أي مفهوم للتواصل؟

حجم الخط
0

رشيد بوطيب رغم أن ناصيف نصار حصر فصله المعنون بـ ‘التواصل الفلسفي والمجال التداولي’ والذي يضمه كتابه الأخير ‘الإشارات والمسالك’ في دراسة مفهوم التواصل داخل الفلسفة، إلا أن دراسته تسلط الضوء بشكل غير مباشر على الأسباب الكامنة خلف إخفاق التواصل بين الثقافتين العربية والغربية. يتحدث نصار عن أهمية الصراع والتواصل في كل ثقافة، وحتى وإن كان يتبنى مفهوما تقليديا عن الاختلاف كمقوم للتواصل ‘يستلزم وجود حد من الاشتراك أو من التماثل بين الأطراف الداخلة فيه’، لأن الاختلاف المطلق في رأيي هو شرط التواصل، ودينامية التواصل يضمنها الصراع، لا الإجماع. كما أن التواصل الدينامي لا يبغي إقناع الآخر وربطه بنظام الأنا، فالاحترام المتبادل بين أطراف التواصل، أهم من التقاءها عند حقيقة واحدة. ونصار يقول ذلك، وإن لم يكن يدرك أبعاده وهو يتحدث عن الاعتراف المتبادل بين طرفي التواصل، فالاعتراف أخلاق وليس معرفة، إنه لقاء بالآخر لا اتفاق معه، علاقة وليس بوعي. وبالفعل، فإن فعل التواصل القائم على الاعتراف يتصمن تجاوزا للأنوية وللمركزية الذاتوية. يؤكد نصار ارتباط فعل التفكير بفعل التواصل، فلا تفكير بدون تواصل أو كما يقول ‘لأن الحق يقتضي، في جملة شروطه، شرط التواصل’، لكن ألا يخطئ ناصيف نصار حين يتحدث عن ‘طريق للاستقلال الفلسفي’ داخل الثقافة العربية إزاء الفلسفة الغربية؟ أي حين يحذرنا من التبعية؟ ألا يحق لنا أن نميز بين تبعية إيجابية وأخرى سلبية؟ أي بين تبعية مستلهمة ومنتجة وأخرى مستهلكة ومريضة؟ وألا يحق لنا أن نتساءل إن لم تكن تبعيتي، أنا العربي المتخلف حضاريا، لغرب منتج للحضارة أصلح لي وللأجيال المقبلة من انغلاق على الذات وقبول بالمكتوب؟ ثم من قال بأن الفلسفة الغربية تهدف إلى السيطرة علي وهي في واقع الأمر لا تأبه بوجودي؟ ثم أليست سيطرة التخلف والقمع والتعصب الديني والطائفي أسوأ من سيطرة الثقافة الغربية المطالبة بحرية الانسان؟ إن الحديث عن الهيمنة الثقافية يخفي الهيمنة الحقيقية، هيمنة التخلف، وهو حديث يلغي كلام نصار عن التواصل من أساسه. فأي تواصل نقدي بين ‘الفلسفة العربية’ والفلسفة الغربية، لا يجب أن يقوم على ‘مبدأ الشراكة’ كما يريده نصار ولكن على مبدأ التعلم من الآخر والانفتاح غير المشروط عليه. لكن لننتقل الآن إلى الانتقادات الثاقبة التي وجهها ناصيف نصار لطه عبد الرحمن وما طرحه في كتابه ‘الحق العربي في الاختلاف الفلسفي’ و فكرته عن ‘قومية الفلسفة’، وهي فكرة أقل ما يمكن القول عنها أنها بعيدة عن مفهوم نقدي وحر للفلسفة، لفلسفة لا ارتباط دينيا أو عرقيا لها. إن الباحث عن تأسيس فلسفة عربية، هو باحث واهم، والوهم أقصر الطرق إلى التخلف، فهو واهم أولا، لأنه يطلب تأسيس فلسفة عربية عبر فك الارتباط مع الفلسفة الغربية، وثانيا لأنه يعتقد أن كل فلسفة ترتبط بهوية قومية محددة، في حين أن الفلاسفة عبر التاريخ كانوا أكبر المفككين لهوياتهم وثقافاتهم من سقراط، مرورا بكانط ونيتشه وانتهاء عند فوكو ودريدا وجيل دولوز. إن ما يدافع عنه طه عبد الرحمن ليس حقا في الاختلاف ولكنه حق التقوقع على الذات والتمترس خلف أقانيمها الواهية، إنه يدافع عن الحقد لا عن الحق وعن الانغلاق لا عن الانفتاح وعن البداوة لا عن المدنية، وهو بعيد أشد البعد في ذلك من رموز الفكر المغربي الذين كانوا رموزا للاختلاف داخل الفكر العربي المعاصر كمحمد عزيز لحبابي وعبد الكبير الخطيبي ومحمد أركون. محق نصار وهو يبين أن التواصل عند طه عبد الرحمن محكوم من ‘خارج الفلسفة’، لكن الفلسفة تخاطب الانسان، وهنا تكمن كونيتها، فأسئلتها تتمحور حول الانسان ووجوده، أصله ومآله، علاقته بالزمان وبقية البشر، إلخ.. وهي أسئلة تهيمن، حتى لو كان من يطرحها فيلسوفا مسيحيا ككيركغارد أو ما بعد ميتافيزيقي كهايدغر أو وجودي كسارتر أو يهودي كليفيناس، لأنها فلسفات أو أسئلة لا ترتبط بقومية معينة. وحجاج طه عبد الرحمن بأن كل تفلسف مرتبط بسياق تاريخي واجتماعي معين، لا ينفي البتة كما بين نصار كونية الفلسفة، كما أنه لا يؤكد قوميتها، فالكونية لا تعني البتة الثبات ولا تتعارض مع التاريخية، بل تمتح منها أسئلتها، كما أن ارتباط الفلسفة بلغة معينة، لا ينفي أهميتها بالنسبة لثقافات أخرى، وأذكر هنا مثلا بتأثير فلسفة التنوير الغربية على ثقافات عالمية مختلفة، منها العربية، وعلاوة على ذلك فإن اللغة تموت وتنقرض حين تتحول إلى سلاح أيديولوجي بيد القوميين، أي حين تفقد صلتها بالآخر/العالم.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية