شحاتة عوض الثورة تعود لصانعيها، تعود لاصحابها الحقيقيين، وسماسرة السياسة وأصحاب الدكاكين يختفون من الميدان، والمجلس العسكري لايزال يخطىء الحسابات والعناوين… هكذا تبدو ملامح المشهد الثوري في مصر الان مع إندلاع الموجة الثانية من ثورة المصريين التي أطلقوها يوم 25 يناير الماضي. فبعد عشرة أشهر يعود صانعو الثورة ونواتها الصلبة من شباب مصر النبيل الجسور إلى ميدان التحرير لاستعادة ثورته التي تخاطفتها الأيدي ما بين طموح العسكر الذين لم يدركوا حتى اللحظة أن هناك ثورة جرت على أرض هذا الوطن، وبين إنتهازية السياسيين وحساباتهم الضيقة.
والسؤال ليس لماذا عاد هولاء الثوار إلى الميدان بل لماذا تأخروا في العودة؟ فكل المؤشرات وكل المقدمات التي شهدتها مصر خلال الاشهر العشرة الماضية ومنذ إسقاط الديكتاتور، كلها كانت تقودنا إلى هذه اللحظة التي يشهدها ميدان التحرير الآن. غالبية القوى السياسية وما يسمى بالنخب السياسية، تعامت أو تجاهلت وأغضمت العيون، سواء عن عمد أو عن حسن نية، ومنذ سقوط مبارك، كل محاولات الإنحراف الواضح بمسار الثورة والرغبة في الالتفاف عليها من جانب المجلس العسكري وبعض مستشاري السوء من حوله سواء عبر التنكيل والقمع والتشويه الذي تعرض له شباب الثورة أو عبر إنفراد العسكر بكثير من القرارات التي صنعت على عينهم ووفق هواهم ومصالحهم. بعض هذه القوى غلبته إنتهازيته السياسية التاريخية وحساباته الضيقة، فسارع إلى عقد تفاهمات أو توافقات/ سمها ما شئت/ مع المجلس العسكري لاقتسام السلطة وتوزيع غنائم ثورة لم يصنعوها، وبعض من هذه القوى التي خرجت من بالوعات النظام السابق ومن مجارير أجهزته الامنية، لم تستوعب أنها يمكن أن تعيش بدون سيد تخدمه أوصنم تسجد له وتنافقه فاستبدلت مبارك بالمجلس العسكري، وراحت تزين له قراراته بكل ما فيها من أخطاء وخطايا، وتشجعه على البقاء في السلطة بإعتباره المخلص والمنقذ والجهة الوحيدة التي يمكنها أن تنقذ البلاد من الفوضى التي حذر منها المخلوع عندما خّّير المصريين بين بقائه في السلطة وبين الفوضى. وبين الانتهازيين وصنائع أجهزة الامن بقى فريق من السياسين مخلصا للثورة لكنه بقي الأقل تأثبرا وجرى إبعاده عمدا لأن صراحته وربما شجاعته لم تعجب العسكر فتم عزله ورفضت نصائحه وأفكاره حول طريقة إدارة المرحلة الانتقالية ومعالجة ما وقع خلالها من اخطاء أفرغت الثورة من مضمونها وولدت شعورا لدى الجميع بأن مبارك ونظامه لايزال يحكم مصر حتى اللحظة سواء عبر رجاله الذين مازالوا يسيطرون على كل مفاصل الدولة، أو بنفس العقلية البليدة البائسة التي أرودت البلاد والعباد ما نحن فيه من بؤس وتخبط.
وهكذا وجد شباب مصر الثائر المخلص لثورته، نفسه عاريا من أي غطاء في مواجهة نظام مستبد فاسد، سقط رأسه وبقي جسده متمددا في كل ربوع الوطن بآلته القمعية التي عادت مرة أخرى أكثر قوة لتنتقم من الثوار وتقمع وتقتل. بقي النظام بألته الاعلامية الداعرة التي يمولها المصريون الفقراء من جيوبهم لتمارس عليهم كل أنواع التضليل والكذب والعهر الإعلامي، وبقيت شبكة مصالحه الاقتصادية والمالية الهائلة دون أن يمسسها سوء. وجد هولاء الثوار أحلامهم التي ثاروا من أجلها تتبخر في الهواء واحدة تلو الاخرى ودماء الشهداء الذين ضحوا بارواحهم تستصرخهم الا يفرطوا، وتمددت مخاوفهم وهواجسهم وشكوكهم في إخلاص الحكام الجدد لهذه الثورة أصلا، رغم أنهم يستمدون شرعيتهم منها. ومع مرور الوقت تحولت الشكوك إلى حقائق ساطعة بأن الثورة لا تسير في طريقها الصحيح، وتأكدت المخاوف بأن ثمة رغبة صريحة في الالتفاف عليها وتحويلها من ثورة تريد إسقاط النظام إلى حركة احتجاج تريد إصلاح النظام والفارق هائل كما هو معروف بين الامرين. صرخ هولاء الشباب بأن ثورتهم تسرق في وضح النهار. هتفوا بأنهم لم يخرجوا للشوارع بصدروهم العارية ولم يرق دمهم على اسفلت شوارع وميادين مصر لكي يسقطوا مبارك ويبقى نظامه، فلم يتلفت اليهم أحد، فالعسكر كانوا منشغلين بتأمين مكانتهم ومصالحهم ومكتسباتهم الحالية في النظام المقبل، والقوى والدكاكين الحزبية وسماسرة السياسة كانوا في دكاكينهم مشغولين بتوزيع الغنائم وتقاسم الارباح والمقاعد، ترادوهم أحلام الحكم والجلوس على عرش مصر بعد ثورة لم يصنعوها وقبل أن تضع هذه الثورة أوزراها.
ثم جاءت أحداث السبت الماضي عندما لجأ نظام مبارك الذي لايزال يحكم إلى آلته القمعية مجددا لسحق وسحل وإهانة عدد من ضحايا ومصابي الثورة إعتصموا في ميدان التحرير لعلهم يوصلون أنّاتهم وشكاوهم لمن في آذانهم صمم من المسؤولين الذين جلسوا على مقاعد السلطة بفضل تضحيات هولاء المصابين. جاءت هذه الأحداث لتدق ناقوس الخطر الاخير لكل شباب الثورة بأن عودوا الى ميدانكم ولا تغادوره أبدا حتى تحققوا كل ما خرجتم لأجله من أحلام في مصر جديدة كليا، وهكذا لم تمض ساعات حتى كان عشرات الالاف يعيدون لميدان التحرير مكانته وشرعيته التي حاول البعض تجاوزها. كانت هذه الأحداث هي لحظة الحقيقة التي سقطت عندها الأقنعة عن وجوه الجميع لكي يستبين الحق من الباطل، وليعرف الناس من مع الثورة ومن ضدها، فسقط القناع عن حكام مصر من العسكر وأدواتهم التنفيذية المسماة مجازا بالحكومة، ليظهر لنا أنهم لا علاقة لهم بالثورة ولا من المؤمنين بها بل ركبوها ليستولوا على السلطة بعد أن سقط سيناريو توريث الحكم من الاب للابن، وأنهم مجرد إمتداد لنظام مبارك، ، فأي ثورة تلك التي تسحل صانعيها؟ وأي ثورة تلك التي يخرج مصابوها وجرحاها للمطالبة بحقوقهم من حكم يفترض أنه يستمد شرعيته منهم؟ أي ثورة تلك التي خرجت للانتصار لكرامة المصريين وحقوقهم في العيش والحرية، فاذا بالة القمع الثقيلة تسقط فوق رؤوسهم، وبدلا من القصاص لشهداء الثورة من قاتليهم، إذا بهولاء القتلة يحصدون المزيد من ارواح الثوار ويصيبون الالاف في صفوفهم.
سقط القناع عن سماسرة السياسة الذين كانوا يتفاوضون مع المجلس العسكري حول الخروج من الازمة بينما شباب مصر وثوارها الحقيقون يقتلون في الشوارع والطرقات وتسحل جثثهم وتلقى على أكوام القمامة. سقط القناع عن هولاء الذين شكلوا بموقفهم هذا غطاء للنظام ليقتل المزيد من الشهداء وخرجوا على الفضائيات يدافعون ويرحبون بما توصلوا اليه من توافقات مع المجلس العسكري في وقت كان فيه القتل لايزال مستمرا. سقط القناع عن وجوه هولاء جميعا وإنكشفوا أمام أنفسهم، فالكثير منهم هم ممن عاشوا في ركاب النظام عقودا طويلة وإقتات على ما كان يلقيه إليه النظام من فتات، ولذلك فقد أنحط سقف مطالبه وفقد أي خيال مبدع حول المستقبل. ولعل في طردهم من ميدان التحرير ومنعهم من المتاجرة مجددا بالثورة ودماء أبنائها، رسالة واضحة للعسكر بأنهم مرة اخرى يخطئون العنوان، فالعنوان ببساطة في ميدان التحرير وغيره من ميادين التحرير في مصر حيث الثوار الحقيقيون وحيث اصحاب الثورة الحقيقيون، رغم ان السؤال سيقى قائما حول قدرة الطرفين على الالتقاء في ظل أزمة الثقة العميقة حاليا لا سيما من جانب الشباب في نوايا المجلس العسكري، وفي ظل الاختلاف الشاسع بين الطرفين في توصيف ما جرى يوم 25 يناير.
إن ما يجري الان في ميدان التحرير وغيره من الميادين في بر مصر هو تعبير ساطع عن صراع بين إرادتين، إرادة الثورة الطامحة في التغيير وتطهير البلاد من نظام مبارك وكنسه كليا، وبين إرادة من يريدون الأبقاء على هذا النظام بكل أدواته القمعية والامنية والاعلامية. وليس ما يقوم به شباب الثورة في هذه اللحظة سوى مقاومة باسلة لمحاولات تحويل ثورتهم من نصف ثورة كما وصفها البعض إلى لا ثورة على الإطلاق، ومن نصف إنقلاب إلى إنقلاب عسكري كامل وصريح، بعد أن ظهر جليا أن المجلس العسكري تحول مع الوقت من طرف يدير المرحلة الانتقالية بشرعية الثورة، الى طرف يسعى لادارة البلاد على طريقته ومقاسه، لكن ما غاب عن المجلس في حساباته تلك، أن الشعب المصري الذي أسقط الخوف يوم 25 يناير، متمسك باسقاط كل نظام مبارك بما فيه من إستبداد وفساد مهما كانت التضحيات، ومتمسك بالقدر ذاته بان يكون هو السيد دون غيره ومصدر الشرعية دون سواه. وأقول لكل القلقين على مستقبل هذا الوطن إن ما يجري في مصر الآن هو مخاض طبيعي بكل ما يحمله من ألم وأنين لولادة نظام سياسي جديد يليق بمصر الجديدة وثورتها، وهذا ما يدركه الكثيرون من المؤمنين بالثورة والخائفين على بلدهم في الوقت ذاته… فعلى ثوار مصر الحقيقيين السلام، والعا والخزي لكل من تاجروا ومازالوا بالثورة ودماء شهدائها وجرحاها. كاتب مصري