الاسلامي الفلسطيني وحماس. في مقابل ذلك، ينبع التقارب بين تركيا وحماس (اعترفت تركيا بحكومة حماس في سنة 2006 بل استضافت خالد مشعل في أنقرة في تلك السنة) لا من الرغبة في تعزيز سيطرة هذه المنظمة على غزة بل عن اعتراف بأنهم اذا أرادوا تقديم التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين ينبغي أن تُرى حماس لاعبة شرعية. والى ذلك يلاحظ منذ سنين كثيرة عطف في الرأي العام التركي كبير على النضال الفلسطيني وهناك شعور مسؤولية ما بأن المشكلة الفلسطينية نشأت في أواخر مدة حكم الدولة العثمانية. والنتيجة، على الأقل فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، هي أن اردوغان وضع تركيا بين العالم العربي والاسلامي وبين اسرائيل والغرب، وبهذا أضر بمحاولة ايران ان تحتكر هذا الامر لتزيد تأثيرها في الرأي العام العربي من فوق رؤوس الزعماء العرب. وقد يكون مركز آخر للاحتكاك بين الدولتين هو الصراع على شخص قائد العالم الاسلامي. في استطلاع للرأي العام في عدد من الدول المسلمة، تم بعد وقت قصير من قضية القافلة البحرية الى غزة، اختير اردوغان ليكون الزعيم المحبوب أكثر من غيره وحظي بتأييد 20 في المائة من المستطلعة آراؤهم. واختير اردوغان ايضا ليكون ‘شخصية العام’ في 2010 من قبل 74 في المائة من المشاركين في استطلاع متصفحي موقع ‘سي.

ان.

ان’ باللغة العربية. والدعوى هي أن صورة تركيا في العالم العربي منذ الحرب العالمية الاولى لم تكن أفضل مما هي اليوم. وفي استطلاع للرأي بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة رأى 43 في المائة من المستطلعة آراؤهم ان تركيا هي الدولة الأكثر تأييدا لنضالهم. هذه الاستطلاعات، مع القمصان التي صورت فيها صورة اردوغان ولافتات تحمل صورته لا تباع في الضفة وغزة فقط بل في بعض الدول العربية، تشهد على شعبيته العظيمة في الشرق الاوسط. امتدح محرر الصحيفة اليومية ‘القدس العربي’ الذي انتقد بعد أحداث القافلة البحرية استخذاء نظم الحكم العربية في مواجهة اسرائيل، رئيس حكومة تركيا وزعم انه ‘أكثر عروبة من العرب’. إن القافلة البحرية الى غزة التي سبقتها ايضا تصريحات اردوغان الشديدة اللهجة على اسرائيل اثناء الحرب في لبنان في سنة 2006 وأكثر من ذلك في اثناء ‘الرصاص المصبوب’، والواقعة في دافوس مع رئيس الدولة شمعون بيرس كل ذلك قوّى مكانة اردوغان في العالم العربي باعتباره معارضا عنيدا لاسرائيل. هذه المعارضة التي هي خطابية في أساسها وتعتمد على ‘القوة اللينة’ وتحقق انجازات مع كل ذلك، تثير سؤال أليس هذا مسارا أنسب من المسار العنيف الذي يستعمله محمود احمدي نجاد وحسن نصر الله.

