صحف عبريةان مشاركة دنيس روس سنين طويلة في المسيرات السياسية في الشرق الاوسط جعلته جزءا لا ينفصل عن جهود السلام. ان دنيس يهودي فخور وحميم يهمه جدا استمرار الشعب اليهودي. ولست أعرف هل يُعرف نفسه بأنه صهيوني، وأفترض أن جوابه عن هذا بالنفي، لكنه صهيوني في نظر الزعامة العربية ومن المؤكد انه لا يرى هذا عيبا، غير ان صداقته لاسرائيل لم تأتنا بخير دائما.
أدرك دنيس روس الذي بلغنا هذا الاسبوع نهاية عمله في البيت الابيض (في منصب غير محدد بقدر كاف لكنه مؤثر بلا شك)، أدرك منذ زمن ان أهم لاعب في الشرق الاوسط هو رئيس حكومة اسرائيل. وقد بذل جهدا أقل كثيرا في محاولة اقناع رؤساء الحكومة المختلفين بقبول الخط الامريكي، وبذل جهدا أكبر في محاولة فهم رؤساء الحكومة واحداث مسيرة تلائم قياساتهم. وفي ظاهر الامر لا توجد سياسة أسهل من هذه على من يقف قرب المقود الاسرائيلي لكنها اشكالية جدا ايضا لمن يحاولون ملاءمة الحلة لمقاسه.
لم يكن من الصعب عليه اقناع الرؤساء الذين عمل معهم بأن الأفضل لهم من جميع النواحي ان يتوصلوا الى تنسيق في الحد الاقصى مع الزعيم الاسرائيلي، وألا يفاجئوه أبدا وألا يُملوا عليه اجراءات ليس هو قادرا على الثبات لها سياسيا. وهو الذي أضاف مصطلحات مثل ‘شاس’ الى معجم كلينتون السياسي وهو الذي أوضح لاوباما المنافسة في قيادة اليمين بين نتنياهو وليبرمان. ان ميله الموالي لاسرائيل، وادراكه أهمية الحلف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة واسرائيل ومعرفته العميقة بالساحة الاسرائيلية أحدثت حالة ذاب فيها الحد بين الولايات المتحدة واسرائيل في مواجهة الدول العربية والفلسطينيين. فاذا كان يوجد شخص ما مسؤول شخصيا عن ان الولايات المتحدة فقدت بقدر كبير، مكانتها باعتبارها وسيطا في منطقتنا فهو دنيس روس. لا يعني هذا انه لم يكن واضحا قبل روس ان الالتزام الامريكي لاسرائيل قوي جدا وأن امريكا ليست وسيطة محايدة. ان عدم الحياد الامريكي قد احترمه من فاوضنا عن علم بأن الحديث عن القوة العظمى الوحيدة في العالم القادرة على اقتراح جسر للهوة، واقناع وتحريك الاطراف عن مواقفهم الابتدائية.
ربما لو كان روس شريكا في محادثات كامب ديفيد في 1978 لانتهت تلك القمة كما انتهت قمة كلينتون، وباراك وعرفات في المكان نفسه بعد ذلك بـ 22 سنة. منذ اللحظة التي تلاشى فيها الحد بين الادارة الامريكية وبيننا، أصبح كل اقتراح امريكي يُرى اقتراحا اسرائيليا، ولم يعد الامريكيون قادرين على تقديم اقتراحات خاصة بهم.
ان الكتب التي كتبها في السنين الاخيرة اشخاص امريكيون كبار عملوا مع روس، يعرضون الاخفاق السياسي بالموالاة الزائدة لطرف واحد باعتبارها سياسة أضرت قبل كل شيء بالطرف الذي ترغب الادارة الامريكية في تأييده. وكما ان فشل المحادثات بين حكومة باراك والقيادة السورية والقيادة الفلسطينية قد نبع من جملة ما نبع منه، من هذا الخطأ، نبع نجاح كارتر من انه عرف كيف يقود الى تغيير مواقف الطرفين ولم يكن مواليا لواحد منهما موالاة مطلقة.
معايير كلينتونيؤمن روس ايمانا كاملا بأن السلام في الشرق الاوسط مصلحة اسرائيلية قومية مثل كونه مصلحة امريكية. وفي المحور الاسرائيلي الفلسطيني تماثل مواقفه ورقة تقريب وجهات النظر التي اقترحها كلينتون والمعروفة باسم ‘معايير كلينتون’. ومن الواضح له في المحور الاسرائيلي السوري انه لن يكون سلام دون انسحاب اسرائيلي من الجولان.
اعتقد في التسعينيات ان السلام مع سورية أهم وأفضل من مسار اسرائيلي فلسطيني. وكان لنا في هذا مباحثات غير قليلة. فقد حاولت أن أُبين له ولمارتن انديك الذي أيد الرأي نفسه أن من يؤمن بضرورة السلام لا ينضم عندنا الى حزب موال لسورية أو موال للفلسطينيين، وان الاطار المشترك الذي تم بناؤه في مدريد ازاء كل شركاء السلام في المستقبل هو الأكثر ملاءمة.
اعتقد روس خطأ ان الاختلاف في اسرائيل هو بين من يحثون على السلام مع الفلسطينيين ومن يحثون على السلام مع سورية، ويُقال في حقه انه حينما فوجيء بالتوقيع على اتفاق اوسلو من غير مشاركة الولايات المتحدة، لم يهتم بحقوق المبدعين ولم يستمر في الجدل في سؤال أي قناة أفضل وجند نفسه لنجاح الاجراء.
وكان تجنيده لنفسه يفوق ما طلبه الطرفان. وقد نشرت في الماضي قصة مؤداها انه حينما أجرى أبو العلاء وأوري سبير التفاوض في تسوية بينية وتوصلا الى اتفاقات كثيرة، جاء دنيس روس لزيارتهما للمساعدة على التقريب بين وجهات النظر. وحينما جاء سارع الاثنان الى اخفاء أوراقهما، وحينما سأل كيف يجري التفاوض عادا يشكو بعضهما بعضا ويزعم ان الآخر لا يريد التقدم حقا. وفي اللحظة التي غادر فيها المكان أخرج الاثنان الوثائق من جديد تمهيدا لاتمام العمل بلا أية مساعدة امريكية.
كان بدء مشاركته السياسية في أيام منافسة السناتور جورج ماكفيرن في رئاسة الولايات المتحدة. كان ذلك سنة 1972، وكانت فيتنام أهم موضوع في جدول العمل، وكان الرئيس نيكسون بغيضا الى الليبراليين، وآمن جيل شاب من الديمقراطيين ايمانا كاملا بأن السناتور الشجاع سينقذ الولايات المتحدة من الظلام.
أثرت هزيمته في الانتخابات في مؤيديه الشباب. ووجد روس نفسه بعد ذلك بكثير، في الادارة الامريكية. ومن المفاجيء كثيرا انه وجد نفسه قريبا على نحو خاص من وزير الخارجية جيمس بيكر. وفي الوقت الذي استُدعي فيه بيكر الى الرئيس بوش الأب ليرأس مقر عمله في البيت الابيض، استقال روس ايضا من عمله وانتقل ليكون في البيت الابيض.
أتذكر الحديث الذي أجريناه في غرفة صغيرة في البيت الابيض في 1992، قبل الانتخابات التي فاز فيها المرشح الديمقراطي الشاب، كلينتون. كان روس يائسا تقريبا. وقال لي ان بيكر ايضا لا ينجح في انقاذ بوش من فقدان فترة ولايته الثانية، وان استطلاعات الرأي تسبب الكآبة في دهاليز البيت الابيض.
سألته كيف يمكن هزيمة جمهورية ان تجعله ييأس الى هذا الحد، فقيمه الليبرالية لا يمثلها البيت الابيض تمثيلا تاما. وكان جوابه سياسيا. قال انه نشأت ثقة عميقة جدا بين حافظ الاسد وبيكر، فاذا فاز بوش فسيعود بيكر الى وزارة الخارجية الامريكية وسيمكن اجراء تفاوض جدي وربما سريع ايضا مع الاسد ورابين. واذا خسر بوش في المقابل فسيغيب بيكر عن الساحة والى ان تنشأ ثقة من جديد بين الاسد ووزير الخارجية الذي ستعينه الادارة الجديدة سنخسر جميعا زمنا ثمينا.
وفي النهاية لم يكن هذا هو سبب اضاعة السلام مع سورية، لكن لا شك في ان قلق روس كان حقيقيا.
ان روس الخبير بمسارات في المنطقة والذي كان يعطف عليها أكثر من كل شخص آخر في الادارة، يستقيل من غير ان ينجح في حثها الى الأمام كما أمل. لا يستطيع المؤمنون عندنا بالسلام ألا يعبروا عن تقدير لجهوده، كما لا يستطيعون ألا ينتقدوه لأنه عن صداقته لنا أدى الى الطمس على الخط الذي يجب ان يفصل بين الادارة الامريكية وحكومة اسرائيل في المباحثات لاحراز السلام المأمول.
اسرائيل اليوم ـ 18/11/2011