د. علي محمد فخرو
في مقال الأسبوع الماضي ذكًّرنا بالأهمية القصوى لا لتواجد شباب ثورات الربيع العربي في سلطة الحكم أو في مواقع اتخاذ القرار فقط وإنّما أيضاً تواجدهم في صفوف المعارضة. وما من شكٍّ في أن أحد نقاط ضعف الحياة السياسية العربية في الماضي كان الغياب المفجع لمعارضة سياسية منظًّمة فاعلة مستدامة قادرة وكفؤة لممارسة تبادل السلطة الديموقراطي السًّلمي مع سلطة الحكم، كما هو الحال في المجتمعات الديموقراطية العريقة. لكنُّ شباب الثورات يجب أن يٌعدُّوا أنفسهم ويبنوا قدراتهم لممارسة مهمًة ثالثة أثبتت أهميُتها وفاعلًّيتها في أجزاء من المجتمع الدُولي. هذه المهمًّة الثالثة تتلخًّص في مساعدة بعض فئات المجتمع المدني، والتي لها مطالب معيشية أو حقوقية محًّددة، في تنظيم نفسها وتجييش أعضائها لتحقيق تلك المطالب. في قلب تلك المهمة يكمن مبدأ سياسي مفصلي وهو أن الحقوق لا تطلب من أية جهة كانت وإنما تؤخذ المنطلق هو الحق في وضع وإمتلاك الحقوق وليس في استلامها كهديُّة أو منًّة أو تفضُّل الصورة المناقضة لذلك هي صورة المواطن المغلوب على أمره، الصًّابر، الممدود اليدين بانتظار استلام شيئ ما، حسبما وفي الوقت الذي تقررٍّه هذه الجهة أو تلك، وفي هذه الحالة فان الإرادة السياسية، التي تتحدث عنها الدساتير والتي كانت نتيجة سجالات فكرية وأخلاقية عبر القرون ليست ملكاً للناس ولا لعموم المجتمعات وإنما لجهة وسلطة تعلوان فوقهم.
وللخروج من الجوانب النظرية لهذه المهمة الثالثة إلى آفاق الواقع يستطيع شباب الثورات العربية دراسة بعض الممارسات الناجحة في بعض مناطق العالم في كتابه ‘قيمة اللاشيء’ يفصٍّل الكاتب الناقد راج باتيل قصُّة نجاح الحركة الدولية المسًّماة ‘لافيا كومباسينا’، ويقدًّمها كمثل لحراك تضامني فهم جيداً العلاقة الحميمة بين الحقوق والديمقراطية وممارسة الفعل، لقد تكونت الحركة من الفلاًّحين والأجراء والمحرومين من امتلاك أي أرض للوقوف في وجه محاولات الهيمنة الأمريكية والأوروبية والبنك الدولي وخبرائه الدوليين والمحليًّين، هيمنتهم على إتخاذ القرارات بشأن السياسات الزراعية والإنتاج الغذائي والثقافة الغذائية المحلية على مستوى قسم كبير من دول العالم الثالث. إنها اليوم تضمُّ أكثر من مائة وثمانين مليوناً من الأعضاء، ينتشرون في حوالي سبعين دولــة إن تفاصيل نضالات ونجاحات وإخفاقات تلك الحركة موجودة في المراجع، لكن ما يهمنا هو معرفة بعض الأسس والممارسات التي تبنًّتها، وذلك من أجل أن يقوم شباب الثورات بالاستفادة منها، بل وتحسينها بقدراتهم الإبداعية التي أصبحت حديث العالم في الآونة الأخيرة. أول هذه المنطلقات هو حقُّ أعضاء الحركة في ارتكاب الأخطاء والتعلٌّم منها بدلاً من الاعتماد الكلي على الخبراء، هؤلاء الخبراء الذين بسبب ارتباطاتهم بكبرى الشركات العولمية أو بجهات رسمية نافذة بما فيها البنك الدولي كثيراً ماقدموا النصائح الخاطئة وأحياناً الكارثية من هنا تغيُّر شعارات الحركة عبر الزٌّمن لتأخذ بعين الاعتبار التطورات وما كسبه الأعضاء من خبرات. ثاني المنطلقات هو عدم السماح لأية منظًّمة أو جماعة أو إيديولوجية منضوية تحت جناحها، مهما كبرت في حجمها وعدد أعضائها، بالهيمنة على إتخاذ القرار فالقرارات النهائية تمرُ عبر سلسلة طويلة من المناقشات والمشاورات التي يشارك فيها الأفراد العاديون، مهما كانت مستوياتهم التعليمية أو الاجتماعية في أدبياتهم فان صفة الديموقراطية لحركتهم لا تتمثل في التصويت فقط وإنما في عدم ممارسة التصويت إلاٌ إذا سبقته مناقشات حرًة شاملة شفًّافة بالغة الاتساع والالتزامات الإنسانية. ثالث المنطلقات هو ربط الشعارات بالقضايا الإجتماعية الحقوقية التي تواجهها المجتمعات. فشعار الحركة الأول (سيادة الغذاء) المرتبط بقضايا الأرض والمياه والبذور الزراعية إلخ، أصبح بعد سنوات (سيادة الغذاء هو لإنهاء كل أنواع العنف ضدًّ المرأة). هل هو خلط انتهــازي للأوراق؟ أبداً، بل للقول بأن الجوع ليس فقط عدم توفر الغذاء الكافي وإنما هو أيضاً سلطة تستعمل للسيطرة على الآخرين، في عرفهم إن اضطرار المرأة لبيع جسدها بسبب الجوع أو اضطرارها لأن تذوي جوعاً حتى تطعم أولادها الصغار هي حالات من حالات العنف ضدُّ المرأة. قصُّة هذه الحركة هي مثال فقط لأشكال لا حصر لها ولا عدً من الحراك الاجتماعي – الحقوقي الذي تموج به السًّاحة الدولية حالياً، المطلوب من شباب الثورات العربية هو أن يساعدوا في تنظيم حراكات عربية وطنية وقومية لأنواع من مواطنيهم، وكثير منهم من الفقراء والمهمًّشين غير القادرين على أخذ المبادرات والخطوات الأولى، وذلك من أجل استكمال الثالوث السياسي الذي لن تكتمل ثوراتهم المباركة إلاُ باكتمال مثلًّثه: إستلام الحكم أو التأثير الفاعل في مسيرته، تنظيم معارضة وطنية سلمية فاعلة كفؤة، والمساهمة في تنظيم حراكات مجتمعية مدنية للحصول على حقوق محدًّدة تصبُّ في إنضاج الثورات ولاكتساب معرفة وخبرة بممارسة الحق في امتلاك الحقوق وستكون الفائدة أكبر وابقي لو ربطت الحراكات العربية القطاعية بما يماثلها على مستوى العالم، هذا تحدٍّ آخر لشباب الثورات العربية.