لا ادري من اين ابدأ وأية مجزرة اسرد وكيف لي ان ابدأ وانا اعرف ما سأسطر من كلمات سوف لن ترتقي لمستوى الحدث ولا تعبر عما حصل لهذه وتلك الجثث، وعلى الرغم من انني سأكتب بأشمل واوسع لغة عرفها بني آدم، لكنها ستكون امام هذه القضية ضيقة عاجزة عن رسم الصورة الواضحة وابراز الحقيقة الجارحة لما حدث للارض والعرض والسماء والحجر والشجر، وقبل كل هذا البشر الاحياء منهم والاموات من شباب وشيوخ وامهات.
وبما انني لابد لي ان أبدأ فلا مفر من البداية، حين صبت قوى الظلم جام اطماعها على رؤوس الفلسطينيين الآمنين العزل، اذ قررت تنفيذ خطتها المرسومة منذ عشرات السنين والمدعومة من المناصرين والمستفيدين والتابعين، حينها عمد اليهود الى تشريد الفلسطينيين والاستيلاء على ارضهم وهتك عرضهم والتهام كل ما يخصهم، الا ان شعب الجبارين كما اسماه شهيدهم البطل ياسر عرفات – رحمه الله ـ لم يخضع وجابه استنساخ الوصاية على بلاد المسلمين بعد ان كبروا، فالوصاية لا تصح الا على القاصرين، بالإضافة الى ان الاولى بها الاولياء والمقربون، هذا لانها بالبداية كانت كالوصاية، وبعد توالي الاحداث وتتابع الضربات على رؤوس الفلسطينيين وسقوط ورقة التوت عن المؤامرات، اتضح انه غزو همجي يرمي الى ابادة شعب والاستيلاء على ارضه ومقدراته، ولن تكفي هذه المساحة لسرد احداث السنين، الا انها تكفي لرفع اسم الفلسطينيين، المجاهدين الصابرين، المؤمنين الذين رغم بعض السلبيات التي لا ترتقي لسلبيات من هم افضل منهم ظرفا وامنا واستقلالا، الا انهم سطروا ولا زالوا اروع ملاحم الدفاع عن الارض والعرض وجابهوا ما لم يجابهه غيرهم من المسلمين في التاريخ المعاصر من تكالب معظم قوى الاستكبار ومن والاها من الاستصغار، كل هذا وهم لا يملكون اسلحة الدمار ولا يوجد وجه مقارنة بين ترسانة المحتلين الاشرار ومقدراتهم وحجارة الفلسطينيين الاخيار، الا ان الملائكة لا تدعم الا الابرار، الذين ضحوا بالغالي والنفيس من اجل الدين والحفاظ على الاقصى، اولى القبلتين وثالث الحرمين، لا تدفع لهم المعونات من غرب او شرق او منظمات الا وتخللها شروط لتنفيذ اجندات، ولم يجلسوا في اجتماع الا وواجهوا المساومة على الثوابت والوطنيات، لم يشعروا يوما بانهم يدعمون لأجل قضيتهم العادلة واخوتهم بالدين والدم والقومية والتاريخ، بل كان العكس تماما تدفع الاموال وتجير العلاقات لشق وحدتهم وتفريق صفهم وتغيير اجندتهم الوطنية الى الخضوع للوثنية والانحناء للقوى الاستعمارية الاستكبارية، ومن اقرب الناس اليهم من شركائهم بالدم والدين، فما عقد اجتماع لتوحيد صفهم ولا رصدت الاموال لتحرير ارضهم، بل لإجبارهم على تقديم المزيد من التنازلات وقبولهم مبادرات لا تغني ولا تسمن اللهم الا انها تسر الطرف الاخر ولا تحزن، بمقارنة بسيطة تدعم امريكا احتلال الاسرائيليين لأرض فلسطين بالمال المجاني والسلاح.
واخرها اغراءات باستخدام الفيتو ضد قيام اي دولة فلسطينية في حال اللجوء لمجلس الأمن المسيطر عليه من قبل الداعمين لليهود والعاملين على تحويل نشاطه من ارساء قواعد العدالة الى الازدواجية بالمعايير والكيل بمكيالين واهداء طائرات وكتابة تعهدات وارسال المئات من الاسلحة الحديثة كودائع يمكن استخدامها لإبادة الفلسطينيين لتفتيت ما تبقى من ارضهم من فتات واحراق ما ظل من قرآنهم من آيات واضرام النار بمزارهم في وقت قطاف الزيتونات.
في الوقت الذي يتطلع فيه العرب والمسلمون ابناء جلدتهم الى تنظيم السهرات واحياء الحفلات وارساء قواعد الرذائل في بلدانهم والمنكرات، ومع كل هذا حين يسهر الغربي ويسكر ويرقص يزداد تفكيره ويتفتح ذهنه في دعم قضيته، بينما يؤخذ على العرب انهم صاحون كانوا او غير صاحين غالبيتهم تابعون ويفضلون ان يكونوا تابعين، لا ينتظر الفلسطينيون من المسلمين شيئا ايجابيا فتجربة سنين ليس كتجربة يومين، وان تركتموهم وشأنهم وفتحتم عليهم حصاركم وسمحتم لناشطيهم ومناصريهم ان يدعموهم من خلال معبر رفح، فإنهم قادرون على استرداد ارضهم وتلقين درس لعدوهم. الا يخجل العرب حين تقدم امريكا لإسرائيل الاغراءات وهم يملون على الفلسطينيين الاملاءات، طوبى لك ايها الشعب العربي الفلسطيني الابي ولنضالك الذي لقن غيرك درسا في الدفاع عن الدين والوطن، ومهما تكالب عليك الغرب والشرق فلن يشقوا لك صفا ولن يسلبوا لك ارضا، ادهشني ما رأيت على قناة الجزيرة، ذلك المسن الفلسطيني الذي حفر قبره بيديه ليدفن حين يموت بهذه الارض ويكون ضريحه سلاحا بيد ذويه ان هذه ارضهم لان اليهود اعرضوا عن الاعتراف بالملكية والاوراق الثبوتية، انا لست فلسطينيا ولم يكن جيفارا فلسطينيا وكاسترو وغاندي، انما هي المبادئ التي لا تعرف دينا ولاعرقا ولا ارضا، ولا زال الامل موجودا في بعض قيادات المسلمين لإعادة النظر.
مياح غانم العنزي