رحاب أبو هوشرقصة طاقية الإخفاء، الشهيرة في أدب الأطفال، استحوذت دائما على أفكاري ومخيلتي، قرأتها المرة تلو المرة في طفولتي، أما الطاقية ذاتها فقد لازمتني كهاجس زمنا طويلا، ولم أزل أتوق في لحظات دقيقة خانقة، لامتلاكها هي وكثير من المستحيلات التي يبتكرها الخيال البشري، رغبة وعجزا معا.
في شطحات خيالي، كنت أعثر عليها كمن وقع على سر لن يفصح عنه لأحد، أرتديها، وما إن تمسني كضربة ساحر، حتى يتلاشى كياني المادي فورا، وأتمتع بسطوة اللامرئي بين مرئيين، وأصيح بالنصر: أنا الآن حرة، أعبر الحواجز الزمنية والمكانية، أخترق الأسوار العالية، أفتح الأبواب الموصدة، وأشرع الشبابيك على حواف الشمس، أتلصص على العوالم المخبوءة خلف الجدران، أهتك المستور والغامض واللامألوف والممنوع والمراقب والمكروه، وأدرك خفتي وقوتي مرة واحدة، دفعة واحدة، في لحظة امتلاك وجوه العالم ما خفي منها وما أعلن.
طاقية الإخفاء المشغولة بمخيلة مرهفة، تكثف طاقة اللامرئي الحرة، وهي تنساب برشاقة في مسام المرئي المبقع بالتكرار وهزال المعنى، وافتقاد الدهشة، مثل الأشعة الحمراء وهي تخترق الجسد الصلب، المتقن الخلق، تنزع عنه بشرته، ثم طبقاته كلها، طبقة إثر الأخرى، تجول في الأعضاء بحثا وتنقيبا وتلصصا، وتنتابها لذات ولوعات، وتنقبض اشمئزازا وخيبة. تهتك أقصى نقاط عريه حتى العظم، بسطوة وقوة لن يلحظهما جسد محكوم بكينونته المادية المرئية، رابض في اعتلال حواسه، ولا يكشف أو يقول إلا بأنين مبهم، أو بجرح يدمي النسيج الأخرس، ثم تخرج منه منسلة بخفة، كذلك دون أن يعي، وقد انتزعت اعترافات الألم.
كلما أوغلت القيود في المرئي، صار الإنسان مأخوذا بسحر الطاقية، ونشوة التخفي، تغريه لعبة تبديل المواقع، واختبار الأدوار بين مرئي ولا مرئي، والوقوع في فخاخهما، في مطاردته الشقية للحرية. ننزع الطاقية، ونضعها في حقائبنا عند السفر، على سبيل الاحتياط! إلا إذا كان المكان الآخر موثوق الغربة، لا وجوه فيه نعرفها وتعرفنا، وملامحها على الأرجح لا تشبه ملامحنا، ولا أماكن تركنا فيها ماض من الذكريات واللحظات. في المكان الغريب، متسع رحب للامرئيين، ستغدو أجسادنا أكثر خفة في فضاءاته، وزمننا أسرع، والسير في الشوارع متحرر من أعباء أماكننا. تدخل وتخرج من مقر إقامتك، كما لو كنت شبحا، لن يستوقفك أو يدقق في ملامحك أحد، وفي الزحام قد يصطدم كتفك بآخر، سيعتذر بشكل آلي، ويمضي، وفي المقهى، تتناول قهوتك الصباحية، وحيدا صامتا، وعلى مقربة منك جماعات تتسامر، ولا ينبئ شيء أنها تلحظ وجودك، إلا إذا ارتكبت حماقة! لتتأكد أنك محض شبح! في المكان الغريب، هامش للامرئيين، قد يبدأ متسعا للهاربين من وطأة المرئي، ثم يضيق حد الاختناق، تتفقد أعضاءك وتود الصراخ: إنني هنا بينكم، كائن مرئي. في قيعان المدن وشوارعها المعتمة، وفي أزقة الأحياء العشوائية، المقفرة إلا من الشظف والبرد وانعدام العدالة، وفي الغرف الموصدة المخفية عن الأنظار في المنازل الفاخرة، وفي طوابق التسوية في الأحياء الراقية، ثمة لامرئيون، ستثير سخريتهم قصة طاقية الإخفاء، يعيشون عراة أو شبه عراة من إنسانيتهم، اهترأت جلودهم البشرية أو جردوا منها، خرمشوا بشرة واقع، عبث نظامه الاجتماعي بأعضائهم وخياراتهم ومصائرهم منذ لحظة لا يتذكرونها: أطفال شوارع، متسولون، متشردون، عاهرات، جانحون، لقطاء يضرسون حصرم أبائهم وأمهاتهم، مجانين، مرضى، منبوذون، لفظهم النظام وأعوانه. هامشيون أكثر مما يحتمل هامش وضع خارج إطاره ‘المحترم’. لا يراهم أحد، وينكرهم تواطؤ الجميع، مهما ارتفع صراخهم، ومهما بالغوا في قسوة عريهم، لكي يكشفوا عرينا الأخلاقي، أو ليحظوا بالتقاط صورة بألوان حقيقية، إنهم لا مرئيون بوجه يفوق احتمالات طاقية إخفاء.
وأخطر اللامرئيين، جهاز سلطة يرسل أدوات قمعه، كالماسحة الضوئية على حيوات الشعوب، يصادرها ويرهبها، ويجمد الكلمة في أفواهها، لتصاب بشلل الخوف وتتعايش مع عاهة البكم. جهاز شبحي هائل، لم يكن بإمكان الناس تحديد موقعه، أو وصف ملامحه، بعد أن نجح في بث ذبذبات الرعب في أرواحهم، وصار إليهم أقرب من حبل الوريد، كم يشبه الموت إذن! له مذاق الجليد في الأسماع، ورعشة الكهرباء في الأوصال.
ولكن ثمة فرق بين جهاز يوهم باستحالة الإمساك به ورؤيته، وما بين شعب لا مرئي بصفة الحقيقة لا الوهم، ذلك هو التبرير الوحيد لقتل الشعب السوري اليومي بدماء باردة، ثم الاحتفال والرقص فوق الجثث، ثم إنكار القتل. لم ير الجهاز القاتل الناس منذ خمسين عاما، فهو من ابتدع صفة الأرقام للناس، معتقلين ومقتولين. أرادهم دائما كتلة بشرية غامضة، تمضغ الخوف والصمت، أو تصفق وتهلل، أو تموت. واليوم يريدهم كتلة مضرجة، لكن الدماء مرئية كما لم يتوقع وفوق احتماله أيضا.