قد تمكن اختلافات في الرأي بين ايران وتركيا ايضا في تطورات في العالم العربي في المستقبل. كان في طهران رضى على نحو رسمي عن الزعزعات التي تجري على العالم العربي ولا سيما سقوط نظام مبارك، لكنه في الآن نفسه توجد مخاوف من انتشار موجات الاحتجاج الى داخل ايران ايضا. كانت تركيا أشد حذرا في تصريحاتها على مصر لكن قادتها دعوا مبارك الى التنحي ايضا. كان بين تركيا ومصر علاقات متوترة كما كانت بين ايران ومصر بقيادة مبارك بسبب دور أكثر هيمنة حاولت تركيا ان يكون لها في الشرق الاوسط. من هذه الجهة قد يفضي ابتعاد مبارك عن خشبة المسرح الى تحسن لعلاقة مصر بهاتين الدولتين. مع ذلك يؤكد ضعف مصر المسار الأوسع لضعف نظم الحكم الموجودة في الدول العربية وسيزيد في الأمد البعيد احتمال أن ينشأ صراع بين تركيا وايران على الهيمنة الاقليمية. إن امكانية ان يزيد ‘الاخوان المسلمون’ سلطتهم في مصر يثير سؤال هل تستطيع الديمقراطية التركية ان تكون قدوة لمصر. في مقابل ذلك، تعرض ايران نموذج إلهام آخر، ولهذا يمكن أن تقع صراعات تأثير في مستقبل مصر.

قد ينشأ مصدر احتكاك آخر بين ايران وتركيا لعلاقة أنقرة التي تزداد إحكاما بدول الخليج العربية التي تخشى ايران وتريد منعها القدرة الذرية. كذلك أفضت خيبة الأمل من سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط والشعور الذي يزداد في الخليج بأنه لا ينبغي الاعتماد زمنا طويلا على ‘مظلة الحماية الامريكية’، الى ‘شهر عسل’ في العلاقات السياسية والاقتصادية والامنية بين الجانبين. على سبيل المثال الهدف هو أن يزداد مقدار التجارة بين السعودية وتركيا في السنتين القريبتين ليصبح 10 مليارات دولار قياسا بـ 3.5 مليار في سنة 2009 و5.5 مليار في سنة 2008. ترى دول الخليج العربية أن إدخال تركيا في شراكة استراتيجية معها قد يساعد على معادلة قوة ايران في الخليج. ولذلك أيدت دول الخليج ترشيح تركيا لمكانة مراقبة في الجامعة العربية؛ ومحاولات وساطة تركيا بين اسرائيل وسورية، وتعزيز تعاونها مع حلف شمال الاطلسي. وقد جاء الاعتراف بمكانة تركيا في الخليج مع التوقيع على مذكرة تفاهمات (ام.

أو.

يو) أمنية، ولاول مرة في تاريخ العلاقات الخارجية لدول الخليج تم الاعتراف بدولة على نحو رسمي بأنها شريكة استراتيجية في مجلس التعاون الخليجي. هناك قضية مهمة اخرى هي قضية الطاقة. في السنين الاخيرة يزداد ادراك تركيا أن السيطرة على طرق الطاقة لا تقل أهمية عن السيطرة على مصادر الطاقة. ايران هي ثاني أهم مزودة لتركيا بالغاز الطبيعي بعد روسيا، وفي سنة 2009 وقع على اتفاقات على مشاريع مشتركة لنقل الغاز الطبيعي من ايران عن طريق تركيا. مع ذلك فان تحقيق جزء من هذه المشاريع يلفه الضباب بسبب زيادة العقوبات على ايران. على سبيل المثال لا يوجد يقين بأن الشريكات الاخرى في ‘مشروع نابوكو’ الذي يفترض في اطاره بناء أنبوب لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين والشرق الاوسط الى اوروبا عن طريق تركيا، ستوافق على ان تكون ايران واحدة من الدول التي تزود المشروع بالغاز الطبيعي.

تتصل قضية الطاقة ايضا بقضية أوسع هي صراع ممكن بين ايران وتركيا في شأن التأثير في دول وسط آسيا التي يحاذي بعضها بحر قزوين. إن أكثر السكان في أكثر هذه الدول ذوو أصول تركمانية ولهذا يحتمل ان تؤثر تركيا فيها أما ايران فترى هذه المنطقة ‘ساحتها الخلفية’، ولهذا يجب ان يكون أكبر التأثير في يدها. في شؤون دول بحر قزوين عامة، وفي شأن اذربيجان وقضية الصراع في نغورنو كاراباخ خاصة، وقعت اختلافات بين تركيا وايران، وقد تعاود الظهور مرة اخرى. في ايران أقلية أذربية كبيرة (ربع السكان تقريبا)، وكانت العلاقات باذربيجان متوترة خشية أن تريد هذه انشاء اذربيجان كبيرة. في مقابل هذا، اذربيجان هي أقرب دولة من تركيا بين الجمهوريات التركمانية، وإن حدث في السنين الاخيرة تباعد ما بين اذربيجان وتركيا لمحاولة تركيا تسخين العلاقات بأرمينية عدو اذربيجان في الصراع على نغورنو كاراباخ.

آثار تتعلق باسرائيلتحولت تركيا من دولة ذات صورة موالية للغرب ومشاركة في مسيرة السلام الاسرائيلية الفلسطينية والاسرائيلية السورية الى جهة اشكالية ولن نقول سلبية من وجهة نظر اسرائيل. فقد مدت يدها الى ايران وسورية وحماس بل الى حزب الله مع تعزيز مكانتها باعتبارها منتقدة لاذعة لاسرائيل. إن موقف أنقرة في الأمد القصير قرّبها ولو من جهة الوعي، من طهران. وحظي ابتعاد تركيا عن اسرائيل بمباركة كبار نظام الحكم في ايران الذين ذكروا انها بذلك ‘تقترب من العالم الاسلامي’. وعلى العموم فان تركيا برئاسة اردوغان تريد ان تعزز مكانتها في العالم العربي والاسلامي حتى لو كان ثمن ذلك الصلة باسرائيل. لذلك تأثيرات مباشرة واشكالية من جهة اسرائيل. فتعزيز الصلة بين تركيا وايران (وسوريا) في الصعيد الامني مثلا يُمكّن من نقل وسائل قتالية الى حزب الله وحماس على نحو أسهل مما كان في الماضي بواسطة مرور الارساليات في ارضها. وإن انكشاف تركيا لطرق قتال ووسائل قتالية متقدمة في اطار تعاونها مع اسرائيل قد تستعمله عناصر معادية لاسرائيل. أُبلغ في هذا السياق في المدة الاخيرة عن اتفاق ان تدرب تركيا قوات من جيش سوريا. كذلك قد يكون من غير مصلحة اسرائيل وقف تعاون سلاحي الجو والاجهزة الاستخبارية لاسرائيل وتركيا. بل ان وزير الدفاع اهود باراك حذر من تسريب معلومات اسرائيلية من تركيا الى ايران على أثر علاقات العمل الطويلة التي كانت للاستخبارات التركية مع الموساد.

ينبغي ألا نخطيء، فتركيا التي تريد كما يبدو ان تمسك العصا من طرفيها تدفع ثمنا لا يُستهان به عن مقاربتها ايران وعلاقتها باسرائيل بصلاتها باوروبا والولايات المتحدة. فادارة الولايات المتحدة شكّت في قدرة حكومة تركيا على ان تكون شريكة ثقة، وعرّفت حكومتها بأنها تغلغل اليها ‘مسلمون متطرفون’، بل أومأت الى انها تنقض العقوبات على ايران.

عبّر وزير دفاع الولايات المتحدة، روبرت غيتس، عن قلق على أثر تدهور العلاقات بين اسرائيل وتركيا والتأثير الذي قد يكون لذلك في استقرار المنطقة. يجب أن نضيف الى ذلك ايضا الصعاب التي تجابه تركيا في محاولتها أن تُقبل في الاتحاد الاوروبي. وعلى العموم كان عدم رغبة اوروبا في تقوية صلات تركيا وبعض نشاط الولايات المتحدة في الشرق الاوسط بين العوامل التي أثرت في ميل تركيا الى الشرق. فينبغي اذا ان نرى تدهور علاقات اسرائيل بتركيا في سياق تغير توجه تركيا. إن الازمة بين اسرائيل وتركيا وابتعاد تركيا عن الغرب قد يكونان نقطة اتصال بين ايران وتركيا ولو حتى لكون هذه القضايا أثقلت في الماضي على العلاقات بينهما. تحفظت ايران مثلا من الصلات الامنية بين أنقرة والقدس، بل ضغطت على تركيا سنين طويلة لمضاءلتها. مع ذلك يمكن كما قلنا آنفا ان ينشأ صراع بين الدولتين على قيادة مناضلة اسرائيل. لن تكون هذه المناضلة سهلة على اسرائيل لكنها قد تفضي على نحو غير مباشر الى إضعاف تأثير ايران في المنطقة.

