تل أبيب تُجمع على أن الخيار العسكري بات الوحيد لوقف برنامج إيران النووي الناصرة ـ ‘القدس العربي’ ـ من زهير أندراوس: كما كان متوقعا، فقد عجت وسائل الإعلام العبرية بالتقارير والتحليلات عن تقرير الوكالة الدولية للطاقة النووية، والذي ‘أدان’ الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأنها تُسارع نحو إنــــتاج القنبــلة غير التقليدية، واللافت أن الجميع أجمعوا على أن رد فعل المجتمع الدولي كان فاترا إزاء الكشف الذي جاء في التقرير، ومن الناحية الأخرى ألمحوا بصورة غير قابلة للتأويل بأنه إذا استمر الوضع على ما هو، فإنه لن يكون أمام دولة الاحتلال أي مفر من توجيه الضربة العسكرية لتدمير البرنامج النووي الإسلامي، كما يُسميه الإعلام الإسرائيلي.
وقال المحلل للشؤون العسكرية في صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’، أليكس فيشمان، المقرب جدا من المنظومة الأمنية في تل أبيب، لقد بقينا في الساحة لوحدنا، وشن هجوما على الموساد (الاستخبارات الخارجية) حيث قال إن الموساد وضع قبل أكثر من 8 أعوام أهم أهدافه وقف البرنامج النووي الإيراني، واليوم مع نشر التقرير الدولي، قال المحلل، يستطيع الجهاز أن يُسجل لنفسه إنجازا لا يستحق الذكر، على حد تعبيره. أما المحلل رون بن يشاي، صاحب الباع الطويل في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية فقد قال في مقال نشره بموقع الصحيفة على الإنترنت إن حقيقة قيام الدولة العبرية بإجراء تدريبات مكثفة في حوض البحر الأبيض المتوسط وفي دول بعيدة، من رومانيا وحتى جزيرة سردينيا، تؤكد على أن لتصريحات رئيس الوزراء نتنياهو ووزير الأمن باراك بأن إسرائيل لا يُمكنها أن تتحمل قنبلة نووية إيرانية هناك تغطية مفادها أن إسرائيل قد انتهت من تحضير الخيار العسكري، أي توجيه الضربة لإيران.
ولفت المحلل إلى أن الأهم من هذا وذاك، أن العالم وأيضا إيران، بات يفهم الآن بأن القيادة السياسية في تل أبيب تُفكر جديا أن تُصدر الأوامر للجيش بالقيام بعملية عسكرية لتدمير أو حتى إبطاء البرنامج النووي لعدة سنوات، وذلك عندما تتأكد القيادة عينها بعدم وجود خيار اخر.
وأشار بن يشاي إلى أن جميع قادة الأجهزة الأمنية وعدد من وزراء الثمانية في الحكومة الإسرائيلية يؤيدون الضربة العسكرية، لأنه عندها سيدور الحديث عن وقف تهديد وجودي على الدولة العبرية، حتى ولو كانت القيادة السياسية والأمنية في تل أبيب على معرفة ودراية بأنها بضربتها العسكرية ستخسر الكثير في الأرواح والممتلكات، خصوصا وأن إسرائيل تتوقع أن تؤدي ضربتها العسكرية إلى رد فعل من إيران وسورية وحزب الله وحماس والتنظيمات الفلسطينية الأخرى في قطاع غزة.
مع ذلك، أوضح المحلل أن عامل الزمن يُبعد أنيا هذا الخيار، لأنه وفق التقديرات ستصل إيران إلى القنبلة النووية في العام 2015 فقط، حتى ذلك الحين، قال بن يشاي، من شأن العقوبات الاقتصادية القاسية أن تُجبر القيادة الإيرانية على إبرام صفقة مع الاتحاد الأوروبي وروسيا والولايات المتحدة لإبطاء البرنامج النووي الإيراني أو السماح لها بمواصلته، كما أن الخبراء لا يستبعدون أن تتمكن المعارضة الإيرانية من قلب نظام الحكم في طهران، أما السيناريو الاخر الذي يطرحه المحلل فيتمحور حول توصل الولايات المتحدة الأمريكية إلى نتيجة مفادها أنه من أجل المحافظة على الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وعدم وضع النفط في خطر، لا بد من توجيه ضربة عسكرية لإيران وتدمير برنامجها النووي، في هذا السيناريو، يؤكد المحلل، ستتمكن إسرائيل من المشاركة في الائتلاف الضارب، الأمر الذي سيمنع المجتمع الدولي من عزلها، وهو الأمر الذي يؤمن فيه من يعارضون الضربة العسكرية من الإسرائيليين، الذين يؤكدون على أنه من الممنوع على الدولة العبرية أن تشن الهجوم لوحدها.
ولكنه أضاف أن نتنياهو وباراك يعارضان هذا التوجه، لأنهما يعتقدان بأنه من غير المعقول إبعاد موعد الضربة العسكرية، مشيرا إلى أن الاثنين على اعتقاد بأن رد الفعل الإيراني على الضربة العسكرية لن يكون مؤلما، كما يتوقع الكثيرون، لافتا إلى أقوال باراك، أول من أمس، والذي قال إن السجال العام الجاري في إسرائيل حول هجوم محتمل ضد إيران، هو سجال سخيف للغاية، وان وسائل الإعلام وبعض الشخصيات السياسية ورئيس الموساد السابق، مئير داغان، أدى إلى حملة تخويف مبالغ فيها ولا حاجة لها بين الجمهور الإسرائيلي، وانه ينبغي إجراء حساب للذات حول ما إذا كان هذا سجالا عميقا أم ضحلا. واضاف قائلا إنه في حال اضطرت إسرائيل إلى الدخول في حرب فإنه لا أساس للحديث عن أنه سيقتل عدد كبير من الأشخاص في إسرائيل، وإذا دخل السكان إلى الغرف الآمنة فإنه لن يقتل حتى 500 شخص، وأنه لا يوجد خطر حقيقي على وجود إسرائيل، كما يزعم البعض في الدولة العبرية، على حد قوله.
وعبر باراك عن أمله في أن ما يدفع رئيس الموساد السابق داغان إلى التهويل لا ينبع من مصالح تبعد عن مصلحة الأمن القومي الإسرائيلي، لافتا إلى أن قيام داغان باستدعاء الصحافيين إلى مكتبه قبيل إنهاء مهام منصبه ومهاجمة رئيس الوزراء هو عمل ليس مقبولا ولم يحدث في السابق أبدا، على حد تعبيره. وزعم أن التدريب المشترك مع سلاح الجو الإيطالي في الأسبوع الماضي كان مخططا له منذ زمن بعيد، كما أن تجربة الصاروخ الباليستي الأسبوع الماضي هو نتاج تفكير تحضير استمر عدة أشهر، وبالتالي فإن محاولة ربط هذين الأمرين بعملية عسكرية ضد إيران ليس في مكانه بالمرة. وشدد وزير الأمن الإسرائيلي على أن الدولة العبرية هي أقوى دولة في المنطقة من الناحية العسكرية، وستبقى أقوى دولة في كل مستقبل منظور للعين، على حد وصفه. وقلل المحلل أيضا من رد الفعل الإيراني لأنها بحسب المصادر في تل أبيب، تخشى من أن تتلقى ضربة ثانية من إسرائيل تشمل زرع الدمار في أرجائها، بما في ذلك حرق حقول النفط التابعة لها.
وكشف النقاب عن أنه حتى هذه اللحظة، لم تتخذ الدولة العبرية قرارا حول الهجوم العسكري، وهذا ليس نابعا من معارضة أوساط أمنية أو وزراء في الحكومة، إنما نابع فقط من معارضة واشنطن لهذه الخطوة، ذلك أن واشنطن، بحسب المصادر الأمنية في تل أبيب، تخشى من رد الفعل الإيراني ضد حليفاتها في الخليج العربي، الأمر الذي سيؤدي إلى حالة من عدم الاستقرار في هذه الدول، كما أن رد الفعل الإيراني قد يتسبب في تعطيل إنتاج وضخ النفط عبر مضيق هزمز، لافتا إلى أن هذا هو نفس السبب الذي دفع إدارة بوش الابن إلى معارضة ضربة إسرائيلية لإيران. وخلص إلى القول إن العقوبات مهما كانت قاسية لن تردع إيران، وبالتالي فإن التلميحات الإسرائيلية بأن الدولة العبرية على استعداد لضرب إيران وتحمل الرد من قبلها، هو بمثابة رسالة واضحة إلى كل من واشنطن وموسكو وبكين بأنه يتحتم عليهم وقف البرنامج النووي الإيراني بكل ثمن، وإلا فإن العالم برمته سيتحمل نتائج الرد الإيراني، وليس إسرائيل فقط.