عمان ـ ‘القدس العربي’ ـ من سميرة عوض: ارتكز د.
حسام اللحام في دراسته للرؤيا في شعر خالد جبر على خمسة محاور؛ هي: المعجم اللغوي، وشعرية العنوان، والإيقاع، والصورة، والرمز التراثي. وهي كما يرى تنسج خيوط الرؤيا كاملة، تلك الرؤيا المتمثلة في ‘ثنائية الحضور والغياب’ وتظهر تجلياتها في المحاور الخمسة جميعها. جاء ذلك في ندوة أقامها منتدى الرواد الكبار في إطار برنامجه ‘مبدع وتجربة’ للشاعر د.
خالد جبر الذي قرأ ثلة من قصائده، كما قدم الناقد د.
حسام اللحام ورقة نقدية حول تجربته، الأمسية التي أدارها الشاعر عبد الله رضوان، استهلت بكلمة لرئيسة المنتدى هيفاء البشير.’نحرص على أن يظل منتدى الرواد الكبار دائما واحة ثقافة وحرية وإبداع، يغتني بحضوركم وبمشاركتكم جميعا في أمسياتنا الأدبية والثقافية والفنية، لتقديم ما هو جميل ومتميز’، تقول هيفاء البشير، وتزيد ‘نسعد هذا المساء باستضافة واحد من رموزنا الثقافية المعروفة، الشاعر د.
خالد الجبر المعروف بتعدد عطائه، والناقد الأكاديمي الجاد في دراساته وأبحاثه وهو د.
حسام اللحام، الذي سيغني أشعار (الجبر) توضيحا وتحليلا وربطا، ليتعاضد الشعر مع النقد، فيتحقق الإبداع في بعديه الشعري الجمالي والنقدي التحليلي’. يحاول د.
حسام اللحام في ورقته المعنونة ‘تمثلات الرؤيا في شعر خالد جبر’ استكناهها اعتمادا على دواوينه: حداء المسافة، بكائية أخيرة، إيلاف، ومقامات الياسمين. ولتحقيق هذه الغاية، ترصد الورقة التطورات أو التحولات الفنية التي أسهمت في تشكيل الرؤيا، كما تتناول المعجم الشعري؛ بوصفه مؤشرا لسانيا أو مفتاحا تأويليا دالا على أبعاد التجربة. ويعضد ذلك كله تحليل أبرز الظواهر الأسلوبية التي جسدت الرؤيا؛ وهي: شعرية العنوان، الإيقاع، الصورة، الرمز التراثي، التناص.
حين طلب مني تقديم قراءة نقدية لشعر خالد الجبر، عدت إلى مجموعاته الأربع متناولا الرؤيا الشعرية، في خمسة محاور؛ هي – بعد المقدمة المتعلقة بمفهوم الرؤيا – : المعجم اللغوي، شعرية العنوان، الإيقاع، الصورة، الرمز التراثي. ولكن الوقت المتاح لا يسمح إلا بخلاصة المقدمة والقسم الأكبر من المحور الأول:
المعجم اللغوي. وهما – فيما أرى ـ يقدمان تصورا عاما عن الرؤيا في شعر خالد الجبر.
الفن رؤيا… والشعر رؤيا: هذا هو التعريف الأبرز للفن وللشعر في النقد الحديث، كما يقول اللحام، وقد اتخذ ما يشبه الطابع الاصطلاحي لدى نقاد الحداثة ومنظريها وشعرائها. وهو يشهد حضورا واسعا في الدراسات النفسية والفلسفية والجمالية. هكذا، وبكلمة واحدة ‘الرؤيا’ نكتشف- أول وهْلة – أن إنسان هذا العصر قد استطاع الإمساك بما كان مستعصيا قبْله على التحديد؛ وكأن هذا التعريف رد حاسم على منْ يزعم أن ‘جميع المحاولات لتعريف الفن تعريفا عقليا باءت بالفشل كما فشلتْ محاولات تعريف الحياة’؛ متعللا بالخاصية الروحية للفن، وهي الخاصية التي تسمه بالغموض؛ وتجعل ‘جوهر الأعمال الفنية’ غامضا غموض المعتقدات القلبية وغموض الحس الداخلي بالحرية’. ولعل مما يعضد هذا الرأي تشظي مفهوم ‘الرؤيا’ إلى رؤى متعددة ومتباينة، وهو ما يجعل من ‘الرؤيا’ مفهوما عائما وفضفاضا. وهذا ما يمكن ملاحظته لدى النظر في تعريفات الرؤيا في النقد الحديث. (أبرز تعريفاتها الحداثية والفلسفية). إن إخضاع الشاعر لغته حتى توافق صيغة تجربته هو ما يدفع القارئ لاكتناه هذه التجربة؛ لأنها الشاهد على إبداعه؛ فليس حافز القراءة ما يفضي به الشاعر من أفكار أو عواطف، أو أحلام، أو تأملات، بل قدرته على صياغة هذه كلها بلغة تستدعي القارئ إلى نارها، وتفتح له آفاقا فسيحة للقراءة النشطة المنْتجة، وتتيح له التأمل في تلك اللغة التي تجسم رؤيا الذات الشاعرة؛ لأن الرؤيا لا تتم إلا باللغة، وهي – تأسيسا على هذا الفهم -التجسد الحسي للفكر والشعور وهي قدرة تركيبية؛ وليست هلوسة، أو جموحا عاطفيا؛ بل مباطنة للوجود والموجودات ببصيرة نافذة. انطلاقا من هذا التوجيه لمفهوم الرؤيا؛ ستتم معاينتها في شعر خالد الجبر؛ وهي تجد تمثلاتها في أعماله الشعرية الأربعة: (حداء المسافة)، (بكائية أخيرة)، (إيلاف)، (مقام الياسمين). ولكنْ يسبق ذلك التنبيه على أن تجربة الجبر لا تنحصر في هذه الدواوين؛ فثمة شعر نشره، ولم يضمْنه أيا منها؛ وهذا من المؤكد ليس من باب النسيان أو الخطأ المطْبعي، لكنه موقف واختيار، ومن ثم تبدو خيوط الرؤيا الشعرية عنده؛ فقد شاء أن يتخلى عن بدايته الخارجية ليعبر عن تجربته الداخلية، ولا يعني هذا انقطاعه عن الواقع؛ بل التحامه مع ذاته وبناء واقعه الخاص الذي هو بالضرورة واقع إنساني، بيْد أنه يتسم بالخصوصية الفردية التي ينْماز بها الشاعر – بفضْل لغته الخاصة – عن غيره من أفراد المجتمع. ويلتقي الجبر في هذا الموقف -وهو موقف فني/ فكري -مع شعراء آخرين آثروا الانحياز إلى الإبداع الذاتي، متخلين عن الخطاب الجماهيري، على الرغْم من أن هذا الخطاب كان سبب الشهرة والانتشار في البدايات التي ظلتْ تطارد مبدعيها، وهو ما ينطبق ـ تحديدا على محمود درويش ـ الذي كانت تستفزه رغبة الجمهور في الغناء لهم بـ ‘سجلْ أنا عربي’. وقد رزح طويلا تحت وطأة الشعور بضرورة التخلص من هذا الصوت الذي ينتمي للذات الجمعية ويذوب فيها على حساب أناه أو ذاته الفردية. وهذا ما يجده القارئ عند خالد الجبر، ولكن بعيدا عن الأضواء التي أحاطت بدرويش، ومن المفارقات أن الشعر الذي اطلعت عليه للجبر في غير هذه الدواوين هو ما نبه عليه خالد نفسه في أحد كتبه النقدية؛ فقد أشار فيه إلى قصيدة نشرها في مجلة الفجر الأدبي التي كانت تصدر عن صحيفة الفجر في فلسطين؛ عام 1987، وقد رد فيها على درويش في قصيدته (سجل أنا عربي) متناصا معه، فيها، بقوله: ‘فسجلْ إنني لاجئ’ . كان لا بد لي من الإشارة إلى هذه الزاوية التي من شأنها أن تضيء للقارئ الطريق لتقصي جوانب الرؤيا كاملة؛ لأن هذا التحول الذي لا يتسنى اكتشافه في الدواوين الأربعة ليس هو التحول الوحيد الذي يكشف عن خيارات الجبر في استعمال النمط الشعري لإغناء تجربته التي ربما تشهد تحولات جديدة. فإذا كان الارتداد إلى الذات قد تحقق في ديوانه الأول (حداء المسافة) بالصوت الغنائي الذاتي الخالص، فإن الديوان الثاني (بكائية أخيرة) يمثل انقلابا على هذا الصوت؛ بالتحول إلى