سلطان القيسييذهب الشاعر أحيانا في نفسه عميقا، تاركا خلفه ما تآكل من عمره تحت وطأة الذكريات من مخلفات حرب وهزائم عاطفية، وألغاز… هكذا يتفوق على ذاته، يتفوق عليها حين ينسحب منها ويبدأ شوطا طويلا من السخرية، كأن يقول بملء فمه عن مدينته إنها ‘مدينة ابنة كلب’ بكل تفاصيلها، وإنها ترتدي بزة البطل الأسطوري دون أن تأبه لما يمزق جسدها من رماح… هكذا رمى إلينا الشاعر الفلسطيني خالد جمعة بمجموعته الجديدة غير عابئ بما سيترك على وجوهنا من ردة فعل، ‘كما تتغير الخيول’ الصادر مؤخرا عن فضاءات للنشر والتوزيع، تجربة صريحة في التجرد من المعوقات النفسية والاجتماعية للشاعر، إنه تطوير منطقي لمشروع الشاعر الناقد، الذي ينتقد سوءات العالم ويحاربها بجماليات الشعر…. تنفلت قصائد الكتاب الذي جاء في 141 صفحة من القطع المتوسط من يد شاعر، أوغل في الوضوح حين كتب للطفل، وحين ألف الأغنية الشعبية الخفيفة، لكنه هذه المرة قرر على ما يبدو أن يلجأ لذاته ممتثلا لما يمليه عليه غموض قريحته، كإنسان من جهة، وكغزّي من جهة أخرى، فلقد بدا جليا في مفردة الكتاب الجديد زهوُ الغزّيِّ بهزائم أسلافه وإصرارهم على الوقوف حتى وإن كانوا ماتوا منذ زمن، فيقول في قصيدته ‘كما تتغير الخيول’ التي يهديها إلى كل من باسل اليازوري ونصر أبو شاور:’الآن تمر مقطوعا ومنسحقا كأرنب وحيد في غابة للتدريب على الصيد، تمهّد للجنة بكثير من السحر اللغوي لتجذب الأشجار والظل من مكمن الغيب إلى رغبة لا تنال، الورد الكثير في الطريق لا يحمل أية إيماءة مما يحمله الورد عادة وأضيع في محاولتي الألف لاستحضارك من غيب المعارك القديمة’. الكتاب جاء غريبا بكل المقاييس، من حيث غلافه الذي امتاز بسوريالية يسهل تحليلها، وألوان تحاول أن تثبت ثورتها، ومن حيث إخراجه الداخليّ أيضا حيث هبطت القصائد على الورق دون التزام بالصف الشعري المعهود، بل أخذت شكل النص النثري، فجاءت كل جملة من يمين الصفحة ضاربةً أقصى يسارها… كما أنها لم تجئ على نسق التفعيلة أو العمودي كمجموعاته السابقة، إنما جاءت في قصيدة نثر من نوع خاص.. مرتكزة على أسطرة اليوميّ، لتكسر رتابة عانت منها قصيدته لسنوات عدة رغم ما تمتعت به من جمال وفرادة، كما تدور قصائد مجموعته الجديدة حول التخليقات النفسية، وما تركته العزلة الكلية لمدينته / غزة من بصمات على جبينه فلا يمكن للقارئ أن يتخيل الشاعر إلا وحيدا في مدينة كبيرة في جل الكتاب:’تنحت المدينة ظله على الظل، وتودعه حمائم ودوريات شمّت رائحة الغربة في معطفه فتوسلت إلى يديه أن يخبئ أجنحتها في ذاكرته’ثم يواصل:’ينبت الرحيل بين عينيه فجأة كمخلب خرافي يساوم الوقت والوحدة والفراغ كي يعطي المكان شاعريته’هل يعطي الشاعر للمكان الشاعرية، أم أن المكان هو المطالب الأول بمادة الشاعرية وهواجسها؟
؟ أليست هذه وسيلة ناجعة يصور بها خالد جمعة استنزاف الأمكنة والعالم له؟ كل هذا العناء الذي تحمله الشاعر عبر قصائد من هذا النوع، لم يمنعه من أن يرقص مع وحدته ذاتها، وأن يراجع عهد صباه، بما فيه من فرح صبياني لالتفاتة بنت إليه، ومن ممارسات تفضح حبه للحياة ففي قصيدة حقل موسيقى، ينتقى 14 قطعة موسيقية عالمية ويترجمها بكلماته، كما يزود القارئ في مطلع كل قطعة برابط من موقع Youtube ‘يوتيوب’ يعرض ذات القطعة الموسيقية فيبدأ قصيدته هذه بعرس لافيغارو لـموتسارت، ثم الفصول الأربعة لفيفالدي، فشهرزاد لكورساكوف، متجها إلى ‘حطام أثينا’ لبيتهوفن، ثم موسيقى الماء لهانديل فنكتورن لشوبان، كونشيرتات البيانو الاربع لرحمانينوف، والجمال النائم لتشايكوفيسكي، والهولندي الطائر لفاغنر، ثم الدانوب الأزرق، وجبال الألب لشتراوس وحوريات من براندنبورغ لباخ، وكارمينا بورانا لكارل اورف لينتهي بالناي السحري لموتسارت ايضا:’لا يسأل الوقتُ عن أقدامه وعن أي أرض ترتفع نساءٌ فراشاتٌ… وفراشات ٌ نساءطفل بطعم غزالة في مرج تائه….. وينتهي بمقطع يدلل على دورية القصيدة… أو دورية الحياة:
لا أجد زهرة غاردينيا في الحقل، قال لي: هذا حقل نايات حقنتني الكلمات بالدهشة….. تغفر النايات غباء الأسئلة، تعطي الأرض رقصتها الأولى كل مرة هي الأولى الثانية هي الأولى الأخيرة كذلك هي الأولى.. كما يرتكب في قصيدته ‘كبرت وحدها’ الكثير من المراهقات ذات الدفق الشعري العالي، محافظا بها على إنسانيته التي يحاول الاحتلال محوها:
أعرف شارعا منذ كنت طفلا كلما مررت به مرّ بيوزعت كل الحب من قلبي كي ينتهي فعاد لي نهرا.. الورد الكثير في حديقة جارتنا ذبل محتجا لقلة عشقها.. لكنه يستسلم أحيانا بين مقطع وآخر في القصيدة نفسها، التي جاءت إلى جانب قصيدتين أخريين اختتم بها الكتاب على شكل ومضات متلاحقة:
في محاولتي العاشرة للطيران تعثرت بسقف الغرفة تمنيت نهرا وامرأة ولغةفجاءني الشعرصنعت قمرا لصغيرة على الشاطئرمته في البحر وراحت تلعب بالرمل.. ويتضح جليا تمحور الكتاب حول فكرة عالية وجدلية، وهي انتباه الشاعر إلى سقوط القيم، وتغير الخيول التي كانت رمز الشجاعة والأخلاق، لتصبح رمزا للعراقة فقط، بمعنى أن الإنسان الجديد دفن أخلاقه وجعلها من الماضي.
هكذا يقدم خالد جمعة نفسه من جديد على هيئة شاعر يمارس القصيدة كحاجة نفسية، ويلجها مولج اللاجئ إلى ذاته، غير الواثق ربما بموقف حافلة الزمن الآتي…. يذكر أن خالد جمعة من مواليد رفح عام 1965، ويقيم حاليا في غزة، ويعمل محررا لدى وكالة الأنباء الفلسطينية وفا.
شاعر وصحافي من فلسطين[email protected]