صحف عبريةهل يكذب بنيامين نتنياهو أكثر من ساسة آخرين؟ هذا على الأقل هو الانطباع عن تقارير صحفية مختلفة. لكن هل يكذب أكثر من رؤساء حكومة آخرين في شأن عدم رغبة اسرائيل القوية في سلام مع الفلسطينيين؟ هذا افتراء حقا.
ان خلاصة السياسة الاسرائيلية هي واحد في الفم وواحد في الجرافة. ربما كانت لاسحق رابين عدة زلات لسان مشجعة من جهتنا، تبغض الوساطة بين القدّوس جل شأنه والعقارات. لكن في زمن ولايته الثانية شُقت الشوارع الالتفافية الى المستوطنات التي جعلت غوش عصيون وبسغوت جزءا من القدس. وفي مدة ولايته عوقبت الخليل بحصار مدمر بسبب المجزرة التي نفذها يهودي في مصلين فلسطينيين. وفي حينه جرى تطوير سياسة الحصار مع فصل المجتمع الفلسطيني في القدس الشرقية وغزة عن سائر أجزاء المنطقة التي تم احتلالها في 1967. وسار سائر الحكومات في الطريق الدحض الذي مُهد آنذاك.
تعتمد طبيعة نتنياهو باعتباره كاذبا على فرضين اشكاليين. الاول، ان كلمات معروفة يفترض ان تدلنا على النوايا والسياسة. ولا يوجد ميدان استعملت فيه اسرائيل تصريحات الزعماء للتغطية على النوايا أكثر من ميدان علاقاتنا مع الفلسطينيين (عن جانبي الخط الاخضر). هناك عقود مع مهندسي عمارة وأوامر مصادرة وشيكات للمقاولين. هذه هي الكلمات التي تنطق بالحقيقة.
والفرض الثاني هو ان رئيس الحكومة هو صاحب القرار والبت. لكن في ميدان علاقتنا مع الفلسطينيين فان الديمقراطية لليهود هي في ذروتها. فكل رئيس حكومة كان وما يزال ممثلا صادقا لقرارات أكثرية الجمهور اليهودي وجيبه. فذاك الذي ذهب ليشاهد القصف على غزة من تل قريب مع شغله قصر الثقافة، والآخر الذي يقضي أوقاته في متنزهات كانت قرى فلسطينية ويقف صامتا مع صفير يوم المحرقة. ليس ائتلاف نتنياهو مستقرا بسبب حسابات متحمسة.
تقول لنا انجيلا ميركل ونيكولاي ساركوزي وباراك اوباما انهم لا يصدقون نتنياهو. لكن يبدو أنهم واداراتهم يغضبون منه لأنه كذاب أقل نجاحا من أسلافه في رئاسة الحكومة الاسرائيلية. فهم يغضبون لأنه لا يُجهد نفسه في التغطية على الفرق بين الكلمات والجرافات. وهكذا يصبح أصعب عليهم أن يغطوا على كذب سياسة الولايات المتحدة واوروبا التي تبدو في الظاهر مؤيدة للسلام في المنطقة ولدولة للفلسطينيين. وهي في واقع الامر تعاون مع اسرائيل في محاولة لفرض تسوية استسلام على الفلسطينيين.
هل يكذب نتنياهو؟ ورد في موقع الـ OECD ان: ‘السلك الثاني لعملنا هو الالتزام المشترك لاقتصادات سوق مدعومة بمؤسسات ديمقراطية تحصر عنايتها في رفاهة المواطنين جميعا’. ان الذين قبلوا اسرائيل عضوا علموا أنه توجد بين المؤسسات التي تدعم اقتصاد السوق فيها: الادارة المدنية ووزارة الداخلية والكيرن كييمت الاسرائيلية. وكل صلة بينها وبين الديمقراطية ورفاهة المجموع خيالية بيقين.
يكمن تفسير رئيس للأكذوبة في الكلام الصادق لـ أندرو شبيرو، مساعد وزيرة الخارجية الامريكية للشؤون السياسية والعسكرية. ‘التقنية الاسرائيلية حيوية لتطوير أمننا الداخلي والدفاع عن جنودنا’، قال في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (‘هآرتس’، 6/11). وما يصح على الولايات المتحدة يصح على حليفاتها الاوروبيات ايضا. ‘ان التدريبات المشتركة تُمكّننا من التعلم من تجربة اسرائيل في القتال المدني ومحاربة الارهاب’، قال، ولن يكون هناك قتال مدني بغير احتلال. وايضا: ‘نحن لا نعطي (اسرائيل) مساعدة بصفة صدقة بل لأن في هذا مزايا لأمننا… نحن نؤيد اسرائيل لأن هذا لمصلحة مصالحنا القومية’. لهذا من يشغل نفسه بصغائر كتحقيق حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
هآرتس 16/11/2011