وضع الاقليات في الربيع العربي

حجم الخط
0

من خلال تعاطي الأقليات مع التحولات التاريخية التي تحدث في الوطن العربي، يبدو أننا قادرون دائماً علىإمتصاص الحدث بطريقة سلبية، ما يجعلنا عاجزين من السير الى الأمام. تعيش هذه الأقليات تعددية واقعية يعجز الواقع الثقافي أو حتى السياسي عن التعبير عنها، ناهيك عن أن هذا التعدد التي هي جزء أساسي منه لا يعبّر عن نفسه على مستوى السطح السياسي أو الإقتصادي بعد أن وضعتها الأنظمة السياسية الإستبداديةأمام أخطر أنواع التعدد: التنوّع المضاد لبعضه البعض. إن الواقع الذي عاشته الأقليات في التجربة العربية كان قاسياً في ظل خطاب جامع ضامّ لها، أو في ظل خطاب إقصائي أو مُستعدٍ. إلا أن تراكمات العقود الماضية منذ قيام صيغة الدولة القطرية المتداعية أمامنا تضعالأقليات أمام تحدي وجوب لعب دوراً أساسياً ومحورياً في إعادة بناء مفاهيم أساسية في الدولة والمواطنة والمساواة وفي علاقة الدولة بالدين ومفهوم الهوية والحقوق الفردية والجماعية. يتوجب إذاّ على كل الأقليات أن تعبر عن هواجسها وأن تشارك في صياغة ملامح المرحلة المقبلة. لكن يبدو أن بعض قادة هذه الأقليات قررت أن تستقيل من هذا الدور وتترك مهمة صياغة مستقبلها لمهاب الريح. لقد تأخت مع الخوف لدرجة أصبح بوسع أي ديكتاتور أن يكتسب الشرعية السياسية بنظرها بمجرد أنه منّ على شعبه بتمكينه من الاستمرار في التنفس والحياة. صحيح أن الإستسلام في ظروف معينة قد يخفف التهميش أو الإضطهاد، لكنه لا يغير الأسس، لا يحرّر بل يوهم أن العبودية أقل ضعفاً. والضعف يحولك الى طريدة. واننا حين نقرأ اليوم خطابات ومواقف الذين يبررون العنف الذي تمارسه الأنظمة بحق شعوبها، نكتشف ما في خطاباتهم من لغة ديكتاتورية. بعيداً عن الأحزاب السياسية اللبنانبة التي كعادتها تساند وترهن جماعتها لمن يموّلها، إن موقف البطريرك الماروني الداعم لبشار الأسد يعبر عن هذا الشعور الذي يدفعك الى الدفاع عن من يشبهك، بحيث أن البطريرك كزعيم طائفي يرعى هو أيضاً شؤون طائفته بشكل إستبدادي. فإذا خرجت عن الطاعة لطائفتك ألم تصبح منفياً داخل وطنك؟

أما خوف البطريرك على مصير المسيحيين لا يجب أن يكون نابعاً من المطالبة بإسقاط الأنظمة الاستبدادية بل من الحالة التي أوصلت بها الأنظمة المستبدة الأقليات الى ما هي عليه. فالخوف المشروع من التطرف لا يجب أن يؤدي الى تجاهل سببه الرئيسي. التطرف ليس إلا وليدة الاستبداد. من يريد أن يجابه التطرف عليه أولاً أن يواجه الإستبداد وليس أن يدعم نظام مستبد يتلاعب بفزاعة التطرف. النظام الديكتاتوري لا يحمي الأقليات بل يستغل خوفها لكي يحتمي بها. المستبد يعشق اختراع المخاوف والإنحيار الى الديكتاتورية يزيد التطرف تطرفاً والخوف خوفاً.

من ناحية أخرى، كيف تطالب أقلية ما الأخرين بالحفاظ على وجودها واحترام كيانها وثقافتها، في وقت تصيغ تبريرات عندما تقتل الانظمة شعوبها. هل يتحول القتل الى ضرورة إذا مارسه الأقوياء. من حق الدول أن تقتل شعوبها، وليس من حق فرد أو شعب أن يُقاتل من أجل حريته. القتل دائماً جريمة، ومن يبررالقتل هو من يأمل بأن يُدافع عنه يوماً حين يأتي دوره بأن يكون قاتلاً، وعليه أن يعلم أنه إذا قُتل يوماً سيوجد هناك من يبرر قاتله. أما الخوف من الاسلام السياسي الذي سيحكم بعد سقوط الآنظمة الديكتاتورية فهو غير مبني على حجج واقعية. فالأحزاب الاسلامية ستكون مجبرة على صياغة تحالفات مع أحزاب يسارية وعلمانية ستجد نفسها أمام خيارين: إما أن تتمسك بطروحاتها وتعاند وتصطدم بالواقع، بالتالي قد تكون أظهرت فشلها؛ إما أن تتبنى حكماً علمانياً ديموقراطياً. أما في حال ستذهب الأحزاب الإسلامية من تحويل الأنظمة الإستبدادية ‘العلمانية’ الى أنظمة إستبدادية ‘دينية’، ستكون قد ألحقت مصيرها بمصير الأنظمة التي سبقتها. يقول الكاتب الفرنسي سارتر’إذا انفجرت الحرية مرة في روح الإنسان لم يعد لجميع للآلهة أي سلطة عليه.’ إن ضمانة الاقليات ليست في دعم الأنظمة الاستبدادية بل في المسيرة المشتركة في البحث عن الحرية. مروان حرب – لبنان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية