الزاوية البوتشيشية: الدين والمال والسلطة

حجم الخط
0

محمد غرافي

من بين الحالات الغريبة التي أفرزها الإعلان عن الدستور الجديد في المغرب هو انخراط الزاوية البوتشيشية ذات الصدى الكبير داخل المغرب وخارجه في الخطاب والفعل السياسيين. تمثل ذلك في بيان أصدرته الزاوية خلال حملة الاستفتاء عن الدستور الجديد تدافع فيه عن الملَكية وتساند الدستور بشكل مطلق. ثم تلا البيانُ حملةً دعائية وسياسية واسعة بدأت في المساجد وانتهت في الشوارع عبر تنظيم مسيرات في جميع أرجاء المملكة لمساندة النظام والدستور الجديد. قد يقول قائل: وماذا بعد؟ وهو سؤال مشروع خاصة حين يتعلق الأمر بزاوية نعرف أنها جزء من اللعبة السياسية منذ نشأتها وأن ولاءها للملكية أمر يعرفه المغاربة جيدا. أليس عامل إقليم بَركان الذي يوجد به المقر الرسمي للزاوية سوى الإبن البارّ لشيخ الزاوية البوتشيشية؟ لا أحد إذن من الذين يتابعون المشهد السياسي بالمغرب يشك في العلاقة الوطيدة إيديولوجيا وسياسيا التي تربط المخزن بالزاوية. غير أن الجديد في الأمر هو أن تدْخل الزاوية معترك الصراع السياسي بشكل علني هذه المرة وتكشف أن وجهها ‘الصوفي’ الذي ما فتئت تستقطب به مريديها داخل الوطن وخارجه ليس سوى قناعا لانخراطها في السياسة خطابا وممارسة وأن دورها الريادي لم يعد يتمثل في ‘تصفية القلوب’ كما تدعيه أدبياتها الصوفية بل في قلب بعضها على بعض في ظرف سياسي واجتماعي وثقافي دقيق في المغرب وخارج المغرب، ذلك أن حشد مريديها وجماهير واسعة في مسيرات كحملة دعائية من أجل التصويت بنعم على الدستور يدل على أن الزاوية أصبحت شريكا شبه رسمي في العملية السياسية. ويدل ـ وهذا أخطر ـ أن المسألة الدينية ما زالت تكرس نفسها كأداة في الاستقطاب السياسي والأدلجة. ولعل هذا التدخل للزوايا ـ بما هي وجه آخر للمخزن ـ في الشأن السياسي هو الذي يثبت أن الدستور المغربي الجديد الذي ما زال يلح على الربط بين الإسلام والدولة لن يمكننا بعد من الخروج من البوتقة الخطيرة في البلدان العربية الإسلامية ألا وهي الاستغلال السياسي للدين. في الليلة التي سبقت خروج حشود الزاوية البوتشيشية إلى الشوارع لمساندة الدستور، برر الناطق الرسمي على أمواج التلفزيون هذه المبادرة للزاوية باعتبارها دفاعا عن ‘مقدسات’ وطنية وبأنها مبادرة سياسية ‘بالمفهوم النبيل للسياسة’. انطلاقا من هذا التصريح يحق لنا أن ندعو الزاوية البوتشيشية إلى إصدار بيانات أخرى والخروج إلى الشارع كلما اقتضى الأمر ذلك للدفاع عن كل وليس فقط بعض ‘مقدسات’ الوطن. أليس دفاعا عن المقدسات أن تصدر بيانا يندد بالمحسوبية والرشوة والفساد؟ أليس من قبيل الفعل السياسي النبيل أن تصدر بيانات تندد فيه بالإجهاز على حرية الصحافة وتطالب بإطلاق سراح الصحفي رشيد نيني؟ أين كانت الزاوية البوتشيشية في كانون الثاني/يناير 1984 حين أُطلق الرصاص على المواطنين الذين كانوا يشيعون بمقبرة مولاي الطيب ببركان جنازة شهيد شاب سقط في هذه الانتفاضة ناهيك عما تلاها من اعتقالات في العديد من مدن وقرى المغرب بما في ذلك قرية مداغ حيث مقر الزاوية؟ لماذا سكتت عن جرائم العهد السابق؟ ماذا كان موقفها من معتقل تازمامارت؟ ما موقف الزاوية الآن من الفقر المذقع والبطالة والتهميش الذي يعيشه سكان النعيمة ـ حيث يقضي الشيخ معظم أيامه ـ وقرية مداغ التي يطل عليها من علٍ قصر الزاوية؟ هذه بعضٌ فقط من جملة أسئلة عديدة نطرحها على القائمين على رأس الزاوية وأيضا على بعض مريديها من المثقفين المغاربة والعرب والأجانب الذين ما فتئوا داخل المغرب وخارجه يلمعون صورتها باعتبارها طريقة صوفية مهمتها فقط تصفية القلوب عبر حفلات الذكر التي تقيمها. التصوف علاقة روحية عالية وعميقة في علاقة العبد بربه. وحين يخرج عن هذا المبدأ الفردي إلى حلقات ومأدبات وطقوس واحتفالات مقنعة بطابع ديني وبيانات سياسية وحشد للمريدين وغير المريدين في مسيرات سياسية، يصير شيئا آخر غير التصوف. نحن هنا أمام تنظيم أقرب إلى الحزب منه إلى طريقة صوفية. فهو يملك قنوات للاستقطاب وأخرى للتأثير على الشأن السياسي وأموالا تأتيه من مريديه و ممّن لهم مصلحة في أن تظل الزاوية خادمة للأجهزة الحاكمة، خصوصا حين يكون وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية من أشهر مريدي الزاوية. إننا في هذه الظروف التاريخية الحاسمة التي يمر منها العالم العربي، لا يمكن للمثقف المغربي الغيور على تطلعات الشعب إلى بناء دولة ديمقراطية أن يستمر في التفرج على ظاهرة الاستغلال الديني لأغراض سياسية. والحقيقة أن سكوت النخبة المثقفة عن دور الزوايا في خدمة المخزن أو تجنبها الخوض في الموضوع مرده إلى سببين رئيسيين: أولهما أن العديد من المثقفين الذين كرسوا أسماءهم في الحقل الأدبي والفكري أوالممسكين ببعض خيوط السلطة في وزارات عديدة هم من مريدي هذه الزوايا. وهو ما يلجم أفواه وأقلام المثقفين المحيطين بهم خاصة في خضم ما تشهده الساحة الثقافية المغربية من فساد، وذلك إما طمعا في جوائز ومناصب أو فقط من باب الإحساس بالإحراج أمام أصدقائهم من مريدي الزاوية. وثانيهما أن خطاب الزاوية السياسي ـ الديني نجح في تطويع لغته مع الخطاب الحداثي ليبدو بمظهر الخطاب الإنسانوي، مما جعل العديد من الأسماء المعروفة فنيا وفكريا في العالم تنضم إلى الزاوية البوتشيشية وتشكل بوقا دعائيا مفاده أن الزاوية لا تهدف سوى إلى تعزيز المضمون الروحي للإسلام. وبسبب تصاعد التيارات الإسلامية المتطرفة في العالم، أصبح خطاب الزاوية ‘الصوفي’ ملاذا للعديد من الأفراد المنحدرين في الغالب من البورجوازية أو البورجوازية الصغيرة في المغرب وخارج المغرب. وهو ما يفسر أيضا التشجيع الذي يلاقيه هذا الخطاب في الغرب وخاصة في فرنسا حيث تقام العديد من حلقات الذكر يتم خلالها استقطاب العديد من الرموز الفنية والفكرية. ذلك أن خطاب الزاوية ‘الصوفي’ و’الإنسانوي’ و’الروحي’ يخدم أيضا إيديولوجيا الحكومات الأوروبية ليس في مناهضتها للتطرف الديني فحسب وإنما أيضا في تملصها مما آلت إليه الأوضاع الاجتماعية لأبناء المهاجرين المسلمين وخشيتها من اندلاع انتفاضات على غرار تلك التي اندلعت سنة 2005. إن خطاب الصوفية الذي أضحى خطابا ‘حداثيا’ أو خطاب موضة في أوروبا وأمريكا، مُؤدّاه أن الحل لمعضلات المجتمع من فساد وبطالة وفوارق طبقية وتحكّم أسواق البورصة في مصير الشعوب، يكمن فقط في تكريس قيم الإخاء والحب والسلم والتعاون بين الأفراد. ولقد لاحظنا كيف تم استغلال هذا الخطاب من طرف السلطة الإعلامية الفرنسية إبان انتفاضات الضواحي سنة 2005 عبر استضافة مغني الراب عبد الملك الذي يتحدث كإمام حداثي داعيا إلى قيم الحب والأخوة والسلم دون أن يفوته التنويه بدور شيخه حمزة في إنارة طريقه وإخراجه من الظلمات إلى النور. وهو خطاب يروق كثيرا السلطة الإعلامية والسياسية بفرنسا لأنه لا يشير أبدا إلى الأسباب الاجتماعية والسياسية لتلك الانتفاضات ولا إلى تذمر شباب الضواحي من خطابات ساركوزي الاستفزازية التي عززت حملته الانتخابية وأفضت به إلى قصر الأليزيه سنة 2007. الانتخابات التشريعية في المغرب على الأبواب. وما دام أن الزاوية قد عبرت علنا، خطابا وممارسة، عن مساندتها للدستور الجديد، فيهمنا أن نعرف لصالح أي حزب ستتحرك الزاوية هذه المرة وتحشد مريديها مجددا وما إذا كانت المساجد ستتحول ثانية إلى بوق دعائي انتخابي كما حصل إبان حملة الاستفتاء على الدستور أم أن الزاوية ستعود إلى ممارسة التقية السياسية خلف لافتة التصوف والمحبة وتصفية القلوب.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية