بوعز بسموت ـ القاهرةالقاهرة مدينة غير سعيدة جدا في هذه الايام. ففي الوقت الذي ألفوا فيه في تونس وليبيا هذا الاسبوع حكومة ولبسوا لباس التفاؤل، وبُشروا في اليمن بالمغادرة النهائية للرئيس المتلوي عبد الله صالح، عاد المصريون للتظاهر في ميدان التحرير من اجل الديمقراطية. بيد أن ‘الديمقراطية’ في هذه الاثناء نبتت لها لحية.
لم أر في مصر هذه المرة الحماسة ووحدة الصفوف اللتين ميزتا مصر ثورة مبارك في الشتاء الذي اعتبر آنذاك ‘ربيعا’. لثورة الطنطاوي وجه آخر، شتوي. لا يتحدث أحد اليوم في مصر عن ‘ربيع’ حتى لو كان ذلك هزلا. لأن مصر هذه المرة مقسمة، ومصر خائبة الأمل وعديمة التوقعات ومذعورة وعنيفة وانتهازية ومتألمة. انها مصر التي حل محل لباس الخاكي، لون الجيش الذي يُجلونه أكثر من كل شيء خلال الثمانية عشر يوما من ايام تلك الثورة في شهري كانون الثاني وشباط، حلت اللحى. لحى كثيرة. لحى ‘الاخوان المسلمين’ لكن لحى كثيرة ايضا للسلفيين. وهي لحى اتحدت لتنظف مصر لا من مبارك وحده بل من التراث ايضا. وهي لحى تعد بأن الامر سيكون خيرا لأن ‘الله أكبر’. لم يعد ميدان التحرير رمز ثورة مصر الثانية. ما يزال الآلاف يتدفقون حقا منذ ساعات الظهر الى الميدان الذي قد يكون الأشهر في العالم، لكن في الثورة الثانية هذه التي تحدث اليوم والتي هي أشد قتالية توجد جبهة أمامية. وقد أصبح ميدان التحرير جبهة خلفية يجيئون اليها بالاولاد ايضا. أما الجبهة الأمامية فهي شارع محمد محمود الذي يفضي من الميدان الى وزارة الداخلية. فهناك المصادمات الشديدة بين المتظاهرين والشرطة، وهناك المعارك وهناك الجرحى وهناك القتلى. أقامت واحدة من الشبكات المصرية عدسة تصوير في الشارع وتبث مدة 24 ساعة ما يحدث هناك. والصور تحث الشباب فقط الذين يحثون من جانبهم رجال الشرطة. وأبو الهول وحده في مصر اليوم هو الصامت.’أرني جواز سفرك’، يطلب إلي جمال وهو شاب مصري من خريجي ثورة التحرير، متزوج ووالد لاثنين، حينما أردت أن ادخل الميدان بعد وقت قصير من وصولي العاصمة المصرية في يوم الاثنين هذا الاسبوع.’لماذا؟’، سألت. ‘نحن لا نريد صحافيين اسرائيليين’، قال. وأجابني عن سؤالي لماذا: ‘اسرائيل تساعد الجيش’. وتنضم اليه ليلى وهي طالبة في قسم الصيدلة فتقول: ‘اسرائيل ليست صديقة الشعب المصري، انها تساعد الجيش الذي يطلق النار علينا. فما الذي يمكن ان نتوقعه من دولة تقتل جنودنا؟’.’اسرائيل تقتلنا”إنتظر، أريد أن يريك شخص ما انجازاتنا’، يضيف جمال. ‘احتللنا كيلومترا ونصف الكيلومتر. أريد أن ترى ما الذي يفعله هؤلاء الكلاب’. والكلاب، لمن لا يعرف بعد هم رجال الشرطة الذين لا يحجمون اليوم من وجهة نظر الجمهور المصري عن القتل كما كانت الحال قبل تسعة اشهر ـ لكن مع فرق واحد فقط ـ أن هذا يتم هذه المرة برعاية الجيش لا مبارك. ‘أنظر كيف يُصفون حساباتهم معنا منذ ذلك الحين’، يقول جمال، ‘لكننا لا نخشى الموت. فما الذي عندنا نخسره؟’. يأتي أسامة وهو طالب هندسة ليرافقني الى شارع محمد محمود. وليس عندي اختيارات كثيرة. من الصعب أن أرفض الاقتراح. فما زلت لا أعلم الى أين أدخل. يمكن عن مبعدة عشرات الأمتار أن كل شيء يحدث هناك حقا. فهناك غيمة تغطي المكان. ويغطي الغاز المسيل للدموع الذي تطلقه الشرطة، الشارع. قال لي أسامة: ‘إشتر قناع غاز’. واكتفي بقناع اطباء يوزع في المكان على كل متظاهر بالمجان. وأرى كيف يتحدى المتظاهرون الشباب وهم احيانا في الثانية عشرة من أعمارهم في الأكثر، يتحدون رجال الشرطة على الجانب الثاني. وأراهم يهجمون أفواجا أفواجا. وآنذاك تأتي بسرعة دراجات نارية تعيد الجرحى من ميدان القتال وتنقلهم الى مستشفى ميداني أُقيم في المكان. والضجيج عظيم والاضطراب غالب.
لكن يمكن أن نشعر بأن ليس المتظاهرون جميعا يعملون على نحو عفوي. ففريق من المتظاهرين منظمون وهم أصحاب اللحى. فهؤلاء يأتون جماعات. وتشارك النساء الملتفات بالسواد في المظاهرة. لا يمكن في الايام العادية تصوير نساء مسلمات تقيات. وهذه المرة لا يهربن من آلة التصوير بل بالعكس يبحثن عنها. ليُظهرن أمام عدسة التصوير الخرطوش الذي أطلقه الجنود. ‘أنظر الرصاص من امريكا ومن اسرائيل وايطاليا’، يقول لي شاب يعرض الخرطوش الفارغ.
من المحزن ان نرى مصر في هذه الايام. فهي لم تعد مصر موحدة الشباب والجيش والاخوان المسلمون. والتقسيم اليوم واضح: فالجيش في القصر و’الاخوان’ في الميدان والشباب في مقدمة الجبهة في شارع محمد محمود. تجولت في النهار والليل في الميدان وصورت بالطبع. وأراد رجل بلباس مدني أن يعلم لأية جهة أصور. ويقنعه مرافقي بأنني ‘نظيف’.’ماذا قال؟’، سألت رفيقي جمال. ‘اعتقد أنك جاسوس جئت لتثور الجماهير’. اسرائيل اليوم 24/11/2011