نادي الطغاة وعجز الاعتبار

حجم الخط
0

مالك التريكي

كاريكاتور في ‘لوموند’ يصور بشار الأسد مظهرا بطاقة عضويته في ‘جامعة الطغاة العرب’، لكن الضابط الواقف بباب الجامعة العربية، حيث يتراءى خلفه جمع من طغاة البدلات والدشداشات، يقول له: ‘إن بطاقة العضوية هذه منتهية الصلاحية’! الرسالة واضحة: كلهم طغاة. متحدون في الطبيعة مختلفون في الدرجة. أما العضو الذي انتهت صلاحية بطاقته، فإنه لم يفعل سوى أن تجاوز الحد المقبول أو درجة المعقول الطغياني المتعارف عليه بالإلف والعادة والسنن الفرعونية الحميدة. لم يأل بقية الأعضاء جهدا في محاولة استبقاء الزميل معهم عضوا كامل العضوية دائم الصلاحية، عضوا فرحا مسرورا مثلهم. سايروه وداوروه. قدروه ووقروه، خيروه بين أن يلعب لعبة ‘الحوار والإصلاح’ رقم 3 أو اللعبة رقم 45… أو لماذا لا يجرب إن لم يكن لديه مانع اللعبة رقم 81، على طريقة الرجل الصالح المصلح السائم للسلطة في اليمن، فلعلها ألطف الألعاب وأحفظها للمقامات؟ ماذا قلت يا زميل: إلى أي الألعاب والألاعيب ترى هواك يميل؟

خيروه أن يحدد بنفسه الجدول الزمني لتحوله السلحفاتي من طاغية البلاد إلى الرئيس الشعبي المحبوب الذي ‘طغى في البلاد’. تركوا له أمر تحديد وتيرة القبول الطوعي بتخفيف قبضته الخانقة إلى قبضة لا تنفي احتمالات الإفراج عن بعض أنفاس من حياة سياسية. خيروه وأمهلوه إمهالا. إمهال مسلم أمره أبدا لإمهال جديد. إمهال مفتوح كالإهمال. لكن الدكتور لم يفهم فيم تسرعهم وفيم ‘تآمرهم’. لم يفهم. ربما لأن له فهما أعمق وأبعد للأمور. فهو رئيس نابغة منذ أن عرفناه. هو الولد المعجزة الذي سطع نجمه ذات تعديل دستوري اختصر ‘المداولات’ إلى خمس دقائق واختزل سن الأهلية للرئاسة إلى أي رقم يرسو عليه يانصيب الأفراح والأتراح العائلية. ولد معجزة. بدليل محاضراته في مؤتمرات قمة ‘جامعة الطغاة العرب’. حتى أن الحكيم مبارك كان يغتاظ ويغتم كلما تكلم الفتى فأمعن في مرصوف القول الايديولوجي السليم. أعطوه كل الوقت. منحوه أبدا سياسيا، من دون أن يدركوا أن الزمن البشري لا يكفي لاستيعاب ما اقترحوه على نظام الممانعة بالمصانعة من مستحيلات الإصلاح الأثيم.

إلا أنه يبقى رغم هذا كله أن تمسك نظام بشار بالسلطة، بالأسلوب الذي يعتقد هو وبطانته أنه الأجدى والأبقى، هو مشهد أقل سوريالية من مشهد بقية الطغاة وهم يلقون عليه المواعظ: يأمرونه بالبر وينسون أنفسهم! فان تتفضل أنظمة معروفة بتطرفها في عشق ‘الحوار والإصلاح والديمقراطية’، مثل مشيخة البحرين الفاتكة بشعبها أو عسكرتارية الجزائر وموريتانيا أو نظام التصنيع العسكري اللاحربي والتربح الاقتصادي الطفيلي الذي لا يزال جاثما على صدر مصر- أن تتفضل هذه الأنظمة بوعظ النظام السوري ثم بطرده من جنة العضوية في ‘جامعة الطغاة العرب’، فهذا هو عين الانسجام مع النفس (خصوصا أن أولى المواعظ، وهي من جمل ثلاث، قد احتوت – ضمانا للإطراب – أربعة أخطاء لغوية شنيعة مما يعاقب عليه أطفال المدارس). أن تأمر الجامعة اللامعة دمشق بالبر الديمقراطي، وهي التي تضم في عضويتها أنظمة طغيانية في معظم الأحوال وسلطانية في أحسنها – أنظمة فاض بعضها ببدائيته الغريزية عن مشهور التصنيف الأرسطي- فتلك هي ذروة التجديد في التراجيكوميديا… أنظمة لا علاقة بينها وبين ‘الرعية’ إلا العلاقة الريعية القائمة على منطق الرشوة المدعوم بـ’شدة الوطأة’، كما كان يحلو للفقه السلطاني أن يسمي القمع الأبوي المرتاح الضمير.

ليس نظام آل الأسد أسوأ بكثير من الأنظمة الناصحة الأمينة، إلا أنه يمتاز بأنه نظام محظوظ إلى درجة قصوى، ذلك أن التدخل العسكري الأجنبي – الذي تناهضه المعارضة مناهضة مبدئية – مسألة غير واردة (رغم بالونات الاختبار التي يطلقها الإعلام التركي). غير أن المذهل أن نظام العبث السوري المحظوظ بشعبه ومعارضته، وحتى بـ’أعدائه’ الأقربين والدوليين، لا يزال منخرطا في مزاج عنتري من النوع الذي ظل العبث العراقي سادرا فيه من صيف 1990 إلى شتاء 1991- بل هو مزاج دونكيشوتي أقرب إلى النوع الذي أورد القذافي أرذل النهايات. فائض في العبر وعجز عن الاعتبار.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية