على هامش المفاوضات التي تجري لتوزيع الحقائب الوزاريّة والرئاسيات الثلاث يحضرني المثل الشعبيّ ‘عاش يتمنّى في عنبة مات جابولو عنقود ‘، ولكن بمعان أخرى تتصل بالفرق بين الحياة والموت والاختلاف بين العنبة والعنقود. فيبدو من بعض التسريبات التي تظهر من حين لآخر أنّ نخبنا السياسيّة عموما تواجه مأزقا كبيرا في تعاملها مع شجرة العنب التي نتحدّث عنها كناية عن السلطة والحكم، وعناقيدها التي ستوزّع على معالي الوزراء.
عرفنا مثلا أنّ الخلاف على أشدّه بخصوص رئاسة الجمهوريّة وقد أصبحت قائمة المرشّحين لذلك المنصب طويلة، بعد أن تردّدت في البداية أسماء قايد السبسي والمرزوقي وبن جعفر، والصراع مازال على أشدّه بين الفرقاء، فالنهضة تحاول إقناع شركائها بالموافقة على منح ذلك الشرف لقايد السبسي ‘باعتبار تجربته وحفاظا على الاستمراريّة التي تحتاج إليها بعض الملفّات وتطمينا للخارج الذي يميل إلى ذلك الخيار’، لكنّ المؤتمر يرفض الرجل رفضا تامّا لتكون المقابلة النهائيّة محصورة بين المرزوقي وبن جعفر للفوز بتلك العنبة. ويقال إنّ الصراع بينهما سيعطي رئاسة الجمهوريّة للأوفر حظّا ورئاسة المجلس التأسيسيّ لمن لم يحالفه الحظّ.
والحظّ هذا لا منطق له إن منح السلطة أو جزءا منها لمن عمل مع النظام السابق للثورة، ولكنّه الحظّ، وقد يبتسم ثانية لقايد السبسي إن تحوّل من رئاسة الحكومة إلى رئاسة الجمهوريّة بعد أن كاد ينسى ويبقى في أرشيف أيّام بورقيبة، والحظّ هذا قد يبتسم لوزراء آخرين فيبقون في مناصبهم رغم أنف الذين عارضوا مجيئهم، وهو الحظّ أيضا حين يبتسم للأحزاب التي جاءت في المراتب الأخيرة ومع ذلك دُعيت لتشارك في وليمة العناقيد وتسيير المقاليد، وهو نفس الحظّ ولكن بوجهه السيّء الذي يكشّر في وجه الحامدي ويمنعه من اقتسام الكعكة مع المنتصرين والمنهزمين. ولعلّه بعد أن ألغى عودته إلى تونس، وتنكّر له نفر من نواب عريضته نراه في وضع لا يحسد عليه فلا هو بالمنتصر ولا هو بالمنهزم وإنّما في منزلة بين المنزلتين كأصحاب الأعراف الذين تساوت حسناتهم وسيّئاتهم فلا هم دخلوا النار ولا هم دخلوا الجنّة.
والكلّ يعلم أنّ صاحبنا كان من البداية راغبا في شجرة العنب ومخطّطا لبلوغها. وكاد الحظّ أن يوصله إلى مبتغاه. ولكن هل هي مسألة حظوظ؟ وهل صارت تلك المناصب تعتبر قضيّة حياة أو موت؟
يقول النهضويّون في تصريحات سابقة إنّ الفترة القادمة تحتاج إلى الجميع للعمل على إصلاح ما فسد، وهو ما دعاها إلى الانفتاح على كلّ القوى فعبّرت عن استعدادها لتقديم بعض العناقيد لمن يريد المشاركة في عمليّة التأسيس الجديدة، ومن بين تلك القوى من يُعتبر ميّتا باعتبار النتائج الانتخابية التي أظهرت حجمه الصغير. ولكنّ موته حسابيّا لا يحرمه من عنقود يقّدم إليه إن شاء أن يخدم وطنه وقد صدق المثل الشعبيّ في هذا الباب: ‘مات جابولو عنقود!’. واليقين الذي نريد التنبيه إليه أنّ المناصب التي ستسلّم لا يجب النظر إليها من زاوية قيمتها السلطويّة أو الماديّة أو المعنويّة بمفهوم ‘البريستيج’. وإنّما يجب التعامل مع كلّ منصب باعتبار ما يفرضه من واجبات المرحلة الجديدة في التعاطي مع الملفّات الشائكة التي تنتظر من سيفتحها ويدرسها ويقدّم حلولا لعلاجها.
لكنّنا نشعر ونرجو أن نكون مخطئين أنّ بعض الذين رُشّحُوا أو رشّحوا أنفسهم للمناصب الجديدة قد لا يعنيهم من ذلك المنصب إلاّ حجم العنقود وسقف الصلاحيات التي يريدونها، ونوع السيارة التي ستقلّهم وقيمة الراتب الذي سيتقاضونه مقابل خدماتهم. لذلك نقترح على من يهمّه الأمر أن يعدّ ورقة تقشّفيّة تدعو إلى التحكّم في تلك السيارات التي ستوضع للخدمة وتلك الرواتب التي ستدفع بما يحدّ منها ويحاصر تضخّمها، وليست هذه الفكرة بدعة فقد أُعلِن منذ أيام عن إجراءات أكثر صرامة في الدول الأوروبيّة التي تمرّ بأزمة ماليّة خانقة بما فيها فرنسا حيث ظهرت دعوات لتجميد رواتب الرئيس والوزراء.
وعلى العموم سينتظر الشعب أياما قليلة قبل أن يعرف من الذي سيتحكّم في شجرة العنب ومن سيحظي بعناقيدها وهل ستكون تلك العناقيد لذيذة سهلة الهضم أم شديدة الحموضة وهضمها عسير، وهل سيحوّلها أصحابها إلى عصير يشربونه احتفالا بالكراسي. لنقول لهم حذار من التخمّر بالسلطة فقد قتلت من سبقكم إلى ذلك الصنيع. عبد الرزاق قيراط