قصيدة القناع المتعددة الأصوات إذ خفف بها من حدة الغنائية الذاتية التي تمثلت ْفي (حداء المسافة)، وقد لامس في معظم قصائد (بكائية أخيرة) الواقع الماثل؛ وانغمس في قضاياه. ومن اللافت حقا أن هذا التحول لم يدمْ طويلا، لأن الشاعر قد ارتد مرة أخرى إلى الصوت الذاتي في ديوانه الثالث (إيلاف)، وكرس هذا الصوت في ديوانه الرابع(مقام الياسمين)؛ وكأنه ـ فيما يبدو -قد استقر على هذا الصوت؛ وليس من قرينة مانعة من التحول إلى نمط تعبيري مغاير؛ ذلك أن الذات في تنويعاتها أو تقلباتها تلك لم تكنْ تلهث خلف أنماط جاهزة، إنما هي تبحث عن مكافئ لتجربتها، فتحولها من صوت لآخر هو تبع لتحول فكري شعوري في الدرجة الأولى. ولا ريب في أن للواقع سلطته على الذات ـ ولا سيما في (بكائية أخيرة). ولكن الذات -مع ذلك- تشكله -لحظة الكتابة- بالطريقة المثْلى التي لا تجد أفضل منها لتنحل فيها. إن الديوان الثاني (بكائية أخيرة) كان فاصلا آنيا بين الديوان الأول (حداء المسافة) والديوانيْن: الثالث (إيلاف)، والرابع (مقام الياسمين). وكأن الديوان الثاني قد شطر الذات ونأى بها عن تمثل عالمها الأثير؛ ولهذا عادت إليه سريعا؛ لتعانق الذات ذاتها مرة أخرى بغنائيتها المرمزة، والملفعة بالمجازات التي تمكنها من العبور إلى كنْه الوجود في نوع من مباطنة هذا الوجود وموجوداته، وفي تأمل صوفي شفيف بدأ انفعالا في (حداء المسافة)؛ لأنه بداية الطريق إلى الحقيقة، ثم اتخذ بعْدا تأمليا في (إيلاف)، وتبلور في شكله الأمثل في (مقام الياسمين). إن هذا الانشطار الذي يتمظهر في حضور الصوت وأحاديته، وغيابه وتعدديته؛ هو أمر متحقق كذلك في البنية اللسانية التي تنصهر فيها عناصر اللغة المختلفة المجسدة لرؤيا الذات. وهذا ما يجعل قصائد الشاعر رغم تباين أصواتها وإيقاعاتها أيضا، تندغم في وحْدة دلالية قد يؤدي انتزاعها من سياقها/الدواوين، إلى إفراغها من حمولتها الدلالية وشحْنتها العاطفية.
ومع اعتقاد اللحام بسلامة مفهوم الرؤيا وتبنيه في عنوان هذه الدراسة، إلا أنه نبه على أن هذا المفهوم غامض غموض الفن ذاته، منتهيا في هذه المسألة إلى اعتماد تعريف شائع في الدرس النقدي الحديث، ويرتكز هذا التعريف على دور الذات الشاعرة في مباطنة الوجود والموجودات لاكتناه المطلق ببصيرة نافذة.
ومما أثار دهشة اللحام انقلاب الذات على ذاتها مرة أخرى ـ وفق تعبيره-، بالعودة إلى الذاتية الخالصة في الديوانين الثالث: ‘ إيلاف ‘ والرابع ‘ مقام الياسمين’؛ وهو ما دفع اللحام للاستعانة بالسياق الخارجي لتفسير هذه التحولات الجذرية. كما بين اللحام أن التقابل والتجاور في شعر خالد بين مفردات المعجم القديم والمعجم المعاصر وانصهارها في بنية واحدة؛ هو دليل آخر على الثنائية التي تجسم عبر اللغة المركبة ذاتا مركبة أيضا. كما أشار إلى أن ما يلحظ من انتشار مفردات المعجم الجاهلي في شعر خالد إن هو إلا انتشار ظاهري؛ مسوغا ذلك بأن مرجعية هذه الألفاظ في الحقيقة إلى المعجم الصوفي برمزيته، وبذاتية الشاعر خالد، مستنتجا من هذا كله أن الاستغراق في توظيف المفردات الصوفية بما يتواءم مع ذاتية الشاعر، هو رمز على انغماس الذات في بحثها الحميم، وفي سفرها من الفيزيائي إلى الروحي، لاكتناه ذلك العالم المطلق اكتناها معرفيا لا ماديا كما قد يتصور الكثيرون؛ فلا غرابة إذن ـ كما يذهب اللحام – في أن تكون الروح السارية في شعر خالد جبر: قلقة، متسائلة، مشبوبة بجمر العاطفة. وقد أوضح اللحام أن معالجة خالد جبر لهذا القلق وإجابته عن أسئلة الوجود، كان طريقها عنده ـ كما تتبين في لغته- التأمل والحب السماوي بمعناه الإنساني الخالص، وكأن خالد جبر يجتذبنا مرة أخرى – واعيا أو غير واع – إلى عالم ابن عربي /عالم الروح، إلى مفتاح وجودنا على هذه الأرض، وقد أضعناه في مصانع الأسمنت المسلح، وفي المولات، وفي ناطحات السحاب، وهو في هذا كله منسجم مع روح الفن الذي يبقى شهادة ضد محدودية الإنسان ونسبيته، وتحديا للرؤية المادية لكون بلا إله.
المعجم اللغوي: خمس كلمات استوقفتني وبين اللحام أن المعجم اللغوي في شعر خالد الجبر التدليل على دور البنية اللسانية في تمثيل رؤياه، ممثلة بإيراد الكلمات التي تشيع في شعره. وهذا لون شائع في الدرس النقدي الحديث؛ وهو يسعف في التماس الرؤيا الكلية التي تتضمنها الأعمال الشعرية؛ إذ تشير هذه الكلمات مجتمعة إلى الدوائر التي تشكل الرؤيا المشفرة. وستكتفي هذه الورقة بالتمثيل بخمس كلمات استوقفت الباحث؛ لكثرة ترددها في أعمال الجبر؛ وهي مؤشر على كثافة شعور الذات بمنْطويات هذه الكلمات، كما أنها تعمق من دلالة الانشطار الذي جسده الفصل الآني بين الديوان الأول والثالث والرابع. (تحليل جدولي إحصائي). يبدو الديوان الثاني ( بكائية أخيرة ) معزولا من حيث انخفاض نسبة التردد، على حين ترتفع هذه النسبة في الدواوين الأخرى. إن الدلالة التي يشف عنها هذا الجدول الإحصائي تكرس ما سبقت الإشارة إليه من حيث طغيان الصوت الذاتي في الديوان الأول والثالث والرابع؛ إذ تنتمي الكلمات في هذا النمط الشعري إلى المعجم الرومانسي، وهي ـ كما سيتضح لاحقا ـ من مفردات الرومانسية الرمزية الصوفية؛ وهي حينئذ ستتبدى في صورة رامزة تتطلب أفقا تأويليا أبعد مدى مما يبدو للنظرة الأولى. ولعل مما يفسر انخفاض نسبة حضور هذه المفردات في الديوان الثاني (بكائية أخيرة) ارتداء الذات القناع الرمزي الملتبس بالواقع المادي وبالذات الجمعية التي انخلع منها الشاعر في ديوانه الأول (حداء المسافة)، وها هو ذا يعود إليها في ديوان (بكائية أخيرة). إن المعجم اللغوي في شعر الجبر لا يمكن تجاوزه في أثناء الإشارة لرؤياه الشعرية؛ صحيح أن الرؤيا متشظية في البنية، والبنية هي جماع العلاقات القائمة بين المفردات، ولكل مفردة موضعها في النص، وهي منصهرة في البناء الكلي المنتج للدلالة، ما يعني أن النظرة إلى المفردة لا تتم إلا في بعدها البنائي. ومن ثم تبدو خطورة النظر إلى المفردات منعزلة عن سياقها. ولكن النظر كذلك إلى انتشار مفردات بعينها في شعر الجبر، والإلحاح على استعمالها، مع ملاحظة اتساع معجمه اللغوي وأفقه المعرفي، لا بد أنْ يلفت نظر القارئ؛ لأن ذلك يسْهم في إبراز المناخ الشعري السائد في أعمال الشاعر، على معنى انكشاف الروح التي تستأنس بهذه المفردات، وتجد نفسها مستغرقة في الاحتضان الشعري لها. مع أنها قد تكون في غير عالم الشاعر المادي، وبعيدة عن إحساس العصر، لكن الشاعر هنا يستدعي قارئه إلى عالمه بلغته التي هي فكْره. ومن ثم يجب التريث في الحكم على استعمال المفردات، والنظر إليها في إطار البنية الكلية التي تنطوي في ثناياها على بعْد حضاري يشمل الزمن الذي يعيش فيه الشاعر، وحركته الإنسانية التي تمتد جذورها إلى أبعاد سحيقة في التاريخ. فالشاعر ليس نتاجا ماديا تبدأ صلاحيته في لحظة زمنية معينة وتنتهي بلحظة أخرى، بل له حضوره الإنساني الممتد وخصوصيته الذاتية وفرادته الشعرية. وما ينطبق على الشاعر في هذه الحال ينسحب على القارئ أيضا؛ فهو مرتبط في تأويلاته بالبناء اللغوي الذي يعكس الانتماء الحضاري؛ لأن اللغة ـ ومنها لغة الشاعر – لا تنشأ في فراغ بل في وسط اجتماعي وثقافي له سماته وتميزه. ويمكن النظر- بناء على ما تقدم – إلى تلك المفردات التي تتقابل وتتجاور في شعر خالد مذكرة في شكلها الخارجي – بالانشطار الصوتي: بين غنائي ذاتي خالص، وغنائي قناعي رمزي منغمس في الواقع؛ لكنه يتحد في المحصلة النهائية تحت عنوان الذات المنقسمة بين ثنائية الحضور والغياب؛ وهي الثنائية التي ستمتد بظلالها في أعمال الشاعر كلها.
وهي في هذا تكشف عن مكابدة الذات التي تعبر في تنويعاتها الصوتية واللغوية عن رغبة الاتحاد والانسجام الروحي. وتبدو تجليات هذه اللغة المتقابلة والمتجاورة في الاستخدام اللغوي الكثيف للغة المعجم القديم / الغياب، والتحامها في وحدة بنائية مع لغة العصر/ الحضور. مما يوقع القارئ في حيْرة التأطير؛ إذ ليس في مكنته اعتساف الأحكام بوسْم لغة الشاعر بالتراثية أو المعاصرة؛ لأنهما معا في شكل متحد يولدان لغة الذات المنقسمة الساعية إلى الاتحاد. إن هذا التصنيف مؤشر على اندغام القديم بالمعاصر، وعلى بناء مركب لذات مركبة، وإذا كانت اللغة في بهائها الأسمى هي بؤرة الاهتمام في الشعرية المعاصرة؛ وهو ما يتطلب قدْرا عاليا من توظيف الصورة البكر والانزياح التركيبي المنتج، إذا كان الأمر على هذا النحو وهو كذلك، ففي شعر الجبر ما يحقق شروط الشعرية المعاصرة؛ وهذا ما ستكشف عنه الدراسة في تحليلها لـ: شعرية العنوان، والإيقاع، والصورة، والرمز. على أن ذلك لا يعني غياب البعْد الجمالي في توظيف المفردات القديمة أو العادية أو المحكية؛ لأن البنية هي الأساس والجوهر في التعامل مع المفردات. كما أن البناء الشعري في نظر القراءة المعاصرة لا يتطلب أن يكون النص مجموعة من الصور والانزياحات التي لا ينبغي اختراقها بما هو عادي، لأن هذا البناء قد يقويه خلو العبارات من البعد الشعري. ومما لا بد من إلإشارة إليه في دراسة المعجم اللغوي في شعر الجبر ذلك الحضور الواسع للمفردات التي تنتمي للمعجم الصوفي؛ وتظهر تجلياتها في ديوان ‘حداء المسافة’ ‘وإيلاف’ و ‘مقام الياسمين ‘. ويمكن إدراج المعجم القديم الذي رصده الجدول المتصل بألفاظ الشعر الجاهلي ضمن المعجم الصوفي، لا المعجم الجاهلي؛ وإن كان ظاهر الألفاظ يرجع بها إلى ذلك الزمان؛ لكنها في شعر الجبر منصهرة في المعجم الصوفي الذي استعار الشكل الحسي؛ لبناء رموزه؛ كي يفتح بها آفاق التأويل، ويمتد بالنظر إلى فضاءات أخرى: روحية وفكرية؛ فالروح الصوفية ماثلة بألفاظها في شعره؛ وهي تتشكل في أبنيته الخاصة وأفقه الذاتي؛ و ليست استنساخا لتجارب غيره، وهذا لا ينفي التقاءها في كثير من جوانبها مع روح هذا الشعر، وخاصة في سمته العامة من حيث انتماؤه للشعر الميتافيزيقي الذي يعد فهما عاطفيا للفكر. وشعر الجبر ـ في هذا ـ يتقاطع مع الشعر الصوفي في نماذحه الرفيعة التي تجسد شعورا صافيا بالوحدة الشاملة التي تضم الكائنات جميعها في نسيج متلاحم’. وهي وحدة تتشكل بتجاوب الحسي مع الروحي؛ بغية الوصول إلى الغائب الغائر في أعماق المجهول؛ وذلك عن طريق المعرفة الباطنة، لا عن طريق الامتزاج المادي كما قد يتصور الكثيرون؛ فإن هذا التصور يسطح الرؤيا ويطفئ نار المعرفة. ويذكرنا هذا التقاطع بـ ‘ثنائية الحضور والغياب’؛ ذلك أن الاستغراق في توظيف المفردات الصوفية بما يتواءم مع ذاتية الشاعر هو رمز على انغماس الذات في بحثها الحميم، وفي سفرها من الفيزيائي إلى الروحي؛ لاكتناه ذلك العالم المطلق. فلا غرابة إذنْ في أنْ تكون الروح السارية في شعر الجبر: قلقة، متسائلة، مشبوبة بجمر العاطفة، لكن سبيله إلى معالجة هذا القلق والإجابة عن أسئلة الوجود؛ ليس العربدة، أو المخدر أو الحشيش، وليس الارتهان إلى طقوس التشرد والارتماء على الأرصفة والطرقات، أو إنكار الإله؛ بل التأمل، والحب السماوي بمعناه الإنساني الخالص.
ود.
حسام مصطفى اللحام مواليد عمان: 20/2/1965 يحمل دكتوراة لغة عربية: تخصص البلاغة العربية / الجامعة الأردنية، يدرس البلاغة العربية، في قسم اللغة العربية – جامعة الإسراء، صدر له العديد من المؤلفات النقدية منها: البحث البلاغي في معجم أساس البلاغة، دار فضاءات، عمان، 2006، وصدر له شعرا: (ضياء وعتمة) دار الينابيع، عمان -2000- بدعم من وزارة الثقافة، (اثنتا عشرة عينا) دار يافا العلمية ـ 2011 – بدعم من وزارة الثقافةقصائد الجبر: سفر نحو الطفولةوكان د.
خالد الجبر ألقى ثلة من القصائد المتباينة في أجوائها، جال فيها في أماكن طفولته، مرورا بالمقامات، صعودا نحو الصوفية، تارة بالحداء، وتارة بالغناءـ وتارة بإلقاء مميز، وظف فيه طبقات صوته المدربة على الإلقاء، فحصد إعجاب جمهور المنتدى، ومنها: مقام السحاب، نشْوة شفيفة، مقام النجْوى، مقام العاشقين، امرأة ياسمين، علموه كيف يجفو… ، من أين جئت؟
، للصباح تنفس… ، قلمي لمْ يخنْ. ويذكر أن الجبر يحمل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها (النقد العربي القديم)، الجامعة الأردنية 2002، أستاذ مشارك بقسم اللغة العربية- جامعة البترا، غزير الانتاج، على صعيد الكتب المحققة، والمقالات المحكمة، يجمع في اهتماماته الأدبية بيت القديم والحديث، وهو ما ينعكس على لغته الشعرية، صدر له شعرا: (حداء المسافة) 2002، بدعم من وزارة الثقافة الأردنية، (بكائية أخيرة) 2003، (إيلاف)، صدر عن دار ورد، عمان، 2007، و(غواية الياسمين)، 2011. وفي قصيدته ‘مقام السحاب’ يقول الجبر: ‘طفْل يحاول… / ثم تخذل مقْلتيْه قواه/ وكأنما المطر الشهي صلاته/ وسحابه مولاه/ للريح أغنية الصباح تقله/ ما بين قافيتين/ يدنو، ثم يرنو/ لا سماء لأرضه اليبس البعيدة/ لا فضاء يزجه في اليم/ أمسية ويتركه الحنين سواه/ منْ أي أرض جاء يحمل قلبه/ ليصيبه وجع الحنين إلى الصبا/ وترده نحو الرمال يداه؟’.