من سخرية المشاهد المنقولة للثورة العربية الحديثة الكثير من صور الآلام المضحكة والأحزان المفرحة، ذلك الذي تنقله تلك الآلة العجيبة والصغيرة التي لا تتعدى بوصة واحدة، بعد ما كان يلزم على المصور أن يحمل جهازا كبيرا ويتحسس المكان المفضل والمشهد الأمثل لنقل صورة لواقع اجتماعي معين، يعتاش منه صاحبه تحت مسؤولية المؤسسة الإعلامية الراعية لوظيفته.
ولكن بعدما انتقلت المشاهد من مجرد صور وأصوات إلى ميدان التسلية والدعابة جعلت تكرارها مضحكا إلى حد بعيد، عملت الكاميرا المخفية، التي تمثل الصورة الخلفية لواقع الحقيقة، على اكتشاف استجابة الممثلين الحقيقيين لدوافعهم الفطرية، من حب أو كره أو قبول ورفض.. وتعدد مواقفهم العشوائية بين لحظة وأخرى دون سابق علم المصور ومآل المشهد في النهاية، شكلت هذه الصور ردود أفعال أصحابها فيما بعد طابعا مميزا لسيرة شخصيتهم في واقع الأحداث وفي الأخير يتقبل الجميع برحابة صدر ورباطة جأش تلك المشاهد المثيرة للجدل.
إن كان هذا المعنى يتوقف على العامة من الناس على الأقل في الجانب الاجتماعي لدى المجتمع الغربي المفتوح المتشبع بنماذج من هذا القبيل، فإن النجوم والقادة والسياسيين قد طالتهم هذه المتابعة الخلفية إما لكشف عوراتهم أو فضح أسرارهم وربما قد تطيح بمستقبلهم إذا لزم الأمر وخاصة في المناسبات السياسية، وقد انتقل الأمر إلى حدود تتبع الحياة الشخصية للأفراد، فالجميع محترز لسلوكه، ولكن الكثير من الأغبياء من يسقط في شراكهم خاصة إذا كانت الكاميرات تتجسس عليهم في كل صغيرة وكبيرة، فقد يكون مشهدا واحدا يكفي للاستحواذ عليهم طيلة حياتهم، ويستفزهم صاحب الصورة والصوت في ممتلكاتهم و أرزاقهم. وقد شكلت الكاميرا المخفية نمطا غريبا ومستفزا لمشاعر وتقاليد المجتمع العربي، وخاصة إذا تعلق الأمر ببعض القادة العرب الذين ينظر إليهم من الجانب المغلق والمحافظ على العادات والتقاليد أثناء العديد من اجتماعاتهم السرية التي أصبحت في ما بعد علانية بنقل مشاهدهم المضحكة في مناقشاتهم و قراراتهم ومشاجراتهم داخل قاعات الملتقيات والاجتماعات، وهنا سجلت عليهم ضربة موجعة لكرامتهم وشخصياتهم. ربما كانت هذه الممارسة تثبت ازدواجية المعايير لدى الشخص أو الفئة الواحدة وتقديمها بصورة هزلية للآخرين في للاطلاع على تناقض المواقف وتباين الآراء بين لحظة وأخرى وفي موقفين متشابهين لنفس الصورة.
يحدث هذا في الحالة الاجتماعية العادية العامة، ويتقبله الجميع بصورة نمطية معينة في مجتمع مفتوح ويمثل ذلك قبول الآخرين طبيعة الاختلاف السائد في المجتمع. أما في العالم العربي الذي قدم الثورة العربية للعالم بأسره كنموذج مثالي حضاري فإني على يقين هذه المرة أن الكاميرا المخفية لم تتخلف على هذه الثورة كثيرا، إذ شكلت صورا كاريكاتورية على أحداثها المنقولة من الدول الشقيقة والصديقة وبواسطة صحافيين مبتدئين أو محترفين يتسلون بتعذيب نماذج بشرية ومن مختلف الفئات العمرية على اعتبار أنه سبق صحفي لا مثيل له وأنه لا يوجد من الآخرين من ينقل صورة بهذه الجرأة إلى الآخرين، وبصوت فكاهي وعلى قنوات فضائية ـ ليمثل كاميرا علانية وليست مخفية على مرأى ومسمع الجميع ـ فهل صدقت تلك الصور على أنها مأخوذة من كاميرات خلفية؟
وقد أخذت منحى التكذيب القطعي عند الموالين للنظام تارة والتصديق الحرفي لدى المعارضين الراديكاليين، والكل يشكك في المشاهد التي ينقلها الطرف الآخر ويقوم بتكرارها كأنها عفوية ولكنها مقصودة لإثارة الشفقة وتنبيه المشاهد كي لا يذهب بعيدا فسوف تعود الصورة بعد قليل أبشع من سابقتها وأفظع من أختها لتصبح الكاميرا المخفية الفضائية قناة لمشاهدي المستقبل.
وعلى ما يبدو فإن الثورة العربية قد يربت على كتفها ويمسح على رؤوس ثوارها ويشكرها الإعلام الأرضي والفضائي والرقمي على مشاركتها في الكاميرا الخفية التي أصبحت إسفينا يغرز في صدور الآخرين المخالفين، بعد هدوء عاصفتها وعودتها إلى أدراجها، نخشى ذلك ونتمنى أن لا تصدق علينا حيلها ولو مرة واحدة. باهي لخضر التبسي – الجزائر