محمود معروف الرباط ـ ‘القدس العربي’: لم تتحدد بعد ملامح حكومة عبد الاله بن كيران زعيم حزب العدالة والتنمية المغربي الذي فاز بالانتخابات التشريعية فالمشاورات مع الاحزاب التي يمكن ان تشاركه مقاعد اول وزارة بعد الدستور الجديد، بدأت رسميا امس الاربعاء، لكنها مشاورات اولية لجس النبض لتقديم عروضه دون ان يسمع اجوبة نهائية، ودون ان تظهر الافق الزمني لانتهاء هذه المشاورات. وفور وصوله الى الرباط، بعد ظهر اول امس الثلاثاء، قادما على متن طائرة مروحية من مدينة ميدلت وسط البلاد حيث استقبله الملك وعينه رئيسا للحكومة، عقد عبد الاله بن كيران سلسلة اجتماعات مع الامانة العامة لحزبه لوضع تصور لحكومته، عدد حقائبها ومكوناتها السياسية، واكتفت الامانة العامة بالتوافق الاولي على الخطوط العريضة.
وشدد بن كيران ومعه عدد من قيادات الحزب خلال الايام الماضية على تقليص عدد الحقائب الوزارية، وبعد ان كانت الحكومات منذ نهاية تسعينات القرن الماضي تضم اكثر من 40 وزيرا، يذهب بن كيران الى حكومة بـ15 حقيبة وزارية على ان يكون الى جانبها عدد من كتاب الدولة (نائب وزير) الذين حسب دستور 2011 لم يعودوا اعضاء بالحكومة ولا يحضرون المجالس الوزارية. الا ان هذا من الوزراء سيكون ضعيفا امام اكراهات التحالفات، فاذا كان من الطبيعي ان يكون للعدالة والتنمية حصة الاسد بالحقائب، فان للاحزاب الممكن ان تشاركه الحكومة متطلباتها خاصة في خضم المعارك الداخلية التي تعيشها هذه الاحزاب حول المشاركة او عدم المشاركة بحكومة يقودها حزب ذو توجه اسلامي، كان حتى الامس القريب متهما بتشجيع ورعاية الارهاب.
عبد العزيز رباح عضو الامانة العامة لحزب العدالة والتنمية قال لـ’القدس العربي’ ان الحزب فتح الابواب لجميع الاحزاب باستثناء حزب الاصالة والمعاصرة لمشاركته بالحكومة’ واكد ان التوجه الاول نحو احزاب الكتلة الديمقراطية التي نعتبرها تحالفا طبيعيا في حكومة تسعى للاصلاح والبناء’. فقبل بدء مشاوراته لتشكيل الحكومة، اعلن بن كيران استثناء حزب الاصالة والمعاصرة منها، فهذا الحزب الذي اسسه 2008 فؤاد عالي الهمة الوزير السابق بالداخلية وصديق الملك محمد السادس، كان الخصم اللدود والمؤذي لحزب العدالة والتنمية، ادخل ابرز قياداته للسجن وفكك تحالفات اقامها الحزب لتدبير الجماعات المحلية (البلديات) واعتبر منذ تاسيسه ان هدفه اضعاف العدالة والتنمية وحصر امتداداته. وبالتأكيد لولا اندلاع تظاهرات حركة 20 فبراير في سياق الربيع العربي وتوجيه الحركة اصابع الاتهام للهمة ورموز حزبه، وانطلاق مسلسل الاصلاحات الدستورية التي ادت الى الانتخابات، لتحقق للاصالة والمعاصرة هدفه. ولان عبد الاله بن كيران لا يريد ان يطوي الصفحة مع خصمه، قرر وقبل ان تعلن النتائج النهائية للانتخابات ان الاصالة والمعاصرة مستثنى من حكومته.
ولتطويق امكانية فوز العدالة والتنمية بالانتخابات صنع حزب الاصالة والمعاصرة التحالف من اجل الديمقراطية الذي عرف بالجي8 من ثمانية احزاب بقيادة التجمع الوطني للاحرار تمتد من الليبرالية الى التقليدية الى الاشتراكية واليسارية والاصولية، ويعتقد بن كيران ان صلاح الدين مزوار وزير المالية جيء به الى زعامة التجمع 2008 ليخدم فؤاد الهمة لذا المح الى امكانية التعاون مع التجمع دون مزوار.
صلاح الدين مزوار التقط الاشارة وجمع قادة حزبه وقرر عدم المشاركة بالمشاورات حول الحكومة ووضع نواب حزبه في البرلمان على مقاعد المعارضة وقال بلاغ للحزب انه ‘اختار بكل وعي ومسؤولية ودفاعا عن مشروعه الحداثي الديمقراطي الاصطفاف في المعارضة احتراما للمنهجية الديمقراطية وترجمة لنتائج الانتخابات لان ‘المعارضة’ ممارسة تؤسس لديمقراطية فعالة ومسؤولة بوأها الدستور الجديد مكانة متميزة.. التحاق الاصالة والتجمع بالمعارضة لا يعني ان خارطة حكومة بن كيران باتت واضحة، لان اكراهات التحالفات الحكومية تتأى من طمواحات الحزب الفائز وايضا من طموحات الاحزاب التي تعتقد انها هزمت بالانتخابات لكنها ترغب بالمشاركة او يرغب باشراكها وتحديدا هنا احزاب الكتلة الديمقراطية وهي حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم الاشتراكية التي قادت المغرب منذ 1998. ومنذ ان ظهرت مؤشرات فوزه بالانتخابات حرص عبد الاله بن كيران على توجيه الدعوات الى هذه الاحزاب لتكون شريكته، وحزب الاستقلال تجاوب بداية بترحيب كبير الا ان كلا من الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، لم يعبرا بوضوح عن موقفهما وما تخرج من تصريحات هنا او هناك تعبر عن مواقف من يصرح وليس الهيئة التي يشارك بها.
حسب مصادر حزب الاستقلال فالاتجاه العام داخل الحزب هو المشاركة وان كانت هناك اصوات ترفض ان تكون مشاركة الحزب من موقع الخاسر. المخاض داخل الاتحاد الاشتراكي اعسر، فإذا كان مواقف الحزب من العدالة والتنمية لم تستقر منذ سنوات واعتبره في مرحلة من المراحل اداة بيد السلطة لتطويق المد الديمقراطي التحرري فان تحالفت محلية كانت بين الحزبين بعد الانتخابات المحلية 2009 واصوات عديدة ارتفعت بعد انتخابات 2007 تطالب بالتحالف مع العدالة.
وحتى الان الاتجاه الطاغي الظاهر داخل الاتحاد الاشتراكي هو عدم المشاركة ليس فقط لرفض التحالف مع حزب العدالة والتنمية وتذكير بعض اطر الحزب بمشاركة عبد الاله بن كيران في سبعينات القرن الماضي بالشبيبة الاسلامية المتهمة باغتيال القائد اليساري عمر بن جلون 1975 بل الدفع باتجاه العودة الى المعارضة بعد سلسلة الهزائم التي مني بها الحزب على مدار السنوات الـ4 الماضية وان الجلوس على مقاعد المعارضة يساعد الحزب على اعادة تأهيل نفسه واستعادة دوره المجتمعي الذي تقلص كثيرا في خضم المشاركة بتدبير الشأن العام.
لكن الاوساط الحزبية تبدي خشيتها من ان تكون المبررات المعلنة لرفض المشاركة بحكومة بن كيران هي غطاء لتحالف يريده فاعلون بصناعة القرار لافشال بن كيران وحزبه والحاق الاتحاد الاشتراكي بتحالف الجي8 الذي تجد فيه بعض قيادات الحزب مصلحة شخصية لها ويراه البعض خدمة لخصوم الحزب لانه يفكك تحالف الكتلة الديمقراطية الذي استطاع خلال السنوات الماضية تحقيق اصلاحات كبرى بالبلاد.
قيادة الاتحاد عقدت الاثنين الماضي اول اجتماع لها بعد الانتخابات ولم تحدد موقفا وتركته للمجلس الوطني (الهيئة التقريرية) ليتخذ قرارا بعد ان يتضح العرض الذي سيقدمه بن كيران لقيادة الحزب.
ادريس لشكر عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي ووزير العلاقات مع البرلمان قال لـ’القدس العربي’ ان المكتب السياسي سلم مفتاح القرار لعبد الواحد الراضي (الامين الاول للحزب) وعلى ضوء ما سيقدمه له بن كبيران بعد ظهر اليوم (امس الاربعاء) من عرض سيناقش داخل الهيئات الحزبية المختصة. موقف الاتحاد الاشتراكي سينعكس على موقف حزب التقدم والاشتراكية الذي يعرف نفس المخاض وقال ديوةانه السياس انه أنه سيعرض ما أفرزته الانتخابات من نتائج وآفاق المستقبل، على دورة اللجنة المركزية خلال الأيام القليلة المقبلة لاتخاذ المواقف المناسبة في هذا الشأن.
وأوضح بلاغ للديوان السياسي للحزب ارسله لـ’القدس العربي’ أنه ‘لمواصلة المناقشة التي شرع فيها خلال اجتماع يوم السبت الأخير، والمتعلقة بالتقييم الأولي لانتخابات مجلس النواب من حيث الأجواء العامة، ونسبة المشاركة، وما أفرزته من نتائج، وآفاق المستقبل، إضافة إلى تقييم أداء الحزب في هذه المعركة الأولى ضمن المسلسل الانتخابي المقبلة عليه بلادنا، وذلك في أفق عرض الموضوع على دورة للجنة المركزية خلال الأيام القليلة المقبلة لاتخاذ المواقف المناسبة في هذا الشأن’. والديوان السياسي للتقدم والاشتراكية عبر عن ارتياحه لصمود أحزاب الكتلة، وتعزيزها لموقع القوى الوطنية والديمقراطية داخل المجتمع، ‘وهو ما يشكل أفضل جواب للشعب المغربي على التحالف الهجين، الذي سرعان ما بدأ في التلاشي، على الرغم من كل التجاوزات، المصحوبة بالدعوات المبشرة باحتلال الأحزاب المشكلة لهـذا التحالف المراتب الأولى’. الحركة الشعبية التي منيت بهزيمة قاسية قد تدفع بمحند العنصر امينها العام للاستقالة غير مستبعد ان تحمل حقيبة وزارية او اثنتين، حسب حجم الحقائب بل ان هناك من رشح سلفا حسن ابو ايوب السفير المغربي بروما لتـولي حقيبة الخارجية باسم الحركة.
والحركة احتياط ضروري لحكومة بن كيران، فهي وان كانت جزءا من تحالف الجي8 الا انها نأت بنفسها عن معارك ضد العدالة والتنمية، احتياط لانها والاتحاد الدستوري بالنسبة لعبد العزيز رباح تضمن لاغلبية مريحة ضرورية لتقليص المعارضة في مرحلة البلاد بحاجة الى تعميق الاصلاحات وهي احتياط ايضا اذا ما تيار المعارضة بالاتحاد الاشتراكي نجح في ابعاده عن الحكومة.
مخاضات صعبة، لكن عبد الاله بن كيران، يدبرها من موقع الامان ليس فق لان بدائله متعددة ولن يكون رهينة أي طرف بل اساسا كما يقول ربـاح الثقة التي منحته اياه قيادة الحزب وتقلـص طموحات اشخاصها بل ان بعض اعضـاء الامانة العامة رافضون مجـرد التفكير بان يشاركوا شخصيا في تحمل مسؤوليات حكومية حتى قبـل ان يطرح الموضوع للمداولة.