المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. نتائجه وآثاره

حجم الخط
0

يتوجب على اسرائيل ان لا ترفض المشاركة في المؤتمر الذي سيتناول انشاء منطقة مجردة من اسلحة الدمار الشامل في الشرق الاوسطشمعون شتاين وافرايم اسكولائيانعقد المؤتمر العام للدول الاعضاء في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في 19 ايلول 2011 في فيينا للقائه السنوي. يصعب على بعض الاعضاء في المنظمة ألا تُدخل في المباحثات جانبا سياسيا. احدى الشهادات الراتبة على ذلك هي نشاط الدول العربية بقيادة مصر التي تثير اقتراحات قرار تتعلق بالقدرات الذرية المنسوبة الى اسرائيل. فمصر ترى المؤتمر السنوي منصة مناسبة لتعرض فيها جهودها لتجريد اسرائيل من قدرتها الذرية.

من هذه الجهة لم يكن المؤتمر هذه السنة مختلفا عما سبقه. فقد طُرح في جدول الاعمال اقتراحا قرار في شأن اسرائيل. الاول والذي يحمل عنوان ‘قدرات اسرائيل الذرية’ والثاني الذي يحمل عنوان ‘تطبيق رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية على الشرق الاوسط’. سبق المؤتمر نشاط دبلوماسي من قبل الدول العربية انحصر في احراز تأييد للتصويت على اقتراح القرار بشأن قدرات اسرائيل الذرية. وقد أصبح اقتراح القرار هذا في السنتين الاخيرتين ميدان المعركة الرئيس بين اسرائيل والدول العربية، ومعيار فشل الدبلوماسية الاسرائيلية أو نجاحها. وفي خلفية الجهد الدبلوماسي المكثف الذي قام به الطرفان، كان الفشل العربي في التصويت على اقتراح القرار في مؤتمر العام الماضي. انحصر الجهد العربي اذا في محاولة تغيير علاقات القوى، أما الجهد الاسرائيلي (بمساعدة امريكية/ اوروبية) فكان معاودة انجاز العام الماضي. وقد قررت الدول العربية بتقديرها أنها لن تنجح في احراز أكثرية في جلسة المؤتمر لاقتراح القرار، قررت آخر الامر ان تسحب الاقتراح.

ما هو تفسير ان اسرائيل نجحت للمرة الثانية (وحليفاتها) على التوالي في ان تحظى بانجاز دبلوماسي في ميدان لم تحظ فيه بانجازات في الماضي؟ هل في هذا ما يشير الى بدء توجه جديد مؤداه ان أكثر الاعضاء غير مستعدات للاستمرار في تأييد مواقف الدول العربية في قضية تميز اسرائيل في المجال الذري؟ قام في خلفية مباحثات المؤتمر وكلام كثيرين من الخطباء العرب، المؤتمر الذي سيعقد في تشرين الثاني ويسمى ‘منتدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية’، والمؤتمر الذي يفترض ان يعقد في 2012 واستقر الرأي عليه في 2010 في مؤتمر مراجعة ميثاق منع انتشار السلاح الذري، ويفترض ان يتناول هذا المؤتمر امكانية انشاء منطقة مجردة من سلاح الابادة الجماعية في الشرق الاوسط. هل ستكون لنتائج المؤتمر السنوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية تأثيرات في هذين المؤتمرين وأيها اذا كانت؟ كانت هذه هي السنة الثانية على التوالي كما قلنا من قبل، التي نجحت فيها اسرائيل في أن تهزم النية العربية لعزل اسرائيل في الشأن الذري. هناك من يفسرون سبب الفشل العربي بصعوبات صياغة موقف موحد والتنسيق العربي العام المختل على خلفية الربيع العربي كما يبدو الذي صرف انتباه الدول العربية الى قضايا أكثر سخونة بالنسبة اليها. ومع ذلك يمكن أن ننسب انجاز اسرائيل الى معركة دبلوماسية أفضل مما كانت في الماضي والى تنسيق أفضل مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الاوروبي. وقد حصرت هذه الاخيرة دعاواها في الاسهام السلبي الذي سيكون لتصويت يميز اسرائيل تمييزا سيئا، في جهد بناء جو ثقة قُبيل عقد منتدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية والجهود لعقد مؤتمر 2012. كان الاتحاد يستطيع في هذا السياق أن يشير الى نجاح الدورة التحضيرية التي عقدها في تموز الماضي في بروكسل. وبخلاف ما حدث في العام الماضي قررت الدول العربية حينما أدركت أنه لا احتمال ان تفوز في التصويت، ان تسحب اقتراح القرار. وبهذا استطاعت أن تقي نفسها تجربة الفشل الثاني على التوالي. وقد علل المتحدثون العرب استقرار الرأي على عدم اثارة اقتراح القرار للتصويت عليه، برغبتهم في فعل تفضل ارادة خيّرة في السياق الذي أشرنا اليه سابقا.

برغم انجازي السنة الماضية وهذه السنة فما يزال من السابق لأوانه أن نُقدر هل الحديث عن بدء توجه في أساسه الاعتراف بأن جهد تمييز اسرائيل السيء في الشأن الذري لا يسهم في احراز هدف انشاء منطقة مجردة من سلاح الابادة الجماعية في الشرق الاوسط. نشك في ان يكون الامر كذلك. ينبغي ان نفترض ان مصر وشريكاتها العربية لن تضيع فرصا اخرى تعرض لها في المستقبل لتمييز اسرائيل في القضية الذرية. ينبغي ان نرى سبب الانجاز الاسرائيلي هذه السنة في نجاح الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في اقناع ‘المتذبذبات’ بالضرر بجهودها من اجل عقد المؤتمرات المخطط لها. وستكون القدرة على استعادة الانجاز في السنة التالية (بفرض ان الدول العربية ستقرر ان تجرب حظها مرة ثالثة) متعلقة بقدر حاسم بقدرة الولايات المتحدة والاتحاد على الاشارة الى انجازات في المؤتمرات المخطط لها.

ان منتدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، الذي يوشك ان يعقد في تشرين الثاني 2011 سيبحث التجربة التي اكتسبت في مناطق حرة من السلاح الذري في العالم، والفحص عن صلة هذه التجربة بجهود انشاء منطقة حرة من سلاح الابادة الجماعية في الشرق الاوسط. نذكر ان هذا من جهة ما نجاح للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي اجتهدت جدا في السنين الماضية في اجراء مباحثة في هذه الموضوعات لكن بلا نجاح.

تقرر في القرار الذي اتخذه مؤتمر منع انتشار السلاح الذري فيما يتعلق بعقد مؤتمر 2012، أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع منظمة ميثاق السلاح الكيماوي ومنظمات دولية ذات صلة اخرى ستساعد في الاستعدادات لتقديم وثائق تبحث في الطرق والخصائص المتعلقة بانشاء المنطقة المجردة من السلاح. فالحديث اذا عن دور ثانوي للوكالة الدولية للطاقة الذرية. وهذه الحقيقة لم تعق متحدثين كثيرين عن ان يتطرقوا في خطبهم الى الاجتماع المخطط لعقده في 2012. ولا شك في ان ‘التفضل’ العربي بازالة اقتراح القرار في شأن قدرات اسرائيل الذرية سيزيد الضغط على الشبائن الثلاث (الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا) للدفع قُدما بالاستعدادات لمؤتمر 2012، وهي الاستعدادات التي راوحت مكانها منذ تم اتخاذ القرار (أيار 2010). وينبغي ان نفترض ان تبذل الثلاث وعلى رأسها الولايات المتحدة كل جهد كي لا يمكن اتهامها بأنها منعت عقده. ان تعيين دولة مضيفة ومنسقة هي المهمة الاولى التي تواجه الرعاة. ويبدو انه يوجد عند الثلاث ادراك مؤداه ان المنسق سيأتي من دولة يقرر ان تكون مضيفة. سيبدأ مسار التعيينات بمشاورات مع دول المنطقة التي ستضطر الى اعطاء موافقتها على التعيين المقترح وستصاغ توصية الثلاث والامين العام للامم المتحدة بالشخص الذي سيُعين بعد ذلك. ومن شبه المؤكد ان الصعاب المتوقعة حتى عقد المؤتمر بازاء اختلافات الرأي بين الدول ذات الصلة (وبخاصة دول الشرق الاوسط) التي سيعارض بعضها عقد المؤتمر ستؤخر عقده. والى كل الأهمية التي توليها مصر وعدد من الدول العربية لعقد المؤتمر في 2012، فان من المهم بالنسبة للولايات المتحدة (تحت رئاسة اوباما) أن يعقد المؤتمر قبل عقد مؤتمر منع انتشار السلاح الذري القادم في 2015. ان تعيين منسق يبدأ المشاورات مع دول المنطقة سيلقي اسرائيل في معضلة هل تتعاون معه. وقد أعلنت اسرائيل في اعلان نشر في الحال بعد انتهاء مؤتمر منع انتشار السلاح الذري في 2010، أنها لن تستطيع المشاركة في تحقيق قراراته. فهل القرار الذي اتخذ آنذاك ما يزال ساري المفعول وموجودا؟ وماذا ستكون التقديرات التي ستجعل اسرائيل تفحص من جديد عن موقفها من دخول اجراء تفاوض في الشروط التي تُمكّنها من المشاركة.

وفي الختام نقول ان اسرائيل أصابت إذ شاركت في الدورة التحضيرية التي أقامها الاتحاد الاوروبي، وستحسن اسرائيل الصنع اذا شاركت بعد ان عبرت عن استعداد مبدئي للمشاركة في منتدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية واستغلت المنصة لتُسمع نظريتها للمنظمة في شأن شروط انشاء المنطقة المجردة من السلاح. وفيما يتعلق بالمؤتمر في 2012 وبرغم موقف اسرائيل المذكور آنفا فانها ستحسن الصنع اذا لم تصد المنسق بعد أن يُعين. بعد تنسيق مبكر قدر المستطاع مع الولايات المتحدة (التي عرضت لحينه ايضا سلسلة شروط لعقد مؤتمر لم يتم الوفاء بها حتى الآن)، تستطيع ان تعرض عليه الشروط المطلوبة لاستعدادها لأن تزن المشاركة في المؤتمر. والاحتمالات كبيرة اذا صدت اسرائيل المنسق أو رفضت مشاركتها في المؤتمر في 2012 ان ‘تُخرج الكستناء من النار’ لدول كثيرة. ومن جهة اخرى، ليست احتمالات ان ترفض دول غير قليلة في المنطقة الجلوس في المؤتمر مع اسرائيل بشأن سلاح الابادة الجماعية في الشرق الاوسط (لا في الشأن الذري فقط) ليست سيئة. ومن المناسب ايضا ان ترى اسرائيل أمامها هذا التقدير حينما تتجه الى اتخاذ قرار في هذا الشأن.

نظرة عليا 14/11/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية