قصتان قصيرتان’ جدا

حجم الخط
0

صلاةمحمود الرحبي’فرش السجادة واستعان بحدسه في تحديد الجهة الدقيقة للقبلة.

وقبل أن يبدأ، حوم نظرته في محيط الغرفة، فوقعت عيناه على مشهد خزانة زوجته الراحلة.

تزوجها بعد أن قطع بصحبة والده مسافة أربعة أيام وهم يعبرون فوق ظهر دابة، من قرية إلى أخرى ويستريحون في كل منها. كان يبدو وكأن الجميع يعرفهم، حيث يبسطون لهم ‘سريعا موائد الطعام حتى دون أن يسألوا عن أسمائهم، ولا يفارقونهم إلا بشق الأنفس وطول جدال. وفي رحلة العودة، بعد أن ‘اختار’ قرينته التي لم ير وجهها بعد، كان سارحا يرسم صورتها في خياله، حين تمايل كالرأس السكران، الهودج الذي كان يحمل العروس وكاد أن يسقط من على سنام الجمل إلى الأرض، لولا أنه فز من شروده وسرحانه، وانطلقت فحولته وهو يدفع متسارعا رجليه ويديه ليلتقط عروسه، فيسقط ‘الشال الأخضر الذي كان يغطيها. وهنا ظهر له وجهها لأول مرة وقد اصطبغ بالخجل وبصفرة الورس، وعيناها الكحيلتان ويداها المخضبتان بالحناء، كانت تلك الخفقة الأولى لقلبه والتي استمرت تلاحقه طيلة حياتهما معا.

ماجت دمعتان في محجري عينيه، وهو يشيح بوجهه عن ‘خزانة الذكرى، ناحية ‘القبلة حيث أقام صلاته.’2ـ أسوار.- لقد مات الحارس العجوز، وأنا الآن أعمل مكانه.

ذهل ‘لما سمعه، ولكنه رغم ذلك كرر رغبته في الدخول بإلحاح.- افتح الباب يا بني هداك الله، ساعة سأقضيها هناك ثم أخرج. – قلت لك ممنوع الدخول، اذهب من هنا.

قال الشاب عبارته المرسومة تلك بصرامة.

ذهل الشيخ في مكانه غير مصدق، لعدم تمكنه من الدخول للمكان الذي اعتاد أن يقضي فيه ساعة التأمل كل مساء. ثم تلفت بضيق وكأنما يبحث عن شيء يسعفه في تحمل تلك الصدمة التي هجمت عليه كريح ثقيلة، وعزى نفسه متكلفا الظن بأنه ربما أخطأ المكان، لكن إشارات كثيرة: أشجار تطل بأياديها من السور وخرير ماء يصل صوته دون انقطاع، وظلال معرشة، كلها كانت كفيلة بأن تذكره بأوقات قضاها هناك بصحبة ذلك الحارس المرح. خرجت من صدره زفرة حارقة، فتراجع مبتعدا عن المزرعة ثم ما لبث وأن عاد وكأنما تذكر شيئا، دار دورة كاملة حول سور البستان ثم جمد نظرته على عش النوارس التي ‘كان يرقب حركاتها بصحبة صديقه الراحل، فرآه فارغا مهجورا. ظل ‘هناك متأملا من خارج السور، ولكن الحارس اقترب منه ووقف أمامه من خلف حديد السور ودون أن يحدثه، ثبت نظرة صارمه كالقبضة في وجهه.

احتار الشيخ في اتجاهه، ولكنه قرر أخيرا أن يشق طريقه إلى المقبرة ليقضي ساعة هناك ‘متأملا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية