خفيفاً من الاسم

حجم الخط
0

أمجد ناصر

لشخصٍ مثلي سلخَ أكثر من نصف عمره خارج وطنه، تتحول الذاكرة إلى وطن آخر. لكنَّ الذاكرة، لسبب ما، لا تميِّز بين ما هو ‘حقيقي’ وما هو مختلَق أو متوَهَّم. الأكيد، بالنسبة لي، أنه لولا تلك الذاكرة لتضاعف منفاي القسري أو المختار، لا فرق.

في تلك الذاكرة التي بنت وطناً، كما يحلو لها أن تفعل، تثوي بضعة أسماء أولى. كانت ‘الأسماء’، أصلاً، قليلة، لا أقصد أسماء الناس، فتلك كثيرة دائماً، ولكن الأسماء التي تؤسّس وتصنع فرقاً في قلب التراكم والكثرة. الأسماء التي يقيَّض لها أن ترود مناطق وتعبِّد دروباً وتؤشر إلى أفق. من بين تلك الأسماء: رفيق اللحام. كانت الأسماء قليلة. فالطرق بالكاد قد عُبّدت ليمشي فيها آخرون، بل بالأحرى، ليسهل المشي فيها. كانت هناك ضرورة للعزق والتجريف والتسوية وتحديد الجوانب والاتجاهات. ذلك يشبه بناء بلد أيضاً. العجيب في أمر رفيق اللحام، ورفاقه الأُوَل، أن ســــيرتهم هي نفسها، تقريباً، سيرة بلاد. لذلك ليس غريباً أن تحتفظ ذاكرتي، ذاكرة الابن، بأسماء (وصنيع) الآباء، أولئك الذين صنعوا بلداً حديثاً، بلداً يخرج من رحم الولادة (الطبيعية أو القيصرية) ليشبَّ سريعاً، ليقف على قدمين بدتا لأول وهلة غير قادرتين على حمل جسم راح يكتسي عظماً ولحماً وثقلاً وحضوراً. لاسم رفيق اللحام في ذاكرتي قرائنه وأشباهه في الحضور والصنيع: عبد الرحيم محمود، محمود سيف الدين الإيراني، عيسى الناعوري، توفيق النمري.. إلخ.’ ‘ ‘لم يكن لطفلٍ أردني مثلي أن لا يمرَّ، حتى من دون أن يعرف، بعمل لرفيق اللحام. قد لا يكون عملاً تشكيلياً. بالتأكيد ليس كذلك، فلم تكن أعمال فنية من هذا النوع كثيرة الشيوع في مكان ذي أولويات عيش أقل ‘ترفاً’ مما كانت عليه العاصمة: أقصد مدينة الزرقاء. لم تكن الزرقاء مدينة حقيقية بعد. كانت ما تزال أقرب إلى البلدة، لكنَّ طفلاً، مثلي، لا بدَّ أنه مر بملصق أو رأى طابعاً أو تصميماً طباعياً من دون أن يعرف أن صاحبه يدعى ‘رفيق اللحام’. هكذا كان رفيق اللحام موجوداً في حياتنا قبل أن نعرف اسمه. كان موجوداً في ما لا يسمّى. ثم راح الاسم، مع توجُّه الطفل الذي كنتُه إلى مشاغل ثقافية، يتضح ويظهر. فعندما أخذت بتلمُّس طريقي إلى الكتابة راحت دائرة المعرفة تتسع أكثر وجعلت الأسماء تكرُّ. أدين، في الواقع، بمعرفة أسماء بعض التشكيليين الأردنيين إلى كتاباتٍ لفنان تشكيلي وناقد فني هو عبد الرؤوف شمعون. كان شمعون أول ناقد تشكيلي أقرأ له في الصحافة الأردنية التي لم تكن تولي هذا الفن (أسوة بالمجتمع آنذاك) اهتماماً كبيراً في سبعينات القرن الماضي. ولا أستبعد أن تكون معرفتي بأعمال رفيق اللحام ومحمود طه ومهنا الدرة عائدة إلى كتابات شمعون في ملحق ‘الدستور’ الثقافي الذي كان يشرف عليه المرحــــوم خليل السواحري. كانت تلك فـــترة الانهــــماك الأدبي والفني بالقضية الفلسطينية. وكانت الساحة الأردنية الأكثر تأثراً، بالتأكيد، بالتراجيديا الفلسطينية وصعود الثورة. فهل كانت لوحات رفيق اللحام التي كرسها لمدينة القدس هي الأعمال الأولى التي أراها له؟ من المحتمل. لكن اسم اللحام، كرائد تشكيلي، ترسّخَ في ذاكرتي.’ ‘ ‘سيمضي وقت طويل جداً، لسوء حظي، قبل أن ألتقي رفيق اللحام وجهاً لوجه. حدث ذلك عندما نهض رجل جليل من بين حضور ندوة عن روايتي ‘حيث لا تسقط الأمطار’، في عمان، ليسألني عن الخط العربي، ثم ليحث مسؤولي المنتدى على تخصيص ندوة عما يعانيه هذا الفن العربي الرفيع من إهمال وعزلة، بل عما تعانيه الحروف العربية نفسها من غربة في بلادها. كان ذلك الرجل الذي يدخل الثمانين بهدوء وسكينة هو رفيق اللحام!

كان علي أن أغتنم لقائي بالاسم والوجه معاً. فسررتُ عندما دعاني إلى بيته الذي يليق به وصْف ‘متحف’ لأعماله وأعمال غيره من الفنانين العرب الكبار. دهشت لما عرفت أن تلك الأعمال التي يغص بها المنزل ليست سوى جزء بسيط مما لدى الرجل من أعمال تمثل مراحل مختلفة من مسيرته، فهناك بيت آخر قد يكون هو متحفه الشخصي. بشغف شاب في العشرين من العمر، بتدفق كلامه المنتقل من موضوع إلى آخر في سباق مع وقت اللقاء الضيق، طاف بي رفيق اللحام على الأعمال المعلّقة على جدران بيته وتلك التي يتراكم بعضها فوق بعض في إحدى غرف البيت. مسيرة طويلة قطعتها ريشة رفيق اللحام مذ كانت تفتش عن طريقها بين طرق عدة اقترحها التشكيل العربي المنبعث من صدمة اللقاء مع المدارس التشكيلية الأوروبية. مما هو قريب من التعبيرية إلى التجريد، من هواجس الهوية العربية إلى الأثر النبطي، من البورتريه إلى معالم المكان، من اللون والريشة إلى الحفر، تنقَّلت لوحة رفيق اللحام باحثة عن أفق جديد لتجربة لا تكلُّ عن السعي وراء الجمال. تجربة في حالة سيولة، روح وثّابة لا تقبل الركون إلى المنجز والمتحقق. ففي بعض أعماله التي رأيتها في منزله، ولم تُعرض أغلب الظن، شعرتُ بأن للرجل الذي يتقدم إلى الثمانين بثبات، روحَ الهاوي الذي لا يسجنه أسلوب ولا يَحُول بينه وبين مغامرته الفنية اسمه الرائد المكرَّس. ولأن روح البدايات تسكنه، لا يشعر رفيق اللحام بثقل السنين ولا بسطوة المنجز. هكذا يتقدم خفيفاً إلى لوحته كما يتقدم إليك خفيفاً عندما يلاقيك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية