لندن ـ ‘القدس العربي’: اصبح الحديث عن الحرب الاهلية في سورية امرا واقعا في التعليقات والتصريحات الصحافية بل ومواقف الدول المعارضة للنظام والمؤيدة له، فيما تتكرر دعوات المعارضة السورية لانشاء منطقة عازلة ـ آمنة كي تتخذها منطلقا لعملياتها، وجاءت العمليات الاخيرة لما يعرف بجيش سورية الحر، لتؤكد حقيقة تحول الثورة السلمية الى ثورة عسكرية جرت البلاد الى حرب اهلية تهدد الجيران لسورية وتهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي للبلاد.
وما يثير من المخاوف هو تعقيد البنية السكانية في البلاد وتوزعها على اقليات واثنيات وطوائف دينية، ففي الوقت الذي تحكم فيه البلاد الطائفة العلوية منذ اربعين سنة فان هناك مخاوف لدى اقليات من وصول جماعات جديدة للحكم تقوم بالانتقام من اربعين عاما من القمع والتعذيب واستغلال موارد البلاد الحقيقية، فيما تخشى كل من لبنان والعراق البلدين اللذين عانيا من حروب اهلية من تدفق هائل للاجئين لحدودها، ويبدو ان الاطراف الحالية ذات العلاقة بالازمة وهي النظام والمعارضة والجامعة العربية وتركيا كل ارتكبت اخطاء في كيفية ادارة الازمة، فمع تزايد المخاوف من ‘تدويل’ الازمة وما كشفت عنه الصحف البريطانية يوم الخميس من دعوة العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني الى انشاء مجموعة اتصال دولية على غرار ما حدث في ليبيا فان جامعة الدول العربية وتصرفها الذي اتسم بقصر النظر بحاجة الى اعادة النظر في الطريقة التي تعاملت فيها مع النظام السوري، فبتأثير من قطر والسعودية اللتين مثلتا ‘معسكر الصقور’ مع انضمام الاردن لهما فانها عقدت الامر بتوجيهها انذارات للنظام السوري، فيما اتسمت محاولات تركيا التي حاولت التدخل بالازمة في البداية بالازدواجية عندما كانت تقدم العون للمعارضة السورية على تنظيم نفسها في اسطنبول، وتتحمل المعارضة ايضا جزءا من المسؤولية لانها تربط الحوار مع الحكومة برحيل بشار الاسد، كما ان نظام الاسد يتحمل المسؤولية الكبرى فهو الذي فوجىء باندلاع مظاهرات في جنوب البلاد لجأ للحل الامني، كما اتسمت وعوده بالمخادعة، مما جلب عليه غضب حلفائه، ومن هنا يرى المحلل في صحيفة ‘الغارديان’ جوناثان ستيل في مقال له قائلا ان سورية بحاجة اليوم الى وساطة وليس حربا اهلية. وقال ان الجامعة العربية باهانتها للحكام الاعضاء فيها وتعليق عضوية سورية فيها لا تقدم خيارات للاسد كي يخرج من الزاوية التي حشر فيها. واتهم الكاتب الجامعة العربية بانها قررت بطريقة ‘خرقاء’ ان تدفع الحرب الاهلية للامام، وقال ان الجامعة وبتأثير من دول متشددة قررت ان تتخذ مواقف وتدعم طرفا في الحرب الاهلية على غرار ما حدث في ليبيا. وقال ان الجامعة بدلا من ان تقوم بالتوسط بين النظام ومعارضيه فانها قررت توجيه الاهانة له.
ولاحظ ان الدول العربية التي تحفظت على القرار وهي العراق ولبنان والجزائر هي الدول التي عانت من اهوال الحرب الاهلية. واكد الكاتب ان الحرب بدأت فعلا، مشيرا الى ان صورة النظام الذي يقوم باطلاق النار على المدنيين اصبحت قديمة ولا اهمية لها لان جيش سورية الحر لم يعد يخف نواياه بانه يقوم بقتال الجيش الحكومي.
وحذر قائلا انه في حالة لو عزز هذا الجيش قوته فان الحرب ستأخذ طابعا طائفيا بشعا بل وقد تتحول الى مذابح. وقال ان المعتدلين السنة يعربون عن مخاوفهم من المواقف المتشددة المتزايدة التي بدأ الاخوان المسلمون والسلفيون يظهرونها وهم الذين باتت لهم اليد الطولى في الانتفاضة.
واشار الى مخاوف الاقلية المسيحية التي لا تريد ان تجرب نفس ما حدث لاشقائها في العراق، وهنا نوع من القلق الشديد لدى الاكراد في شمال البلاد. ويقول انه على الرغم من مخاوفهم من النظام الذي حرمهم من حقوقهم فانه يخشون الاخوان المسلمين اكثر. واتهم الكاتب النظام بارتكابه اخطاء كبيرة في معالجته للازمة ومنعه من الاعلام العالمي الدخول لتغطية الاحداث مما فتح مجالا للمبالغة والشائعات حيث اصبحت افلام ‘يوتيوب’ التي تضعها المعارضة مصدرا لمعرفة الوضع. ورأى الكاتب ان هجوم مؤيدي النظام على السفارات فعل اخرق. كل هذا ادى الى حالة استقطاب بين النظام الذي اتهم المعارضة بانها العوبة في يد القوى الخارجية والمعارضة في الخارج التي تشترط رحيل الاسد كي توافق على الحوار وكذا كررت دعوتها للتدخل بناء على النموذج الليبي مما يعتبر تحريضا على الحرب الاهلية، وعلى الرغم من عدم تشدد معارضة الداخل الا ان الاحداث قد تدفعها لنفس الاتجاه.
ويقول الكاتب ان هناك حاجة لوساطة دولية قبل ان تضيع الفرصة وبأجندة تعمل على تحول ديمقراطي وحماية للاقليات بما فيها الطائفة العلوية التي تخشى من عمليات الانتقام حالة تغير النظام. واضاف ان مطالب المعارضة برحيل الاسد وعائلته سيترك مفعولا مضادا الا في حالة تقديم العفو، فما الذي سيدفع الاسد للخروج وقد شاهد بعينه سحل القذافي واهانة مبارك في محاكمته وسجنه. والوضع لم يزدد سوءا حتى الآن حيث لم تدخل المحكمة الدولية لجرائم الحرب على الخط. ويعتقد ان النموذج المناسب لحل الازمة هو اتفاق الطائف بين الاطراف اللبنانية وبدعم سعودي، لكن السعودية المدعومة الان من ادارة اوباما والتي وضعت الخطر الايراني امام عينها من المشكوك فيه ان تلعب هذا الدور، خاصة ان سورية وايران حليفتان.
ويرى في الموقف التركي المتغير ليس بعيدا عن صراعه مع الاكراد في جنوب البلاد، حيث غضت ادارة اوباما عن عملياتها ضدهم داخل العراق. وفي غياب اي دور للامم المتحدة التي حاولت ان تلعب دورا في الازمة الليبية ورفضت الدول الغربية جهودها فان هناك حاجة الى ‘طائف جديدة’ تقوم من خلالها الجامعة العربية بتعيين لجنة من الحكماء العرب للاستماع لكلا الطرفين.
المنشقون عن الجيش السوري والدور المتزايدمن جهة اخرى التقت صحيفة ‘لوس انجليس تايمز’ مع احد قادة المسلحين الذي يقدم نفسه على انه ضابط بارز واسمه الحركي احمد العربي الذي تحدث سابقا مع صحيفة ‘الغارديان’ ان جنوده يقومون باختراق صفوف الجيش السوري.
وتقول الصحيفة انه في الوقت الذي تتجه فيه الانتفاضة نحو العسكرة فان الجنود المنشقين عن الجيش يحضرون انفسهم للعب دور بارز، مع ان الحكومة السورية تقول منذ البداية ان الانتفاضة ادت الى ظهور جماعات مسلحة وعصابات. ولكن العربي ومن معه يقولون ان قمع النظام للمتظاهرين لم يترك لهم اي خيار بل التوجه نحو حمل السلاح، حيث يقول انه مع رفاقه المتمركزين في قرب الحدود اللبنانية مع سورية يقومون بالتسلل بشكل دائم لداخل سورية ويتجنبون حقول الالغام التي زرعها الجيش على طول الحدود مع لبنان، وبعد قيامهم بعمليات يعودون الى لبنان، ويشير العربي ان استراتيجيتهم تتغير في كل ساعة.
وكان العربي قد انشق في ايار (مايو) بعد خدمة 29 عاما في الجيش وهرب الى لبنان ويقول ان 500 مقاتل تحت امرته، فيما يزعم جيش سورية الحر ان عدد افراده يزيد عن 10 الاف من المنشقين يتمركزون على الحدود في تركيا ولبنان والاردن وداخل سورية. ويقول العربي انه ينسق مع قيادة الجيش تحت امرة العقيد رياض الاسعد. وكان جيش سورية الحر عندما ظهر قد اخذ على عاتقه حماية المدنيين من الجيش كما قال لكنه حول استراتيجيته لمواجهة النظام اي ما يشبه حرب العصابات، ويقول الجيش انه يستهدف اكثر رجال الامن بالزي المدني وميليشيات النظام من ‘الشبيحة’. ويزعم العربي ان جنوده يمتنعون عن قتل افراد الجيش لان معظهم مجندين من السنة، ويأمل ان يتم اقناعهم بالانشقاق لان الجيش يعاني من حالة انقسام كما يقول. لكن الحكومة تقول ان هناك الف جندي قتلوا من بين المدنيين 3500 منذ بداية الانتفاضة في شهر اذار (مارس) الماضي. وتنقل ‘لوس انجليس تايمز’ عن مقاتل اخر اسمه محمد مختبئ في بيت سري انه ومن معه من الجنود المنشقين مستعدين لكي يمروا من حقول الالغام والدفاع عن وطنهم. وقال انه ينتظر الاوامر كي يهاجم وحينها يتبين عدد الجيش الكبير. وعلى الرغم من اعتراف المنشقين بصعوبة هزيمة الجيش السوري – 200 الف المتماسك لحد الان الا ان قادته يأملون بانشقاقات واسعة ومنطقة آمنة للتخطيط لهجمات عسكرية. وعلى الرغم من ان الحكومة السورية لم تذكر ايا من الهجمات التي زعمها جيش سورية الحر الا انها تذكر بصراع الاخوان المسلمين مع نظام الاسد الاب في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، وايا كانت صحة الهجمات فانها تظهر تطورا في عمل الجماعات المعارضة وتصميمها على مواجهة النظام بالسلاح. وعلى الرغم من ذلك فان قادة معارضة الداخل يعارضون الاقتتال الداخلي ويطالبون بوقفها حسب تصريح فايز سارة- المعارض البارز لصحيفة ‘نيويورك تايمز’. تركيا والربيع العربيويرى روبرت فيسك في صحيفة ‘اندبندنت’ ان الدور التركي في الازمة السورية هو جزء من دورها البارز في ظل الثورات العربية، ويشير الى انه في الوقت الذي يقول فيه طيب رجب اردوغان ان عدم وجود بترول في سورية هو سبب عدم اهتمام الدول الغربية بعمليات القتل في سورية الا ان كل الصحف التركية تتكهن عن عملية تركية في سورية، من خلال تطويق منطقة داخل سورية على الحدود. ويقول ان هناك غضبا حقيقيا على سورية في داخل سورية مشيرا الى تصريحات عبدالله غول، وطيب اردوغان لان سورية رفضت المبادرة التي تقدمت بها انقرة، كما ان تركيا تريد اعتذارا كاملا من الدولة على ضرب قنصلياتها وليس من وزارة الخارجية، تماما كما فعلت مع اسرائيل بعد هجوم الاخيرة على قافلة الحرية. ويقول ان هناك حديث عن وقف تركيا تزويد سورية بالكهرباء مع ان من سيتضرر هم الفقراء لا الحكومة.
وفي الوقت الذي سحبت فيه عددا من دبلوماسييها في سورية الا ان سفارتها وقنصلياتها لا تزال تعمل بشكل كامل. ويقول ان ما يتحدث عن الفرنسيون والاتراك بينهم هو كيفية توحيد المعارضة السورية لتجنب ما حدث مع الليبية قبل سقوط القذافي، كما ان تركيا تتعامل مع مزاعم المعارضة المسلحة ضرب مركز الاستخبارات بانها مبالغة. ويتساءل عن جدوى عمل المراقبين الذي تطالب الجامعة العربية النظام السماح لهم، وما هي الحرية التي ستتاح لهم ان وافقت سورية على ذلك.
تحقيق في اجهزة تجسسوكشفت صحيفة ‘واشنطن بوست’ عن تحقيق تجريه وزارة التجارة حول بيع شركة امريكية في كاليفورنيا سورية اجهزة استخدمت للتجسس على معارضي النظام. وقالت ان الوزارة تحقق في صفقة لشركة بلو كوت سيستم في مدينة صانيفيل في كاليفورنيا كان لديها علم مسبق بان اجهزتها كانت ستسخدم لملاحقة المعارضين. وكانت الشركة قد قالت في السابق انها لم تبع انظمة الكترونية لسورية لكنها عادت واعترفت قائلة ان اجهزتها ربما وصلت الى سورية من طرف ثالث، ويحاول المحققون تحديد من قام بتزويد الانظمة التكنولوجية لسورية، خاصة ان امريكا تحظر توريد الكثير من المنتجات لسورية.
وفي بيان للشركة قالت انها قلقة لما يحدث في سورية وانها لا تريد ان تستخدم انظمتها من قبل الحكومة. وطالب عدد من النواب في الكونغرس من اوباما التحقيق فيما ان كانت انظمة تكنولوجية تستخدم في قمع السوريين.