مارينا لحود أُلقي القبض مؤخرا على سيف الإسلام ومرافقيه بينما لايزال الغموض يلفّ مصير عبد الله السنوسي رئيس مخابرات القذافي هذا الذي زال عن المشهد السياسي الليبي والدُولي بعد أنْ لقيَ مصيراً أليماً ومصرعاً شنيعاً. ويُرجحُ كلُّ من شاهدَ الصورَ التي تناقلتها وبثَّتها وسائلُ الإعلامِ المعاملةَ القذرةَ التي قد يكون تلقاها. لقد خلدَّ في السلطةِ أكثرَ من أربعةِ عقودٍ وكان فيها مُهاب الجانب شرقا وغربا إذ كان العقيد زعيماً ودكتاتورا وشخصيةً مستبدةً. تسلَّم المجلس الانتقالي إدارةَ البلاد بعد زوال العقيد وإعلان تحرير ليبيا ثم بدأ تشكيل الحكومة. ويتألف هذا المجلس من شخصياتٍ شاركت الزعيمَ السابقَ في الحُكم ونفَّذت القراراتَ التي اتَخذَها وأصدرتْ أوامرَ اعتقالاتٍ وأحكامٍ بالإعدام وغيرها من الأمور التي قد تكون دخلت طي الكتمان. ليبيا اليوم تواجه مصيراً محفوفاً بالمخاطرِ. فمن جهةٍ مَا زال الوضع الدَّاخلي هشاً. فالحالةُ الأمنيةُ لم تستقرّ بعد في وقت يخشى فيه الجميع وفرة الأسلحة. فالتدخلُ العسكري للناتو مدَّ الثوار بالعَتاد والمعدات علاوةً على ذخائرِ النظام السابق التي تمَّ الاستيلاءُ عليها. فليبيا اليوم تملك ما يكفي لخوض معاركَ ومجابهة واشتباكاتٍ قد تتفجَّر في أي وقت سواءٌ على الصعيد الداخلي أو الإقليمي. فلم يجرِ البتُ بعد في مسألةِ الأسلحة إما عن طريق التحاق الثوار بمؤسسة عسكرية ضرورية وفورية وإما عن طريق تسليم الأسلحة والتعهد بالعزوف عن العنف والانتقام. فمسألة مصيرِ عدد كبيرٍ من المعتقلين ما زالت عالقةً أو بالأحرى مجهولةً، من جهةٍ أخرى تحدِّق بالبلاد مخاطر خارجية جمّة قد تشكل القاعدةُ أحدها خاصة على المناطق الحدودية المتاخِمة للصحراء. في الداخل تتمركزُ القواعد العسكرية للناتو حتى إشعارٍ آخرَ، أمَّا الشركاتُ العالميةُ للنفط فقد وسعت وحصَّنت مضاجعها بالقرب من الآبار ومواقع الحفر في الوقت الذي تعصف فيه بالأسواق المالية العالمية أزماتٌ لا سابقَ لها. إنها تعيشُ على إيقاعات دائمة التأرجح فلا ترى غير الذهب الأسود.
من الصعب القول أنْ الحافزَ الأساسيَ لتدخل الناتو يمكنُ إنْ يكونَ غيرَ اقتصاديٍّ. إذ يمتاز البلد بمواردَ لا يرغبُ الغربُ في التفريطِ بها بعدما أضاع الفرصة التونسيةَ المصريةَ حيثُ تفجرت أولى شرارات الثورات العربية وحيث اقتلع الحراكُ الثوريُّ رئيسين مستبدين ففر الأول ومازال الثاني ينتظر المحاكمة خلافاً لما حصل في ليبيا وما يجري في سائر شوارعِ البلدان العربية المطالبة بالتغيير. يعيد المشهدُ الليبيُّ إلى الذاكرة النموذجَ العراقي، فالبلدان غنيان بالنفط واختبرا التعسفَ والظلمَ طويلا ولم تتمَّ الإطاحةُ بالنظام فيهما إلاَّ عن طريق تدخل الغرب. لقد جاء الغزو الأميركي بحجة إنقاذ الشعب من الدكتاتورية والقضاء على أسلحة الدمار الشامل التي لم يفلحْ أحدٌ في العثور عليها في حين يشهَدُ البلد يومياً دماراَ وخراباَ بعيدا عن الحـــقول النفطية طبعا. في الحالة الليبيةِ أيضـــا لم يُحسمْ الوضعُ إلاَّ بمساندة الناتو الذي هبَّ لإنقاذ بنغازي من قصف العقيد. حينها دُفعت الأسلحةُ إلى الثوار دون أن يشاركَ حلفُ شمال الأطلسي عسكرياً على الميدان إذ اقتصرت مهمتُه على الضرَبات الجوية. تتجلَّى الأطماعُ الاقتصادية دائماَ عبر التدخل العسكري. إذ في الوقت الذي يطالب فيه الغربُ الدول العربية باحترام حقوق الإنسان كان في الخفاء يبرم العقود مع النظام الرسمي العربي ليتخلص منه بعد نفاذ الصلاحية. ففي الماضي القريب تعاقد الغرب مع القذافي عبر صفقاتٍ ماليةٍ ومشاريعَ تجاريةٍ مشبوهة لحساب شركات دُولية عملاقة فكانت رؤوس الأموال تدورُ مقتصرةً على دائرتين ضيقتين. تدرُّ الأولى على القذافي وحاشيته أموالا طائلة وتستفيد من الثانية شركات عملاقة سريعة التنقل ودائمة البحث عن أماكنَ للاستثمار السهل. فدخول الناتو ليبيا اقتصادي محض لا علاقة له بحقوق الإنسان لا من قريب ولا من بعيد.
إن المخاض الحقيقي في ليبيا ما بعد القذافي يتجلى أساسا في قدرة الليبين على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وهو أمر يتطلب في الداخل تنظيما جذريا لمسائلَ عالقةٍ كثيرةٍ ورسما واضحا لخطوط عريضةٍ تمكن من السير نحو الديمقراطية المنشودة. ففي حال غياب الأسس المتينة للانتقال الديمقراطي يبقى البلد عرضة للنهش والاستغلال داخليا وخارجيا. مرحلةَ ما بعد القذافي إذن أصعبُ بكثير من مرحلةِ القذافي. وخلاص البلد ليس في إعلان الشريعة مصـــــدرا أساسيا لتشريع أو التعريف بليبيا دولة إسلامية خالصة وإنما يكمن الحل أساسا في العمل والتنظيم والقدرة على طيّ صفحة العقيد من أجل أن لا تذهب دماء الشهداء هباء كما عبرت عن ذلك شعارات الثورة الليبية. ‘ كاتبة لبنانية مقيمة في باريس