سمير حمدي اثر الثورة التونسية وفرار الرئيس المخلوع إلى جدة صرح وزير الخارجية المصري حينها احمد أبو الغيط قائلا إن مصر ليست تونس وان أي محاولة للمماثلة بينهما هي من قبيل المراهقة السياسية وما لبث النظام المصري بعدها إلا قليلا حيث لم يفصل بين سقوط طاغية تونس وطاغية مصر سوى اقل من شهر واحد، لينطق بعدها صوت ‘الحكمة’ الليبي عندما سخر القذافي من الثورتين الجارتين وتوجه ناصحا إلى التونسيين قائلا لو كان الأمر بيدي لجعلت بن علي يحكم مدى الحياة ولم ينس أن يختم بالقول ليبيا ليست تونس أو مصر وبعدها اندلعت ثورة 17 فبراير ثم جاء الدور على اليمن ثم سورية والغريب أن جميعهم يردد أن هذا الذي يحدث عند أشقائهم لن يحصل عندهم ولا احد يريد أن يتعظ بمصير باقي الأنظمة وبعيدا عن منطق الاعتبار الأخلاقي ـ على أهميته ـ فإن هذا النمط من التفكير السقيم لدى الأنظمة الرسمية العربية هو أمر يثير الانتباه ويستحق الدراسة والتحليل لمحاولة فهم أسباب هذا التعنت الذي يحكم الفكر السياسي في النظام العربي الرسمي ولماذا يرفض تطوير ذاته والتأقلم مع حالة التوق إلى الحرية التي تشهدها الشعوب العربية؟
يبدو أن حالة التصلب التي تعرفها الرسمية العربية اعقد من أن تفسر بمجرد رفض ذاتي من قبل الحكام للإصلاح أو حتى مجرد الخضوع لإملاءات خارجية (وهي موجودة بكل تأكيد) وإنما يتعلق الأمر بخلل بنيوي كامن في جوهر النظام الرسمي العربــي والذي يمكن أن نتلمس بعض ملامحه في النقاط التالية:
ـ إن بنية النظام العربي والتي تشكلت اثر الاستقلال عن الاستعمار الاوروبي حملت في جيناتها الوراثية نمطا من التعامل كان الغربيون يتعاملون به مع السكان الأصليين حيث ظل الحكام العرب يراكمون فكرة أن الشعب ليس إلا مجرد غبار أو بقايا غير ذات قيمة وهي الفكرة ذاتها التي روج لها الغربيون تحت مسمى ‘رسالة الرجل الأبيض التمدينية’ لتبرير غزوهم الاستعماري للشعوب الأخرى ولعلنا نجد بذورا لذات هذا المنطق على الأقل من حيث المماثلة البنيوية بين خطاب الزعماء وخطاب المستعمر ألم يقل بورقيبة يوما إني صنعت من التونسيين شعبا بعدما كان مجرد غبار من الأفراد (poui’re dindividu) ، ألم يقل عبد الناصر للمصريين لقد زرعت فيكم العزة والكرامة، ألم يكن زعماء البعث في سورية والعراق يمنحون أنفسهم صفات ترقى بهم إلى مرتبة الآلهة وكذلك كان القذافي وحكام الخليج يفعلون، انه نمط من التفكير القائم على منطق سقيم ينص على أن الحاكم صاحب فضل على شعبه وان على الرعية السمع والطاعة للراعي’وإن جلد ظهرك واخذ مالك’ بينما الوقائع تقول ‘أننا سمعنا بشعوب تعيل حكامها ولم نسمع أبدا بحكام يعيلون شعوبهم’ كما يقول روسو.
ـ الأمر الثاني أن أزمة الأنظمة تكمن في التزاوج العجيب بين السلطة والمال والتضامن القرابي (اعني حكم الأسرة أو العشيرة أو الطائفة) وهذه أمور تتجلى في طبيعة الممارسة السلطوية في البلاد العربية فإذا كانت السلطة بحسب تعريف فوكو علائقية وتتوزع بحسب نقاط لا حصر من حيث هي ممارسة تقوم على علاقة تراتبية فان الأنظمة العربية تحتكر كل أشكال النفوذ وتختصرها في سلطة الحاكم المطلقة الذي يجعل من ذاته مصدرا لكل السلطات المطلقة التي يستفيد منها قرابته وبأشكال مختلفة إلى الحد الذي تصبح معه الدولة مختصرة في مجموعات النفوذ العائلي أو الطائفي مما يفقد الإنسان إحساسه بالمواطنة ويجعله يشعر أن حقوقه الطبيعية مجرد هبات وأعطيات تكرم بها عليه صاحب السلطان وآله، ألا يتصرف بعض الحكام العرب في إمكانيات الدولة وكأنها ملك شخصي له؟ ألم تقم بعض العائلات الحاكمة بنسبة بلدان بأكملها إلى ألقابها العشائرية؟ أليس الاهتمام بالشأن العام في بعض البلدان شكلا من أشكال الترف بحيث يكتفي الحاكم بمنح الوزارات لأهله وقرابته بحيث يمكن أن نسمي ودون حرج مجلس الوزراء بمجلس العائلة؟ ألم يعاصر احد وزراء الخارجية العرب ثلاثة عشر وزير أمريكي ولازال؟ وبعد هذا يتساءل البعض لمَ تندلع الثورات العربية؟ ولماذا يضطر البعض إلى تبرير الاستنجاد بالأجنبي في سبيل التحرر من حكم الأسرة أو العشيرة أو الحزب؟
إن الأنظمة العربية تعاني بالفعل أزمة هيكلية خانقة وإن أي محاولة للتمديد في عمرها الافتراضي ستكون غير مجدية ولهذا فان المحاولات التي تبذلها الجامعة العربية لحل الأزمة السورية ستبوء بالفشل مثلها في ذلك مثل المشكلة اليمنية والسبب لا يكمن في الشعوب المنتفضة بلا ريب وإنما في عجز هذا النظام الرسمي العربي عن التجدد.
إن هذه الأنظمة تلفظ أنفاسها الأخيرة ولن تنفع معها محاولات الإنعاش لأنها استنفذت أغراضها وتحولت إلى مجرد جثة تنتظر الدفن غير أنها قبل ذلك ستثير الكثير من المشكلات على عادة كل جسم خبيث أو ورم خطير عندما يتم استئصاله ودائما يبقي السؤال لماذا لا يتعظ الحكام العرب من سقوط نظرائهم وإصرارهم على تكرار نفس الأخطاء بل الخطايا؟.. إنها حيلة التاريخ ومكـــــره بلغة هيجل التي تجعل هذه الأنظمة تراكم خطاياها لتحفر قبرها بأيديها وان أي محاولة لإيجاد فرصة إنقاذ لها ستكون خارج سياق التاريخ، وان الأكيد عندي أن الأنظمة العربية جميعا آيلة إلى السقوط وان البعض الباقي وان حاول أن يبدو في مظهر متماسك سينهار ككل بنيان ورقي متهالك وتلك هي حكمة التاريخ التي ترفض الأنظمة العربية فهمها والتعلم منها وان تعلمت فبعد فوات الأوان..’ كاتب من تونس