دولة عالم ثالث مع الانكار

حجم الخط
0

جدعون ليفي

كانت هذه يجب ان تكون أمس العناوين الصحافية الرئيسة ويفترض ان تكون حديث اليوم: فخُمس الاسرائيليين يعيشون في خوف من الجوع وعُشرهم يعيشون في عار الجوع. لكن هذا المعطى شبه الافريقي والمأخوذ بيقين من ظلام العالم الثالث، قد حظي أمس بعناوين صحافية ثانوية، وتناول حديث اليوم موضوعات اخرى.

ايران وحزب الله والاخوان المسلمون مخاوف اخرى تُغرس فينا بصورة منهجية متعمدة مقصودة، وبعضها مخاوف باطلة واخرى مبالغ فيها، وفي مقابلها فان هذا الخوف، الخوف من الجوع لكل واحد من خمسة فينا وعار الجوع لكل واحد من عشرة بيننا، لا يهم أحدا سوى ضحاياه. فلهم بطون فارغة لكن ليست لهم أفواه. ولا يعرف أكثر الاسرائيليين الآخرين عمَ يدور الحديث.

بعد كل التبجح بنمو الاقتصاد وبعد كل تمجيد الأثرياء الذي يثير الاشمئزاز وبعد احتجاج الصيف الذاوي والانضمام البراق الى منظمة الدول المتقدمة في العالم، جاءت هذه الأنباء السيئة ولم تصفع وجوهنا. منذ الايام التي ضجت فيها البلاد والتي كانت آنذاك أكثر مساواة، وبازاء اعتراف البنت الجائعة من بيسان، قطعت اسرائيل طريقا طويلا فأصبحت سمينة بليدة الاحساس.

هناك من يهمهم أن نخاف من القنبلة الايرانية ولا نخاف من القنبلة الاجتماعية الزرقاء البيضاء؛ وهناك من يستسلمون في ابتهاج لفعل الطمس والانكار هذا: فالحلم بقصف المفاعلات الذرية في ايران أكثر حماسا من حلم رون نيغر من بيتح تكفا بأن يكون له حساب في البنك. وهناك من يوجهون الى هذا الامر بالضبط: خافوا من الذرة التي ليست هي فعل أيدينا، وانسوا الجوع الذي هو فعل أيدينا، هكذا تسلك نظم الحكم غير الديمقراطية وهكذا تسلك الديمقراطية الاسرائيلية ايضا.

ان حقيقة أنه يوجد بيننا فقراء وجياع كثيرون جدا تُعرض للخطر مستقبل اسرائيل بقدر لا يقل عن الذرة الايرانية؛ وحقيقة ان هذا الواقع يُكنس تحت بساط الخطاب العام تزيد في شدة الخطر. ان يوم غفران اسرائيل التالي قد ينشب من حتسور الجليلية لا من أصفهان. والتاريخ البشري مشحون بأمثلة مخيفة عن شعوب فقيرة وجائعة أفضت بحكامها الى اعمال مجنونة وقد يحدث هذا هنا ايضا بل انه قد صار واقعا هنا.

المعطيات جافة والاحصاء يثير الملل لكن كل خروج من الفقاعة المغطاة اعلاميا الى مناطق اخرى في اسرائيل يعرض الصورة بكامل صراخها.

زرت هذا الاسبوع المحطة المركزية في العفولة التي ليست هي أفقر مدن اسرائيل. وهي محطة عالم ثالث وفيها متاجر عالم ثالث ومسافرون من ذلك العالم. ولا يشبه شيء هناك اسرائيل المعروفة والمغطاة اعلاميا. ما الذي تحدث عنه الناس في المحطة المركزية في العفولة؟ هل تحدثوا عن فقرهم؟ ماذا دهاكم. تحدثوا عن العرب. تقدم إلي واحد من السكان غير شاب وبسط مشكلته: فهو في طور محاكمة والقاضي، يا ويله، عربي. ‘علموني في غولاني’، قال لي ونحن على فنجان قهوة في المقهى المحلي البائس ‘انه يجب قتل العرب، هذا عنصر يجب اجتثاثه. أنا مستعد لأن يحكموا علي بعشرين سنة حبس لكن لا على يد قاض عربي’. هذا الخطاب العنصري النمطي والأصيل ينمو على قاعدة الازمة الاجتماعية التي يوجد من ينجحون في حرفها عمدا الى هذه المناطق المظلمة. هذا ما ينشأ عن الفقر والجوع حينما توجد سلطة واعلام مستسلمان يصرفان الانتباه عن الازمة الحقيقية الى كراهية الآخر التي هي ملاذ الحاكم والمحكوم.

ويوجد ايضا من يصرفون الانتباه عن الحلول الحقيقية لهذه الازمة: بحيث تُقبل ميزانية الدفاع والمستوطنات الفاضحة باعتبارها قضاء وقدرا وألا يتم الاحتجاج عليها حتى ولا يُسأل هل يجب ان يكون ترتيب أفضليات المجتمع أن يهاجم الجوع هوامشه. وأن تتم مهاجمة من يحاول جعل ترتيب الأفضليات هذا صعبا بأنه ‘لا يفهم شيئا’ و’لا يملك أدوات’، وأنه خائن وكافر. في اليوم الذي نشر فيه تقرير الجوع قضى رئيس الحكومة وقته في ايلات. وكانت الجبال حوله مليئة برجال حرس الحدود، وحلق منطاد في السماء وأشبهت المدينة قلعة، والفندق الذي خطب فيه حصنا، وتجول بنيامين نتنياهو كعادته محاطا بعشرات الرجال الضخام المسلحين والمثيرين للهزء. وهذا يكلفنا لكننا لا نسأل حتى كم ولماذا وعلى حساب من.

هآرتس 1/12/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية