بعد الخطاب الملكي في التاسع من مارس الماضي ظننا أن المغرب سينفتح على الديمقراطية الحقة. وكنا ننتظر مرور الفترة الزمنية للتصويت على الدستور الجديد من أجل البدء في مرحلة المحاسبة والمتابعة وبناء المغرب الجديد مغرب لجميع المغاربة وليس مغرب بعض الأحزاب الهرمة.
اختار أغلب المغاربة الدستور الجديد كسفينة نحو بر الأمان من أجل غد أفضل لكن يبدو أن هذه السفينة لم تبحر بعد؟ وطاقمها لم يتغير بعد؟ بل أنها لا تزال بعيدة كل البعد عن شواطئ الديمقراطية. بدأت الحملة الإنتخابية أكثر همجية من سابقتها، إستغلال بشع لظروف الفقراء من طرف بعض ممثلي الأحزاب. نفس الأوجه القديمة والتي كنا نظن أنها ستقدم للعدالة ليس للمحاسبة فقط وإنما من أجل إعادة أموال الشعب التي نهبوها قبل الربيع العربي. ولكي تكون عبرة لكل مسؤول قادم؟ فلا محاسبة تمت؟ ولا أموال إسترجعت؟ ولا عبرة إتخدت؟ ولا مفسدون منعوا من الترشيح؟ بل إن خطابات الإصلاح تراوح مكانها؟ لم تشفع لشعب المغربي المسكين والمغلوب على أمره مقاطعة الإنتخابات في المرحلتين الأخيرتين، حيث أن نسبة التصويت في الإنتخابات التشريعية الماضية لم تتجاوز الثلاثين في المئة بمعنى أن قرابة سبعين في المئة غير مؤمنة بالإنتخابات إطلاقا. أما الأن وبعد أن إنكشفت الأمور على حقيقتها فإن نسبة المقاطعة ستكون اكبر بكثير مقارنة مع سابقاتها. المغرب مقبل على كل المفاجأت بعد الخامس والعشرين من الشهر الجاري فخلال الشهور الماضية ساعدت مراحل عدة كل من يريد إبقاء الوضع على ماهو عليه مثل عملية الدستور الجديد، والأن الإنتخابات التشريعية وثورة ليبيا كلها عوامل ساهمت بشكل أو بأخر في تمديد نفس لوبي الفساد في المغرب، لكنه في الوقت ذاته ساهمت كذلك في نفاد صبر من يؤمنون بالإصلاح. دار لقمان ما زالت على ماهي عليه. والشباب هو من صنع التاريخ والشيوخ منهم من تواطأ ومنهم من وجه الشباب في الخفاء. واليوم سيفرز لنا برلمان مغربي بنفس الأوجه إن لم تلتق فيه العائلات وهي عادة إكتسبها البرلمان من حكومة عباس الفاسي أو بالأحرى عدوى إنتقلت من الحكومة إلى البرلمان. كثرت الولائم تحت أنظار السلطة المغربية التي تقول للغرب انها تطبق الديمقراطية وتظن الحكومة المغربية أن مباركة ساركوزي ستظل تغطي الشمس بالغربال. بالرغم أن السيد ساركوزي يعمل ليل نهار لصالح الشعب الفرنسي، وقد مرر أكبر صفقة في عصره المتمثلة في قطار تي جي في؟ الحكومة المغربية قبل أن تبحث من أين ستدفع ديون قطار سريع لا يتماشى وسرعة حكومة عباس الفاسي عليها ان تبحث له عن ركاب؟ فاتورة ‘تي جي في’ في فرنسا هي65 يورو لشخص أي ما يعادل 700 درهم مغربي، ومن هنا يتضح أن الحكومة لا تعيش واقع الشعب المغربي. وحتى إذا ركب المواطن القطار السريع فعليه أن ينتظر أمام الإدارة البطيئة؟ فما الفائدة في السرعة إذا كان المقصود بطيء أصلا؟ ونعلم مدى الإزدحام وطول طابور المواطنين امام الإدارة. جميل أن نساير الركب الدولي، لكن يجب أن تبنى له قاعدة أساسية تنبني على محاربة الفقر وتجسيد العدالة الإجتماعية ونزاهة القضاء حتى تكون يده الطولى على كل من ينهب خيرات الشعب المغربي. جميل كذلك أن يعرف الشعب المغربي، سواء من خلال برلمانه الهرم أو حكومته [التي تملك أغلبية عائلية مدهشة] عن تفاصيل صفقة ‘تي جي في’. الشباب المغربي بكل مكوناته، سواء الصحراوية أو الأمازيغية أوغيرها. عليه أن يكون قوة وطنية صلبة في وجه كل من يريد أن يلعب بمستقبله. المغرب بلد للجميع ليس حكرا على حكومة معينة ولا حزب معين ولا على جيوب مقاومة تريد أن تفقر الشعب على حساب أبنائها الذين يدرسون في الجامعات الفرنسية والأمريكية والبريطانية وأبناء الشعب عرضة للمخدرات وقوارب الموت والسجون.
المغرب مقبل على الكثير بعد 25 نوفمبر وخاصة حركة 20 فبراير التي أصبحت تكسب قوة الطرح النضالي يوما بعد يوم أمام مفارقات الحكومة والوعود الاصلاحية المتهالكة. بل كل ما يقع الأن يزكي طرح حركة 20 فبراير ويجعل الشعب يلتف حولها يوما بعد أخر. مهما كثرت النعوت المخزنية لها. لكن الواقع هو الحَكم النهائي. والواقع لا يبشر بالخير بتاتا. الأموال توزع في الحملات الإنتخابية داخل الولائم التي يقيمها بعض المرشحين والسلطة الوصية تقف في وضع المتفرج والحكومة تلقي المحاضرات عن نزاهة الإنتخابات المقبلة. مفارقات عجيبة تفرض علينا جميعا أن نخرج أنفسنا من هاته الأسطوانة المشروخة ونحمل الدولة مسؤلياتها في بناء المؤسسات، لإن ما بني على باطل فهو باطل.
محمد الفنيش[email protected]