ايزي لبلاريتحدث الكتاب المقدس عن ان الله جل جلاله أباد سدوم وعمورة برغم تدخل ابراهيم، بعد أن لم ينجح هذا الأخير في أن يجد ولو عشرة صدّيقين في هاتين المدينتين. وفي أيامنا حتى لو بحثنا جيدا في القيادة الفلسطينية كلها فلن ننجح في أن نجد حتى زعيما صدّيقا ومعتدلا واحدا يلتزم باحراز السلام حقا.
أأبو مازن؟ تعالوا نفحص. ان أطروحته ‘للدكتوراة’ تتناول تسويغ إنكار المحرقة. وهو يرفض الاعتراف باسرائيل باعتبارها الدولة اليهودية ويصر على أن ‘الاحتلال’ بدأ في سنة 1948. بل انه ينكر كل صلة بين الشعب اليهودي والارض المقدسة، هذا الى أنه يُجل منفذي العمليات ويمنح عائلاتهم مخصصات. وهو يحكم سلطة تحرض فيها وسائل الاعلام والمساجد وجهاز التربية الرسمية على كراهية اليهود وتُنكر حق اسرائيل في الوجود. وهو يعد شعبه في واقع الامر بأن كل دولة فلسطينية في المستقبل ستكون نقية تماما من اليهود، ويعبر عن التزام تعاون مع حماس خاصة وهي منظمة يدعو ميثاقها الى قتل اليهود جميعا والى محو اسرائيل.
وهو يسلك هكذا لا بسبب مواقف حكومة اسرائيل الحالية. فقد رفض أبو مازن مقترحات تلقاها من رئيس حكومة اسرائيل السابق اهود اولمرت، اشتملت على تخلٍ عن 95 في المائة من المناطق. وفي الحقيقة فان الاسرائيليين كلما تخلوا كثرت مطالب عباس.
تبدو السلطة على السطح معتدلة اذا قيست بحماس، لكن أهداف الجهتين متماثلة. وكل الفرق أن أبو مازن يتحدث بلغة ليّنة وهو غامض فيما يتعلق بأهدافه البعيدة المدى حينما يتوجه الى جماهير غير عربية، في حين تعرض حماس صدقا كاملا وتتبجح بأن المنظمة لن تفاوض اسرائيل أبدا.
فماذا عن البروفيسور سري نسيبة، رئيس جامعة القدس، الذي وصفه اسرائيليون سُذج كثيرون بأنه مثال الاعتدال؟ قبل عشر سنين شككت في هذا وبرهنت على ذلك بحقيقة انه كان خاضعا لعرفات باعتباره من رجاله وتلقى تعليمات منه. وكان كل عمل نسيبة ان يمنح السلطة وجها معتدلا نحو العالم الغربي. وفي حين دعا نسيبة حقا الى انهاء العنف وندد بالقطيعة، تم توثيقه في برنامج تلفاز فلسطيني وهو يعبر عن تأييد ومدح لأم مقاتلة لمخرب منتحر نظر اليه باعتباره ‘جنديا قُتل في معركة’. وكان حذرا دائما ألا يوجه انتقادا على مخربين منتحرين، واكتفى بالتشكيك في مزايا الاستراتيجية هذه بدل اخلاقيتها.
في مقالة طويلة نشرت في المدة الاخيرة في موقع ‘الجزيرة’ على الانترنت نزع نسيبة غطاء الاعتدال. وحذر من أنه اذا تم الاعتراف باسرائيل كدولة يهودية فستصبح ‘دولة فصل عنصري’. وليس فقط أن جنسية عرب اسرائيل ستُسلب عنهم ويخسرونها بل سيقتلهم اليهود كما قتل بنو اسرائيل في أيام الكتاب المقدس الكنعانيين واليبوسيين.
وتجاهل بطبيعة الامر حقيقة ان اسرائيل أُنشئت باعتبارها دولة يهودية على يد الامم المتحدة في 1947، وهو يتجاهل ان الدولة الفلسطينية التي يطمح اليها ستكون ‘نقية من اليهود’، وأنه لا توجد دولة عربية واحدة تمنح حتى القليل من الحقوق التي تُمنحها جماعات الأقلية في اسرائيل.
يُذكرني نسيبة بالنظرة الى ممثل عرفات في شؤون القدس، فيصل الحسيني الذي اعتبر مدة سنين ‘معتدلا’ ايضا، لكن اقتُبس من قول الحسيني بعد موته في مقابلة مع صحيفة مصرية وهو يقول ‘علينا أن نفصل استراتيجياتنا وأهدافنا البعيدة عن الأهداف السياسية التدريجية، التي فرض علينا ان نتبناها بسبب الضغوط الدولية… الهدف النهائي هو تحرير فلسطين التاريخية كلها… ينبغي أن نرى اوسلو مثل حصان طروادة’. لا شك. ان محاولة اسرائيل ان ترضي هؤلاء ‘المعتدلين’ لن تُقربنا من السلام بل بالعكس. وأنا أضع تحديا واحدا أمام كل الذين يدعوننا الى الاستمرار على تنازلات من طرف واحد أضعفت مواقفنا وشجعت أعداءنا فقط حتى الآن وهو: أشيروا الى زعيم فلسطيني واحد يمكن ان نقول عنه انه يعمل حقا من اجل السلام والاعتدال.
اسرائيل اليوم 15/11/2011