إن الاعتراف بأن مستوى التعاون الذي ميز علاقات تركيا باسرائيل لن يعود كما كان في المستقبل القريب على الأقل، أفضى باسرائيل باعتباره جزءا من مسار ‘صحوتها’ الى التعبير تعبيرا بارزا عن العلاقات الوثيقة بدول كاليونان وبلغاريا تشاركانها قلقها من سياسة تركيا وتتعرفان احتمال تعاون أمني واقتصادي وسياحي وتقني مع اسرائيل. أثمر ‘حلف البلقان’ زيارات متبادلة متوالية في جميع المستويات، وفي الصعيد الاستراتيجي تجري ترتيبات مشتركة بين اسلحة الجو. برغم ما قيل آنفا، نذكر ان العلاقات بين اسرائيل وتركيا عانت في الماضي ايضا ارتفاعا وانخفاضا، ويمكن توقع ان تستمر الدولتان في محاولة الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة بينهما، علاوة على أنه في ظل الازمة الحالية ما تزال العلاقات التجارية والثقافية والعلمية والسياحية بين الدولتين موجودة وإن تكن أقل مما كانت في الماضي.

الخلاصة: مع مسار كون تركيا وايران لاعبتين متقدمتين في الشرق الاوسط، أخذت تتحسن العلاقات بين الدولتين. مع ذلك وفي نظر الى أمد أبعد يبدو أن عقبة كبيرة أمام تحقيق مطامح تركيا الى هيمنة اقليمية قد تأتي خاصة من جهة ايران. في مقابل هذا، قد تكون سياسة تركيا عامل قسر ذا شأن في مطامح ايران في المنطقة، بحيث إن طهران التي تكسب في الأمد القصير من معارضة تركيا التي تزداد لاسرائيل، وتأكيدها القضية الفلسطينية ومحاولات وساطتها في الشأن الذري فان محاولة تركيا في الأمد البعيد ان تزيد وزنها الاقليمي قد تأتي على حساب ايران التي تطمح هي ايضا الى مقام الهيمنة في الشرق الاوسط وتستعمل مقاومة اسرائيل، كما تفعل تركيا، وسيلة رئيسة من اجل ذلك.

أردنا أن نُبين ان الهوية الأساسية والمصالح الجوهرية لأنقرة وطهران (في بعض الشؤون على الأقل) متعارضة وهو شيء قد يسبب صداما بين القوتين الصاعدتين غير العربيتين في الشرق الاوسط. مع ذلك ليس لهذا العرض ان يزعم ان الدولتين لن تنجحا في حل الاختلافات بينهما بطريق التفاوض. بالعكس، إن سياسة ‘صفر المشكلات’ التي تحثها تركيا قُدما في معاملة جاراتها تعطي مثالا عن انه كيف أفضى مجرد تغيير تصور تركيا الأساسي عن ايران الى تحسين ملحوظ للعلاقات بين الدولتين. ومع كل هذا سيضطر بعض القضايا التي أُثيرت الدولتين الى اتخاذ موقف واضح وقد يقيمهما ذلك عن جانبي المتراس ويكون عقبة في طريق توثيق العلاقات بين الدولتين.’ يوئيل باحث في معهد ابحاث الامن القومي ود. غاليا باحثة في معهد ابحاث الامن القوميتقدير استراتيجي ـ معهد بحوث الامن القومي ـ جامعة تل ابيب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية