رشيد يحياوي
طلبوا قديما أن نأخذ الحكمة من أفواه المجانين. حدث ذلك في الزمان الذي كان فيه المجنون مجنونا والعاقل عاقلا، أما وقد أصبح بعض من خيرة عقلائنا مجانين، وبعض من أتفه مجانيننا عقلاء، فالاختيار يبدو صعبا، حتى أنك لا تعرف أحيانا هل تكلم مجنونا أم تواجه عاقلا متعقلا.
وربما أصبح من المستحسن ألا نطلب الحكمة أو الجنون بل نطلب أصحابهما. فنقول مثلا خذ العاقل الحكيم من أفواه المجانين، وخذ المجانين من أفواه العقلاء الحكماء. سنروي حكاية تواطأ فيها العقل بالجنون، سردها علينا ذكور وبنات أفكارنا، ولسنا نعرف إن كان ساردوها خرجوا من أفواه العقلاء أم من أفواه المجانين. وهي حكاية عن شعب أصيب بكامله بالحَوَل:
يحكى أن سكان إحدى بلاد الله الواسعة كانوا جميعهم مصابين بالحَوَل. وبدأ ذلك مع جدهم الأعلى، فإنه حين هَـمَّ بحرمه أول مرة، أخطأها وارتطم بالحائط. لكنه حين تعلم القياس وحبلت منه، ظهرت مشكلة جديدة مع القابلة الحولاء، فإنها حين أرادت توليد الزوجة أمسكت بزوجها. ثم تعلم الأحفاد طريقهم بأن يصوبوا نحو الهدف الوهمي ليصيبوا الهدف الحقيقي، حتى عمرت بهم البلاد وكثر منهم العباد وأنشأوا المباني والطرق والصناعات ومدونات لأحوال التجارة والزراعة والصناعة.
ثم حدث أن غار منهم جيرانهم فطلبوا من الله أن يصيبهم بالحَوَل لعلهم يتقدمون ويتمدنون ويتحضرون مثل سابقيهم. فكان لهم ما تمنوه واستجاب الله لهم وأصابهم بالحَوَل. وهنا حدثت أشياء عجيبة، بعيدة عن العقل غريبة؛ بدأ القوم يسيرون إلى الخلف ظانين سَيرَهم إلى الأمام، ويسلمون بأقدامهم معتقدين أنهم بأيديهم يسلمون. وبدل أن تضع نساؤهم السترة على الرأس، حزَّمْن بها مؤخراتهن معتقدات أنها رؤوسهن، وعوض أن يكشفن عن وجوههن، كشفن عن أثدائهن، وعوض وضع أحمر الشفاه في مكانه وضعنه على أناملهن. أما الرجال فبدل أن يتجهوا نحو مقرات العمل، قصدوا الساحات الكبرى والمقاهي التي تشرف على النميمة. وبدل أن يلقي الفلاح البذور في الحرث ألقاها على ظهر الدواب وحرث في الصيف وجنى الأشجار بدل أن يجني الثمار. أما لاعبو الكرة فأصبحوا يتقاذفون رؤوس بعضهم مكان الكرة، وأضحى مدربهم يدرب الجمهور عوض اللاعبين. الجمهور نفسه بات يتفرج على سقف المنصة عوض الملعب.
رئيس دولتهم أراد بناء مركب لمجلس شعبه فبناه في الدولة المجاورة، ثم انتبه إلى خطئه فأمر العمال ببناء مركب جديد، لكن العمال تركوا الإسمنت والأجور والحديد وبنوا المركب من العقد النفسية. وهكذا حدث، قالوا كلمتهم فكان مركبا نفسيا سرعان ما تكاثرت فيه العقد حتى وجدوا من الضروري أن يكون رئيسه خبيرا في التحليل النفسي. لكنهم عند التعيين أخطأوا فوضعوا على رأسه خبيرا في مواد البناء.
اتفق رئيس الدولة مع وصلة من الشخصيات المختارة على وضع ألفية في نحو وصرف الانتخابات راعوا فيها مشاكلهم مع داء الحوَل فوضعوا معايير محددة منها إرفاق صورة كل مرشح بصورة للحمار لكي يتضح الفارق جيدا، ومنها تخصيص صندوقين للاقتراع، واحد في بيت الحاكم والثاني في مكتب الاقتراع، ووجهت للمصوتين تعليمات مشددة في هذا الموضوع. المصوتون الذين خلق لهم بصرهم من كل شيء زوجين لم يحدثوا أي مفاجأة، فبدل التصويت في المكاتب صوتوا في بيت الحاكم، وعوض وضع العلامة على صورة المرشح وضعوها على صورة الحمار، وعند إعلان النتائج شهد المراقبون الدوليون على رؤية قطيع من الحمير يخرج من بيت الحاكم في اتجاه مجلس الشعب، بينما كان نهيقها يسبقها في سرعة أكبر من سرعة الصوت بحيث وصلت ذبذباتها إلى أبعد دولة ديمقراطية، وتسبب ذلك في إحداث هوة رقمية بين ديمقراطيات العالم. ومن يومها نشأ في الفكر السياسي ما يسمى بديمقراطية الحمير. حمارة عربية وحمار أمريكيتعاقبت عقود من الزمن، وسالت بأعناق الحمير بقاعُ العالم. عُقدت جمعيات عمومية عامة عموما، وهيئات أممية للتشاور بالحوافر والتداول ساعة التناول. وكان أن التقت حمارة (أتان) عربية بحمار أمريكي. نهقت الحمارة العربية وسألته وهي تحرك ذيلها لطرد الذباب: كيف أحوال إخواننا الحمير في بلدكم الكبير، فقد سمعنا أنهم يرتعون في حقل من الديمقراطية لا ينغص عليهم أحد رعيهم، وأن كبير الحمير عندكم سنَّ قانونا يعطي للحمير صلاحيات واسعة، واستقلالية في القضاء على المنافسين، كما فصل بين المتسلطين عليهم فحبسهم في زنازن منفردة، ووسّع هوامش حرية نهيقهم، فينهقون في الليل وينهقون في النهار وينهقون في أيام العطل الرسمية؟
وسمعنا أن كبير الحمير عندكم وعد بأن يجلب لكم الحرية ويضمن لكم التغذية، ويلقحكم ضد الجهل والغباء كي تصبحوا مثالا للعبقرية، وأنه أمر بغسل أدمغتكم بالشامبو وترييحكم بالعطور الباريسية، وإبادة الحشرات التي تسول لها غرائزها أن تدور بكم، لأنكم مثال للمدنية في عالم الحيوان.
ألقى الحمار الأمريكي ربطة حشيش من فمه، فلمع نابه المكسو بالفضة. طبطب على مؤخرة الحمارة العربية بذيله. ثم نهق بصوت متحشرج ورد عليها: أرى يا أختي الحمارة بأنك مطلعة على مستجدات حميرنا، لا شك أن الحملة التحميرية التي قام بها مندوب كبيرنا أتت أكلها في بلادكم ففتحتم عقولكم التي كانت جاهلة وتقلد عقلية الحمير المتخلفة التي ورثتم عاداتها عن القرون الوسطى. بالفعل جرت مياه كثيرة تحت حقولنا فأينعت درة وشعيرا وبرسيما. فالعشب عندنا وافر، والكلأ يفيض عن حاجاتنا فندوسه بحوافرنا، حتى غارت منا الحيوانات الأخرى وأصبحت تتوسل إلى كبير حميرنا أن يمنحها جنسية التحَيْمُر.
التحيمر يا أختي الكريمة، هو المنهج الصلب الذي ينادي به كبير حميرنا ويعتبره الطريق الصحيح لحل كافة مشاكل الحمير في العالم. وأنت يا أختي في التحيمر، كيف أحوال إخواننا الحمير في بلادكم الكبيرة؟
آه، نهقت الحمارة العربية بزفرة طويلة وأجابت: هل تريد أن يقطعوا لساني أيها الحمار؟ فأحوال الحمير عندنا لا تعجب يا ابن العم. ألا تعرف أن كبير الحمير عندنا يقطع ألسنتنا ويشويها ثم ييبسها ويسحقها ثم يخلطها بالأسمدة التي يخصب بها حقل الحمير المقربة منه؟ ألا تعرف أنه بفضل ألسنتنا تشبع الحمير الموالية له؟ إن بيننا الحمير الموالية والحمير المعارضة وما عدنا قادرين أن ننهق نهقة حمار واحد. ولا أرى من حل سوى أن تعلن القيادة الحميرية الطليعية عندنا عن العصيان الحماري فتضرب عن العلف. وأنتم المعول عليكم، بأن يضغط كبيركم على كبيرنا، لأجل أن يشركنا معه في تدبير شؤوننا الحميرية يا ابن العم.
حمار الليللي صاحب ثقيل الظل، حتى حين أفترق عنه يبقى ظله يعرقل أفكاري. كلما خضت في موضوع اعترض عليه. مرة كنت بصدد تنظيم أفكاري وتعليقها على حبل، فباغتني وقطع حبل أفكاري بمقص حتى كدت أفقد عقلي، ومن يومها أدركت أن حبل الأفكار هو حبل العقل، وأن بداخل جماجمنا حبال كثيرة، بينها حبال صوف ووبر وبلاستيك وقطن، حبال غليظة ورقيقة، حبال منسرحة وملتوية، حبال رفيعة مثل خيط العنكبوت وحبال متينة مثل سلاسل مراسي السفن، وكل واحد له حباله على قد عقله. فكلما خف عقله غلظ حبله، وكلما اتسع عقله رق حبله. لذلك فإن العاقل جدا هو الأقرب إلى الجنون. وحسب الأبحاث العلمية التي أجريتها شخصيا، فالسبب راجع إلى كون حبل العاقل رفيعا ورقيقا جدا بحيث تقطعه أي حاجة. صاحبي قطع حبل أفكاري بآلة قطع قضبان الخرسانة وليس بمقص، وبعد ذلك جرى بيننا الحوار التالي:- تكتب عن أتفه الأشياء ولا تكتب عن الحيوان؟ – كتبت عن الحيوان المسمى بالإنسان.- أقصد الحيوان المسمى بالحيوان، لماذا لا تكتب عن الحيوان؟- الحيوان غني عن التعريف، ولا أرى داعيا للكتابة عنه والتعريف به. – لكنه مفتقر للتعريف. أنا مثلا حيّرني أمر هذا الحيوان المسمى بحمار الليل. فتشت عنه يا ولدي في كل الموسوعات ومحرك غوغل ولم أعثر له على صورة. – الجواب بسيط، فهذا الحيوان لا وجود له.- كأنك تستهزئ بي، ألا تعرف أن عددا كبيرا من الناس ضربهم حمار الليل؟ إني في حيرة من هذا الحمار. لماذا يكون لليل حمار وليس بغل أو بقرة أو حصان أو قرد يضرب الناس ويتسلق الأشجار؟ ثم أليست ضربة البغل أقوى وأشد من ضربة الحمار؟ أليست البقرة مثلا تضرب وتنطح؟ فلماذا لا يقولون إن فلانا نطحته أو بقرته بقرة الليل؟ ثم لماذا ليس للنهار حمار كحمار الليل؟ هل تنكر ذلك، وما رأيك؟
وما رأيكم في هذه الأسئلة، أكيد أن حبل أفكار صاحبي ما زال متماسكا، تمسك أفكاره ببعضها وتمسك بتلابيب الحبل. وقد كان علي أن أريح ضميري فأجبته بما يشفي غليله رغم عدم اقتناعي بالموضوع أصلا، إذ خطر لي أن الكذب عليه سيغلق هذا الملف إلى الأبد. قلت له: لا تستغرب، فالحمير هي الحيوانات الوحيدة الموصوفة بالبلادة والغباء. غير أن هذا الذي يسمونه حمار الليل أذكى الحمير، لأنه يميز مالكه من الغريب. فلا يضرب سوى الغريب كما لا يضرب سوى الإنسان. أنت تعرف أن العامة تقول فلان ضربه حمار الليل، وتقصد شخصا خرج ليلا ففقد التمييز بين الطرق والأماكن التي يعرفها وبين تلك التي يجهلها، فيظل تائها يلف ويدور إلى الصبح من غير أن يهتدي لبيته. وهذه هي الحقيقة. أما مجازا فأطلقوا هذه العبارة على كل من ضل ولم يستطع شد الأرض، فلذلك أنا متأكد أن حمار الليل يضرب الواحد في رأسه وهو مكان عقله مما يؤدي إلى إتلاف كامل للحبال الموجودة داخل جمجمته. لذلك قالوا أيضا إنه يضرب ولم يقولوا إنه يركل. وفي غابر الأزمان كان حمار الليل يجوب الأرياف والبوادي وحدها، ولكنه أصبح في عصرنا يجوب البوادي والمدن ليلا ونهارا أيضا. في المدن حمير كذلك تضرب في واضحة النهار وإن سميت حمير ليل نسبة إلى أصلها. لقد ضرب حمار الليل وزراء وأحزابا وكتابا وسياسيين ومحللين اقتصاديين، بل ضرب دولا عن بكرة أبيها وحياة أمها. قال صاحبي: هذه المرة أنا راض عما تقوله. المؤسف أن أجهزة الإعلام تتكتم على هذا الموضوع وكأنها تخشى ضربة الحمار أو لعله ضربها. وسيكون حدثا إعلاميا ممتازا لو تم إنجاز استطلاع عن الحمار البطل بعد أن أصبح عالميا يضرب حتى الدول كما ذكرت. فلماذا كل هذا التعتيم الإعلامي؟ ولماذا لا يشكل المضروبون نقابة أو منظمة وينظمون وقفات استماع يقدمون فيها شهادات عن أيام وليالي الضرب الحماري على أن يصرحوا باسم الحمار لا أن يتستروا عليه؟ كذلك أنهى صاحبي تدخله وأسئلته، فتأكدت أني أخضعته لتطهير نفسي، وأن الفرج أتى، وأن ظله الثقيل سينسحب هذه المرة بصفة نهائية ولن يشبك حبال أفكاري مرة أخرى.
ضارب ومضروببعد أن أفشيت الأخبار السابقة عن أسرار حمار الليل، فوجئت بطابور من طالبي العلم يصطف أمام بيتي وهو يردد التعاويذ تقية لضربة غير متوقعة من الحمار المذكور. كان لسان حال المصطفين يقول: هل ضربنا ولم نشعر؟ هل ضرب آباءنا ولم يشعروا؟ هل العالم مضروب بلا علمه؟ اذكر لنا ـ وقاك الله ـ ضربة الحمار وأسماء من ضربهم. صِفْهم لنا وضَعْهم في قائمة حتى نأخذ العبرة ولا نغادر منازلنا في الليل.
لم أكن من العاجزين فأجبتهم: أما الأسماء فمن الأسرار، وأما احتماؤكم بمنازلكم ليلا فلن يفيدكم. فصاحبنا إذا اختار واحدا، فإنه ضاربُه حتى لو كان متكورا في فراشه، حتى اللقمة قد يضربها وهي في طريقها الساخن تجاه أحشائكم. لقد ارتقى من حيوان قروي إلى حيوان مدني شاهد على عصركم، ثم استفاد من التكنولوجيا وأصبح بإمكانه وقتما شاء أن يتحول إلى حمار رقمي يختبئ تحت عيونكم فيضرب نظراتكم، ويتلبس بمخكم فيضرب أفكاركم، ويسري في دمكم فيضرب عواطفكم، ويركب ذبذبات الأثير فيضرب طبلات آذانكم، وقد يجعل من جماجمكم اصطبلا يراكم فيه روثه، أما هواتفكم النقالة فلا يخلو منها نهيقه، وأحيانا يتكلم في هواتفكم فتطلع فواتيركم ويكون المستهلك هو الحمار الذي ضربكم. فلا تحرجوني بذكر أسماء المضروبين. تأكدوا فقط أن المضروبين هم من الرجال، لأن حمار الليل يترفع عن ضرب الجنس اللطيف.
بذلك أنهيت كلامي للطابور المصطف وأنا في قمة الانتشاء بعد هذا الارتجال الموفق الذي لم أتلعثم فيه ولم أتوقف، فكان كلاما يقطر حلاوة وعسلا ولم أتساءل عما إذا كان مرده إلى ضربة مفاجئة لحمار الليل لم ينتبه لها أحد.
لكن كلامي لم يشف جراح الناس المصطفين في الطابور فتدخلوا بلسان الحال وقالوا بصوت واحد: إنك لا تنصف بني آدم، أو كأن حمارك ليس عليه حسيب ولا رقيب. كيف لا يضربه الآدميون؟ حدثنا إذن عن الذين ضربوا حمار الليل إن كنت تعرفه وتتحدث بلغته. أجبتهم: أما لغته في الضرب فلا أتقنها، وأما إن كانت له لغة أخرى فإني أعرف أشخاصا ضربوا هذا الحمار وتعودوا على ضربه كلما وجدوه.
عندئذ تدخل المصطفون في واحد من الطوابير الكثيرة وسألوا: أين ضربوه، وماذا يحدث للحمار إذا ضربه الآدمي؟
سمعتْ الطوابير الأخرى ما قاله الطابور الأول وسألوا جميعا: أين ضربوه، وماذا يحدث إذن للحمار إذا ضربه الآدمي؟ لقد كان علي أن أجيب حتى لا أخيب ظن السائلين. غير أني لم أكن أملك البرهان على الحمار، ولا ما يحدث له إن ضربه الآدمي، وهل يتلف مثله فيرى شقيقه الحمار قردا مثلا.
استجمعت أنفاسي وخاطبت الجميع: معلوماتي ضئيلة عن هذا الحمار. كل ما أعرفه أنه يضرب العاقل فيتلفه عن الطريق. كنت أفضل أن تدخلوا في التفاصيل كي نتعاون جميعا ونقف على رأس النتائج التي يخلفها الضرب. ماذا مثلا عن آدمي مضروب ضربة حمار يضرب آدميا آخر قد يكون مضروبا بدوره؟ وماذا عن آدمي مضروب يضرب حمارا مضروبا؟ وماذا عن حمار مضروب يضرب آدميا مضروبا؟ فهذه مسائل ومشاكل. اعلموا يا أحبابي في الخوف من حمار الليل حقيقة ما يقع بعد الضرب. فما أن يضرب الآدمي الحمار حتى يمسخ في صورته ويصبح حمارا، بينما الحمار المضروب يمسخ في صورة ضاربه ويتحول إلى آدمي. وهكذا ترون يا أحبابي أن بين صفوفكم كثيرا من الحمير وإن أخذت صورة الإنسان. أما عقلها فعقل حمار إن صح أن للحمار عقلا. فتفقدوا رؤوسكم وتأكدوا من منكم حمار الليل.