خيري منصور
كانت فتة ما بين الحربين العالميتين في النصف الأول من القرن العشرين مجالا حيويا وبامتياز لافرازات ثقافية وفنية هي بمثابة اطروحات مضادة للسائد، ففي الفلسفة كما الشعر والانواع الادبية، بدأ ما كان اقرب الى اليقين يتلاشى مُخليا المكان لشكوك عميقة بكل الموروث الذي انتهى الى حروب مجنونة، ذهب ضحيتها ملايين البشر. وحين التقى عدد من الشعراء والفنانين وقرروا اجتراح آفاق محرمة، كان اول ما فعلوه هو القفز عن الواقع الى ما بعده او ما فوقه، لهذا بحثوا عن اسم للظاهرة التي شرعوا في اقترافها من وجهة نظر الكلاسيكيين خارج المتداول المعرفي، وبالصدفة وحدها اختاروا كلمة دادا، التي لا تعني شيئا على الاطلاق، لكنها قد تعني كل شيء في وقت واحد، وحين خرج الجنرالات والساسة من تلك الحروب هنا والحرب وغبار القبور التي هجع فيها الى الابد من دفعوا ثمن النصر والهزيمة معا ثم يتقاسمون الغنائم او ينتحرون، اتجه الفنانون الى افق آخر بعد ان اعلنت بوصلتهم العصيان على بوصلة الخوذة.
وباختصار كانت السياسة قد بدأت تتجه نحو العقلانية والبرغماتية في التحالفات والمصالح بينما اتجه الفن بما يشحنه من هواجس وثقافات الى اللامعقول، وهكذا عرفت اوروبا بدءا من فرنسا تلك التيارات الادبية التي بشرت بالعدمية والعبث، شعرا ورواية ومسرحا، وما حدث في واقعنا العربي بعد او خلال خمس هزائم شاملة هو العكس تماما، فقد اصبح الادب اكثر وقارا وتهجما، وصار يجنح نحو واقعية رمادية تتعدد اسماؤها للتضليل فقط، فبعض ما كتب تحت عنوان المقاومة كان تكريسا لاسباب التخلف والهزيمة، لأنه تبنى منظومة من المفاهيم والقيم كان من مبررات ولادته الثورة عليها، ومقابل هذه العقلانية والتوجه الاتباعي في الثقافة بدأت السياسة تنوب عن الشعر والرواية ومسرح اللامعقول.
وأية مراجعة ارشيفية حتى لو كانت افقية لنصف قرن من الدادائية السياسية توضح لنا ان دادا العربي كان جنرالا ولم يكن شاعرا او رساما او مسرحيا، وهكذا تم تبادل الأدوار بين الثقافة والسياسة لتوغل السياسة في سورياليتها ودادائيتها بموازاة ثقافة توغل في تقليديتها وارتهانها الجمالي لكل ما هو اتباعي، وهذه ليست المفارقة الاولى ولن تكون الاخيرة في ثقافتنا العربية، فقد حدث ان تزامنت انتصارات سياسية وحداثات مع اخفاقات ادبية.
ولو اخذنا ثلاثة امثلة على الأقل في مراحل مختلفة لاتضح لنا ان المفارقة ذاتها قابلة لاعادة الانتاج، ففي الحقبة الايوبية تحققت وحدة كبرى وتم تحرير القدس لكن بالمقابل تحول شهاب الدين السهروردي الى عورة ثقافية، بعد مَقتله المزدوج عضويا ومعرفيا، وهو الذي مهر خاتمته تلك بكلماته التي استحقت لولا النكران ان تنقش عل شاهدة قبره، كتب السهروردي في ذروة الجوع والظمأ والندم: أرى قدمي اراق دمي. ثم تكررت المفارقة في مصر بعد ثورة يوليو، وقد حدث تزامن دراماتيكي بين التثوير على صعيدي السياسة والاعلام والتضييق على الحداثة الادبية، وتجسد هذا التزامن بين الثورة في السياسة والرجعية في الادب عندما منع شعراء مصر من المشاركة في مؤتمر بلودان للادباء العرب لأنهم موصومون بالحداثة وليس لأي سبب آخر.
والمثال الثالث تجسد في العراق خلال الثمانينات من القرن الماضي، تحديث صناعي وعسكري وشعارات مبشرة بالقطيعة مع الماضي السياسي، مقابل تبشير وتكريس لأردأ ما عرف الشعر العربي من نماذج النظم والمحاكاة، فقد تعايش في القصيدة ذاتها الصاروخ والحصان، والكيماوي المزدوج والسيف، والباتريوت او السلاح المضاد للصواريخ مع درع القعقاع، ولم يكن ممكنا لعربة يقودها حصانان في اتجاهين متعاكسين ان تمضي الى حيث وعد من ركبوها.* * * * * * * * كان واقعنا العربي سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا مرشحا خلال نصف قرن لأن يفرز دادائيات وسورياليات ومستقبليات لم يعرف العالم لها مثيلا من قبل… لكن ما حدث هو العكس تماما، فكلّما ارتفع منسوب العبث واللامعقول في السياسة تراجع هذا المنسوب في الكتابة لتصبح عزفا متكررا على وتر تهرأ لفرط ما اشتبكت عليه الاصابع. وحين كان الجنرالات والانقلابيون من الأميين يغامرون بحمولة الوطن كله في حروب مجانية او صراعات داحسية بسوسية، كانت بعض الكتب تنتهي الى افران الغاز ومفارم الورق في مستودعات الرقابة، بحيث بدت بعض السّير الذاتية كالتي كتبها الراحلان محمد شكري و د. سهيل ادريس كما لو انها تقلب العالم العربي بما عليه وكأنه مجرد مائدة ذات قوائم هشة رغم ان ما جازف به الراحلان وغيرهما ايضا يصبح وقورا وبالغ الكلاسيكية قياسا لما كتبه سارتر وجينيه وميلر وآخرون. كان الشاعر العربي يعاقب وينبذ كالبعير الآجرب لمجرد انه خرج عن تعاليم الخليل بن احمد، لكن من تحولوا الى حراس لأطلال القلاع المهجورة لم يتجرأوا على قول كلمة واحدة لجنرال زجهم بأزمة ابتلعت الاخضر واليابس والطرّي.
ومن خرجوا عن تعاليم السخاوي الذي كتب عن فقه القيادة وعن المنجز الخلدوني حول التمدن والرعوية وموجات الجراد كوفئوا بالتصفيق والحمل على الاعناق، حتى الاخطاء النحوية التي تكتظ بها خطب الاميين من جنرالات الوقت الضائع كانت تقابل بتصفيق اكاديميين وفقهاء في النحو، لأن اميّتهم السياسية اخطر واشد فتكا من امية سادتهم من اولي الأمر واولياء النعم.* * * ** * * * قبل ايام فليلة سمعت من فضائيتين عربيتين متحاربتين، احداهما تنطق باسم نظام في طور الاحتضار والأخرى تنتظر الميراث بفارغ الصبر قصيدة للجواهري، فسألت نفسي هل القصيدة تقبل مثل هذا التضادّ ام ان هناك شاعرين يحملان اسما واحدا، وكان عليّ ان اصل الى استنتاج لا أفرضه على احد، هو ان الادب التقليدي ومنه الشعر يصلح كاللحية كي يلصق بأي وجه، سواء كان وجه قديس او كلوشار او فقيه ديني او كارل ماركس، لأن هناك طلاقا بين النص وسياقه التاريخي، فالاتباعية انبهار بنموذج اكتمل في الماضي والوصفة الجمالية المثالية هي اعادة انتاجه بمفردات اخرى هي في الاغلب مجرد مرادفات لما جاء في الاصل.* * * * * * * * عندما كتب هنري لوفيفر عن الحداثة، كان يضيف الى هذا المصطلح ما يخرجه من نطاق التجريد فيقول (حداثتنا)، لأن الحداثة حداثات وليست واحدة، وكذلك الواقعية واقعيات وليست ثمارا متماثلة في سلة واحدة، والبنيوية ايضا بنيويات قد يقف التكويني منها على الضفة الاخرى من الشكلاني، لكن كلمة الحداثة في ثقافتنا العربية تحولت الى ايقونة او حجر كريم حشي في جدار كوخ من الطين لأنها باختصار ملفقة من موروث مهمل ومترجم قابل للاستعارة، وحين تكون رؤى وسياقا فانها لا تقبل مثل هذا الانتقاء والحذف اللهم الا اذا كانت اشبه بكيس الشحاذ الذي تختلط فيه البامياء بالموز والحلوى مع السمك!!!