المثقف على محك الثورة

حجم الخط
0

مروان العياصرة ألبير كامو الذي قال (الثقافة هي صرخة البشر في وجه مصيرهم)، هو نفسه الذي قال (لكي تصنع ثقافة لا يكفي أن تضرب بالمسطرة على الأصابع)، أجد مثل هذين القولين لصاحب الإنسان المتمرد الفرنسي ألبير كامو ضرورة في مجال الحديث عن المثقف والثورة، هذه الثورة التي تصنع شكلا جديدا للعالم كله، وليس للعرب وحدهم، وهذا المثقف الذي ما زال يقتات على إرث ماو تسي تونغ منذ اواسط ستينات القرن الماضي وتحديدا منذ العام 1966، يدخل اليوم حيز الجدل في ممارسته الثقافية، وجدل الحضور والغياب، وجدل القيمة والمنفعة، في تناوله لـ (الأربعة القدماء) التي تناولها تونغ في ثورته (الثقافة القديمة والأفكار القديمة، والقيم القديمة والعادات القديمة)، وهي تعني في مختصرها (المجتمع القديم) لأن المجتمع مزيج مدهش من القيم والأفكار والعادات والتقاليد والثقافة.المقاربة مع (تونغ) لافتة إلى المقاربة مع هذا الواقع العربي، الذي يثور على الاستبداد السياسي الذي أصبح قديما بعدما اطاحت الثورات بـِ (أربعة قدماء) من زعماء المد الاستبدادي، وخامسهم سيأتي وإن طال المدى على زورق في بحر من الدم، في سورية، (الأسد) المدجج بالسلاح والموت، الذي يستعيد مجد (دارا الثالث) ملك الفرس في سورية، الذي كان يملك المال والقصور والمرتزقة والفشل أيضا.. فانهزم وتلاشى عرينه، وبقي عار قتله للمرضى والشيوخ والاطفال.لا بأس، فالحديث ليس عن هذا، إنما عن المثقف، الذي ينظر للواقع الملتهب بعين الحيرة والقلق وهو مرتبك الفكرة والرؤية كأن الريح تحته توجهه ولا يوجهها يميناً أو شمالاً، مع الاعتذار لأبي الطيب المتنبي الذي تستأبي مروءته أن يكون على قَلَق، إنما المعنى على حصانه قلِق كان الريح تحته يوجهها يميناً او شمالا.. فمن هذا الدرس الأدبي إلى الدرس الفكري الذي يضع المثقف على محك الثورة بعد عقود من حياة ثقافية وفكرية ممتدة منذ عصر تحرر الوطنيات العربية النظري، إلى عصر بدأ يتشكل فيه التحرر الثقافي والفكري على إيقاع التحرر السياسي من ثقافة الخطاب الرسمي، ونخب الاستبداد والزعامات صاحبة الشرعية التاريخية الملفقة.نعترف ابتداء أن الثورات لم تنجز مشروعها بعد، ولم تحقق أهدافها، وهي ما زالت في أجواء من الضبابية في الأراء والأفكار المتأولة، بين من يتأولها كأداة تفكيكية للمنطقة والدولة القطرية، ومن يتأولها أداة تفكيكية للأنظمة التي استغرقت وجدان وفكر المواطن العربي أزمنة عديدة، كرست خلالها تسطيحا فكريا ممنهجاً، وثقافة ضحلة قشرية، وهنا نستعيد مقولة (كامو) مجددا، في آلية صناعة الثقافة بالمسطرة سواء أكانت أداة للضرب على الأصابع، أو أداة لحفظ توازن المثقف وقياس التزامه وانحرافه في خط سيره وفق النموذج الرسمي، ففي كلتا الحالتين لم تصنع ثقافة، ولم يتجاوز المثقف السلطة، حتى اقترن اسم المثقف بها، على عادة العرب قديما في (شعراء البلاط والمديح)، وعلى عادة مثقفي الأوطان الذين تجاوزهم الشباب أصحاب ثقافة الاتيكيت والموضات والتقليعات المجنونة في ممارسة الوعي، أو عودة الوعي حسب توفيق الحكيم حين قال (لقد أطاح النظام بكل شيء)، حتى أنه أطاح بالحيز بين كتلة المثقف الذي يرفع لافتة أوجاع الروح والوجدان والأوجاع الثقافية المتعددة، وبين كتلة الشاب الذي يرفع لافتة من نوع (إرحل إيدي وجعتني)، فلم يعد مقبولا الآن في عصر الثورات أن يكون حجم السائل المزاح من كتلة المثقف يقاس بالحبر، في حين حجم السائل المزاح من كتلة المواطن العادي يقاس بالدم.. كما لم يعد مقبولا الحديث عن المثقف والثورة تماما مثلما كان الحديث عن المثقف والسلطة والذي دعا لينين ليعلن على الملأ أن (أقرب الناس إلى الخيانة.. هم المثقفون).. والخيانة مختلفة، وأسوأها خيانة الوطن، وأقساها خيانة الذات، تماما مثلما فعل أبوحيان التوحيدي صاحب كتاب (الإمتاع والمؤانسة) لإمتاع حاكم البلاد واصفا إياه بمالك رقاب الأمم، وباسط الأمن والأمان، وناشر العدل والإحسان، وفخر الدنيا والدين، سليمان بن غازي.. محمد الأيوبي، خلد الله مملكته وسلطانه وأعلي عزه وبرهانه، لنكتشف في الترجمات أنه الحاكم الذي استبد وطغى وأهلك، فمثل هذه الخيانة تقود حتما إلى خيانة الذات حين استمرأ أبو حيان التوحيدي إحراق جميع كتبه، مع ما للتوحيدي من قامة سامقة في التاريخ والتراث والثقافة العربية، إلا انه صورة ونموذج لهزيمة الذات العربية المثقفة أمام السلطة.لن نستغرق في الاستدلالات التاريخية، فالحديث إشكالي على مدار التاريخ العربي بقدر ما يشكله المثقف العربي تحديدا من إشكالية في السياق الدلالي النظري، وفي السياق الإستدلالي العملي على حد سواء، وتكشف الثورات الحالية عن مدى الاستجابة التي يقدمها المثقف تجاه سيرورات المجتمعات والنظم السياسة وبنية الدولة القطرية، ومع اهمية المثقف ودوره في سياق الثورة، وقبلها، إلا أن ثمة أهمية كبرى لما بعد الثورة، في الانتقال من الفرد المثقف إلى المثقف التقليدي إلى المثقف العضوي، حسب غرامشي الذي يرى أن كل البشر مثقفون في وجه ما، إلا أنهم ليست لديهم الوظيفية الثقافية الاجتماعية، ولعل مثقفينا من هذا النوع التقليدي صاحب البرج العاجي، في حين ان المثقف العضوي هو الذي يحمل معنى العضوية في بؤس الناس وحرمانهم وفقرهم وأوجاعهم وما يثقل أرواحهم من استبداد وتسلط، وما يثقل أجسادهم من زرد قيود الاستلاب، فأين المثقف من هذا.. وأين هو من ثورة الشعوب وما بعدها.. ‘ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية