ربيع العرب أم شفير الهاوية؟

حجم الخط
0

حمد نزال فيما تدشن تونس خطواتها الأولى نحو التعددية، تنطلق تساؤلات مشروعة حول حقيقة تفاهمات الإسلاميين (النهضة) مع القوى الدولية وذلك عشية قرار سياسي بتسليم رئيس وزراء ليبيا الأسبق لثوار طرابلس ‘المتعطشين’ للإنتقام إحلالا لعدالة العقوبة التي رأينا كيف أنها لم تفترق كثيرا عن جنس الجريمة عينها. كما لم نسمع تفسيرا عن ‘سر’ تلك الزيارة التي قام بها ‘كبير النهضة’ الغنوشي مباشرة بعد فوز حزبه بالانتخابات لقطر التي يتزايد الحديث عن دور مريب تلعبه هذه الأيام.

في مصر، هناك تعثر في حبو وليد ثورة الميادين صوب درب ‘الجمهورية الثانية’. تعثر يبدو مخططا له من قبل المجلس العسكري الذي يدفع الناس إلى صناديق الإقتراع من غير قطف العنب. تم أولا تقديم الإنتخابات على الدستور للماطلة والاستمرار في إدارة البلاد، ثم تم احداث عدة شروخ بين القوى الشعبية بهدف تفتيتها (إسلاميون، سلفيون، أقباط، علمانيون ألخ) ثم تقديم أكثر من عشرة ألاف من المتهمين (معظمهم من شباب الثورة) لمحاكمات عسكرية غير عادلة، بالإضافة إلى استمرار السياسات القديمة المقصود منها حرف الإنتباه عن الدرب الذي سالت الدماء لأجله. وأخر ما في مسلسل تعطيل ‘عجلة’ التعددية تلك الوثيقة فوق الدستورية التي تنصب الجيش حاميا للشعب والنظام وتعطيه صولجان فرعون ويده الطولى. أما وقد انتصر ثوار ليبيا بمساعدة ‘الناتو’، فكل ما نتوق إليه هو أن نكون مخطئين من رأسنا إلى أخماص أقدامنا عندما نتوقع أن تشتعل في البلاد حرب أهلية وصراع فئوي وتقسيم مناطقي يستفيد منه الحلفاء الغربيون الذي لم يكن ‘التحرير’ ليتم من غير قصفهم الأخضر واليابس ‘لحماية’ المدنيين من العقيد القاتل والمغتصِب والمقتول المغتصب.

بحسب التجربة، كلما تدخل الغرب المتحضر في بلد ما في أي مكان في العالم تكون النتائج كارثية. و’الديمقراطية العراقية’ أعظم الشواهد، أما البوسنة والهرسك ‘المسلمة’ فموقفها من التصويت على عضوية كاملة لفلسطين في الأمم المتحدة يؤكد أن التدخل الغربي فيها لم يكن حميدا بالنسبة لنا على الأقل.

إن تطويل فترة النزاع في ليبيا ودولنته وعسكرته ُقصد منه على الأرجح بعث الرسالة التالية للشعوب العربية ‘المغامرة’ بحثا عن الكرامة: ثمة خياران لا ثالث لهما، إما الرضوخ للحكام المحليين المستبدين وأبنائهم والقبول بالوضع الراهن القائم على السرقة والضجيج التمجيدي الابتهالي لهم، وإما اللجوء للحماية الدولية والقصف الأممي ومن ثم قبول هيمنة هذه الأمم عوضا عن الدكتاتورية الوطنية الظالمة.

مسرحية النظام اليمني المحترقة نجحت في إدخال التعب والملل إلى النفوس خاصة وأنها تظهر كما لو كانت دراما خليجية مملة تتحدث بلغة غير عصرية وإن كان فيها بعض المؤثرات الصوتية من تكنولوجية غربية هنا وهناك. في حال، امتنع لمرة واحدة عن المماطلة ووقع الرئيس اليمني على اتفاقية التنحي، فإننا لا نعرف مصير أقربائه وأبنائه الذين يسيطرون على معظم المراكز الهامة في البلد. إن ضمان إفشال الحراك الشعبي السلمي العارم لأبناء اليمن يمثل مصلحة استراتيجية لحلفائه ولجيرانه الذين يشفقون على صحة عيون شعوبهم من رؤية نافذة من الحرية والنور بالقرب من عتبات أبوابهم كثيرة العتمة.

الوضع السوري المضطرب مشتعل بفضل القسوة الهمجية للنظام الأمني، وانقسام المعارضين وتعقيدات المصالح التركية والإيرانية والعربية التي يدعم بعضها ‘الثورة’ لأسباب غير نزيهة على الأرجح. السيناريو الوحيد المحتمل لإنقاذ دمشق من ‘الربيع القاسي’ يكمن في إنقلاب نخبوي من داخل المؤسسة الحاكمة (الجيش مثلا) يطيح برأس البعث وكبار التجار المتحالفين معه. إنه أمر ربما مستبعد في المدى القريب، لكن أحدا لا يعرف مآلات الأمور في هذه الأيام المتسمة بالضبابية وفقدان الحس بالاتجاه خاصة بعد سقوط العديد من مثقفي الشعوب العربية إما في ‘دوحة عز’ أو ضمن مصالح شخصية أو ضمن نطاق أخر لا نعرفه.

إيران، مثل تركيا تركز على خدمة مصالحها أولا ومن بينها تعزيز سطوتها على بغداد. يضاف لذلك محاولتها مد نفوذها إلى المناطق الشيعية في دول الخليج، كما أنها تخشى وصول ‘الربيع العربي’ إليها وتسعى للحفاظ على سطوة الملالي في الجلوس مطولا على كرسي الشاه المغري. ثمة تماهي محكم في سياسات دمشق ‘الممانعة’ وطهران ‘المناضلة’ ضد الصهيونية. كلتا الدولتان أشبعتا ‘اللصوص’ شتما فيما فازت ‘تل أبيب’ بالإبل. البعث حمى حدود الدولة العبرية عقودا طويلة وترك الحرب والنصر للسان الطويل تارة و ‘التوازن الإستراتيجي’ تارة أخرى. أما نووي طهران الغامض فلطالما وفر التأييد الشعبي لصقور وحمائم ‘إسرائيل’ على حد سواء ورص صفوف العبرانين وراء قادتهم ‘المخلصين’ في حمايتهم من الخطر الشيعي الذي لم يتجاوز الخطابات الهوجاء في التهديد والوعيد بحرق إسرائيل. إنه الملف الذي تعزف كمنجات الحرب له في سيمفونية سنوية رتيبة لإنقاذ أحد الساسة هنا أو هناك من سقوط مريع. التعاون الأمني والأقتصادي بين ‘العدوين’ موثق جيدا ومكرر جيدا بدءا من ‘كونترا غيت’ وانتهاء بشركة عوفر أخوان للملاحة.

الأحداث المتسارعة في المنطقة، بل وفي العالم أجمع هذه الأيام تبعث على التفاؤل والتشائم في ذات الآن.. إعادة بناء المكان يتطلب الهدم وللهدم ضحايا أبرزها الذاكرة. وزراعة الأرض تتطلب قلبها من أساسها.. والبركان الثائر الذي يبيد ما حوله يعود فيحولها جنان وواحات بعد سنين.. كما أن إنقراض حيوانات معينة يتيح المجال لأصناف أخرى بالتكاثر والانتعاش.. إنها لحظة كونية مذهلة نعيشها اليوم ويعاد فيها التشكل والخلق للعالم الذي نعرفه. هي مثل مجموعة كبيرة من المشهيات التي سيجيء بعدها الطبق الكبير، الذي لا نعلم بعد إن كان مذاقه شهيا منعشا أم سما مدقعا ام كلاهما معا.’ صحفي مستقل، يدير موقع الواشنطوني العربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية