هيا صالح كثيراً ما انشغلتْ أعمال الكاتب هزاع البراري التي تنوعت بين الرواية والقصة والمسرح، بهاجس الموت كصنو للحياة، أو بوصفه أحد الوجوه المكمّلة لها، فكأن لا استمرارية لها من دونه، ولا فكاك له من حضورها لاكتمال معناه.
وكثيراً ما استحضر البراري أرواح الراحلين، وحاورها فاتحاً باب الحلم والفانتازيا والخيال على مصراعيه، وفق تقنيات تستثمر المونولوغ والديالوغ والتقطيع معاً، وتتكئ على التاريخ، تنبشه بجرأة، لا لاستعادته حسْب، وإنما لمحاكاته ومساءلته والبناء عليه وكشف أسراره وخباياه.’تراب الغريب’ (صدرت طبعتها الثانية ضمن مشروع مكتبة الأسرة، وزارة الثقافة، عمّان، 2010) روايةٌ للبراري تأتي ضمن هذا السياق، أي ثمة الموت والحياة يتقابلان ويتجاذبان الخيوط، لا غالب ولا مغلوب! وليس من المستغرب أن يفتتح البراري روايته بعبارة للمتصوف ابن عربي: ‘الناس نيام وإذا ماتوا انتبهوا’، مثبتاً في مستهلّ الرواية عبارات على لسان ‘الغريب’ (الذي اضطلع بدور الراوي) يقول فيها: ‘هذا ترابي أنثره عليكم، وهذه أرواحهم لا تتركن’، ليضع المتلقي في مواجهةٍ مع نقشٍ مفقود من مقبرة توت عنخ آمون، وفيه: ‘اللعنة على كل من يقترب من هذه الأرواح، أو يحاول إزعاجها.’تشكّل هذه العبارات، المستلّة من أزمان مختلفة وتجارب متنوعة، ما يمكن دعوته ‘البؤرةَ الفكرية’ التي بنت الرواية عليها هيكلها الحكائيالموضوعي، وانحكمت لها في معمارها الفني أيضاً، حيث عالم الأرواح التي تتلاقى وتتقاطع معاً رغم بُعد المسافة (مكانياً وزمنياً) بين أجساد أصحابها.. فالروح على خلاف الجسد الذي يتحول إلى ‘كمشة’ تراب بعد الموت، لا تخضع لمعايير الزمان أو قيود المكان، ولا تقف دون انطلاقها حواجز. إنها عابرةٌ للحدود، فإذا ما انفلتت من إسار الجسد حلّقت على فورِها في عوالم شاسعة.
لذلك، يعيش الراوي/ الغريب، رحلته مسْقطاً على الورق ما يتوارد في ذهنه من أحداث، وما ينهال من ذكريات ترسم في خطّ سيرها ما يشبه الدائرة، تمثل دورة الحياة الإنسانية؛ رحلة الآدمي على الأرض، وما قبلها، وما بعدها أيضاً. تبدأ الرحلة بحوار أراوح بين الراوي بضمير الأنا، و’ثريا’ البدوية القادمة من زمن بعيد، وقد تركت قبرها الموحش وروحها التي ‘تتجول بين الخرائب كقديس’، وهي تخاطبه: ‘أحمل قنديلاً وأقود الموتى المدفونين دونما شواهد ولم يحظوا بصحبة المقابر. يسوع كان غريباً. نحن غرباء يحتضننا كما نحتضن صليبَه’ (ص 15). تتقاطع حكاية ‘ثريا’ التي تُتَّهم بالخطيئة، مع حكاية مريم العذراء، في غير وجهٍ، غير أنها حين تنجب طفلها تفترق الحكايتان: ‘كيف أكون (مريم) وقد أخذوه مني قبل أن أراه.. لمرة واحدة امتزج صراخي بصراخه كما امتزج دمي بدمه، هربوا به من تحتي كما هربوا بي من بينهم، لم أرَ وجهه، لم ألمس دفء حاجته إليّ، ولم يسمع بكائي عليه’ (ص 15). ترحل ‘ثريا’ عن قبيلتها، غير أن ‘العار’ الذي شعرَ به أهلُها لا يفتأ يلاحقها، ثم يتوارثه ابنها الذي يصبح خورياً، ويُقتَل أثناء رحلة عودته من نابلس باحثاً عن أهله. وعلى ما في هذه الحادثة من دلالات، إلا أنها تشير إلى الفوضى والعبثية التي تسود الواقع وتتسيّد عليه، فحين يظن الخوري أنه بلغ برَّ الأمان ووجد ضالّته، يُمنى بهلاكه المحقَّق على يد خاله ‘سليم’. كما تتقاطع هذه الحادثة في إطارها العام مع ذلك العذاب الذي شهده ‘يسوع الناصري’ على أيدي من جاء يحمل لهم الأمن والسلام، وكان موت الخوري/الغريب، كما صوّرته رواية ‘تراب الغريب’ مروّعاً اهتزت له السماء كما اهتزّت لعذاب الناصريّ من قبله: ‘يستل خنجره بسرعة البرق ويغرزه في صدر الخوري، ثم ينهال عليه اسكندر بالقضيب فيفتّت رأسه بضربات بالغة القوة. خمدت الصرخات. الدماء تناثرت على الجدار فانهار الجسد المغدور وتكوّم على الأرض الفسيفسائية قرب النار. شقّ برق كبير السماءَ إلى شطرين، فأضاء البلدةَ الناعسة قرب الموقد ثم ضرب رعدٌ مدوٍّ حتى صمَّ الآذان’ (ص 216). تتوازى حالة الاغتراب التي تطرحها الرواية، مع حالة الموت بما يشير إليه من غيابٍ وانقطاعٍ عن المحيط، في إحالة إلى مأساة تعيشها أمتُنا منذ قرون. والذين عانوا جرّاء هذه المأساة هم أولئك الذين اكتووا بنار الحروب التي أوجدت أزمات فكرية ونفسية حفرت عميقاً في دواخلهم. فـ’نسرين’، الشخصية التي توهجت في ذهن الراوي/ الكاتب كفكرة، خرجت على وجودها الورقي لتعيش الواقع. وهي تسافر من لبنان إلى الكويت بعد موت والدها وزواج والدتها، لكن ذكريات الحرب التي شهدت اضطرامَها تظلّ ترسم وجهَ حياتها، وتضغط عليها: ‘نسرين شيء مختلف ونقيّ، شوّهت طفولتَها الحربُ الأهلية، والدها أغلق محل بيع الملابس في الحمرا وانعزل في بيته، حتى ضاق عليه العيش والجيران، تسلّل وحيداً إلى بيروت الشرقية فأوقفوه على الحاجز، لم يكن يحمل ما يثبت هويته، ولم يصدّقوا أنه مسيحي، وأن له عمّاً ميسوراً في الدورة، لكنهم لم يقتلوه بل تركوه يرجع من حيث أتى، سار خطوات فاهتزّت المباني المهشمة، وتطاير غبار ودخان اعتادته الشوارع وألفه المقاتلون المتحصنون’ (ص 42). كما يلحظ القارئ، فإن فعلَ القتل يتكرر في الرواية، بأشكال مختلفة، وفي أزمان مختلفة، ربما لأنه الفعل الذي تلازَمَ مع نزول آدم إلى الأرض. وإذّاك تدرك نسرين أن ‘الموت يجعل حياتنا تافهة ولا قيمة لها’ (ص 43). أما ‘سعدي’ الذي يحمل أحلامه إلى وطنه فلسطين، عائداً من الكويت بعد حرب الخليج، فيتكسّر على جسر العبور ويبكي هويته الضائعة: ‘ابتهجَ لأنه وصل أخيراً إلى العسكري الذي حدق بوثيقة سفره وهز رأسه: فلسطيني.. وقّف هناك لما نشوف آخرتها معك’ (ص 30). ويبدو ‘سعدي’، كما غالبية شخصيات الرواية، على قدر من الثقافة زادت من حدّة غربته وآلامه. إنه الوعي الذي يُشقي. فها هو سعدي حين ينتحب باكياً، يوضح: ‘لا شيء.. فقط تذكرت رواية غسان كنفاني (رجال في الشمس).. أبكتني المفارقة.. ماتوا وهم يحاولون الدخول وأنا أُذَلّ بالأسئلة أُنَحّى جانباً كالوباء، وأنا مجبَر على عودة لم تكن التي شقيتُ من أجلها’ (ص 31). وهناك ‘عصمت’ القادم إلى عمّان من العراق وقد لوّثت حربُ الخليج الأولى، ثم ‘عاصفة الصحراء’ وتوابعها، ذاكرَتَهُ وذكرياتِهِ. وهناك ‘جابر الثعالبي’ القادم من تونس إلى العراق، والذي شارك في الحرب ضدّ إيران، فسقط رفاقُه على جبهات القتال بعد أن حمّلوه أماناتهم ووصاياهم الأخيرة، كونه الحيَّ الأخير المتبقّي بينهم. هي شخصياتٌ تتنوع مشاربها ورؤاها وأفكارها، بعضها قادم من أزمانٍ بعيدة، وبعضها من عصرنا الذي نعيش، وهناك مَن هو قادم من عالم ورقي مفترَض، تعالَق معه الراوي/ الكاتب ذهنياً حتى بات يشاركه حياته كأنما الشخصية الورقية من لحم ودم، كـ’عزيز التائه’، و’قاسم مهدي’، و’نسرين’، و’ليلى’ التي تروي بعد موتها: ‘ما حدث لي مع ليلى لا يمكن أن يُفهَم، لم تكن ثمة علاقة من أي نوع لأنها لا تمتلك من النساء غير الاسم والتصنيف البيولوجي، إرادتها أدهشتني عندما أخذتني إلى حيث دفنها والدُها حية’ (ص 39). وثمة شخصيات روائية أخرى عاش معها الراوي وعايش موتها ورحيلها الأبدي، كأمّه التي تركها ‘تغفو على أطراف القرية’: و’صفاء’ التي تشاركُ الراوي/ الكاتبَ، حلمَ الكتابة، وتشهد التخطيطات الأولى لمشروعه الأدبي، وتستمع إليه يحدّثها عن شخصيات روايته.
إن خوف ‘صفاء’ من فقدان الراوي/ الكاتب الذي أحبّته، يؤكد فكرةً تقول: ‘نحن الموتى لا نتعذب بموتنا.. نحن نعيشه بينكم، أنتم من تُعَذَّبون بموتنا’ (ص 219). ولذلك فإن صفاء التي ما تزال على قيد الحياة، تبدو أكثر موتاً من الراوي الميت، وتعترف: ‘الآن أنا وحيدةٌ وحدةَ ميّت’ (ص 220). تأتي نهاية الرواية لتمثّل مفاجأة، إذ تكشف أن الراوي/ الكاتب قد التقى بكل تلك الشخصيات (الميتة)، بعد موته، أي أن الراوي يروي وهو ميت؛ روحُهُ هي التي تروي.
تجسّد الأحداث التي عايشتها هذه الشخصيات، على اختلافها، تنازُعَ الموت والحياة على الكائن-الإنسان، وتجاذبَهُما إياه، إذ يبدو الموتُ خياراً للخروج من حياة قاحطة جدباء.. ويتخذ الصراع شكلاً مادياً، وآخرَ نفسياً داخلياً، كأنما هو صراع بين الوجود والعدم، غير أن العلاقة هنا علاقة تبادلية، فقد تكون الحياة وجوداً والموت عدماً، ولكن أيضاً يمكن افتراض العكس تماماً.
في هذه الرواية يسعى البراري لإبراز مقولته التي ترى أن ‘الموتى يمتزجون بالأحياء كي تكتمل حياتهم.. الموت لا ينهي كل شيء’. فالموت في فلسفته (فلسفة الروائي/ الراوي) حدثٌ عادي كغيره من الأحداث التي يعيشها الإنسان ويصادفها كل يوم. لذا، فإن رحلة الراوي/ الكاتب مع شخصياته، اتخذت شكل الدائرة، ومَضَتْ في تحولات ومنعطفات وصولاً إلى قبر الراوي/ المحطة الأخيرة بالنسبة له، والأولى بالنسبة لمن سيأتي بعده، حيث الدائرة لا بداية لها ولا نهاية، والموت محورها الذي تدور حوله، وهو ما يشير إلى أن الحياة امتدادٌ للموت كما الموت امتدادٌ للحياة، وبهذا الوعي بدا أن هنالك اتساقاً واضحاً بين بنية الرواية من جهة، وثيمتها الأساسية من جهة أخرى. وهي الثيمة التي أكدت لغةُ البراري قدرتها على إضاءتها، إذ حافظت لغته على شاعريتها من دون انزلاق في التهويمات، وجاءت الصور متألقةً، والحدث مفاجئاً ينطوي على توهُّجٍ في تحولاته ضمن مسار أحداث الرواية. كاتبة أردنية[email protected]