سوق ميدان التحرير.. والاكتتاب الحزبي للسياسيين

حجم الخط
0

لا شك أن المتتبع للثورات العربية الحديثة يدرك أن سوق أسهم الأنظمة المتهالكة تبخرت مباشرة لأول وهلة عند ظهور أعراض انفلونزة الأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة رغم ضخ العديد من الترليونات من جيوب الدول العربية لسد فراغ خزائنها وارتفاع مؤشرات المطالبة بحقوق الاكتتاب الجماهيري في سوق أسهم النظام الديمقراطي الذي يجمع أطياف المجتمع. خاصة إذا تعلق الأمر هذه المرة بمؤشرات الحرية والكرامة والديمقراطية التي تطلبت دفع مستحقاتها من أرصدة الشهداء والجرحى، الذين رفعوا ثمن المطالب إلى السعر الحقيقي الذي دفعه الكثير من أزهار المجتمع العربي كبذرة لغرس الثمرات المراد قطافها للأجيال القادمة.. وليس من العسير على النظام العربي التخفي وراء عورات الجيوش المتزمتة واللصيقة بقوة القهر والاستبداد بمفاتيح الخزائن والثروات، والتزلم للاستعمار التقليدي البليد بفقاعات الإسلاميين والإرهابيين والمتطرفين، فقد أصبحت بضاعة كاسدة وتجارة سامة وأصابها الركود الأخلاقي تلك التي تروج للخارج على اعتبار أن ميلاد الشرق الأوسط الجديد يمر بمرحلة ولادة عسيرة، يتطلب التضحية بإسقاط أنظمة برمتها بالقوة الخارجية كالعراق وأفغانستان وتخريب غزة و لبنان و تقسيم اليمن والسودان والتحرش بثوار ليبيا ونهب ثرواتها لعقود وأزمان.

فعلى الرغم من فزاعة الإسلاميين والمتطرفين في مصر والجزائر وتونس فقد تقدم حزب النهضة خطوة إلى الصفوف الأولى لقيادة السوق السياسية في حرم قصر قرطاج الذي لم يكن أحد ليحلم النظر إليه من قريب على الرغم من عزوف رئيسها على شهية الكرسي المغرية لأن الأجواء مكهربة وموصدة ومغلقة أمام أشباه الآدميين من خارج النظام. ولكن عندما سنحت الفرصة الحقيقية لعرض البضاعة السياسية في سوق البورصة الانتخابية خرج المواطن من الميدان متحررا من كل القيود والأغلال التي كانت عليه، لتحديد وجهة المؤشرات الحزبية وتثبيت أسعار المراكز السياسية لمختلف المناصب السياسية في مشهد قل نظيره في التاريخ العربي الحديث، وقد تمت المصادقة على الاكتتاب الجماهيري لهذه الأحزاب التي شكلت فسيفساء طبيعي مصنوع محليا بنكهة الدماء الزكية التي فاح عطرها في ميدان التحرير، ودخلت أطيافها من الباب الأمامي بشرف شفافية صندوق الانتخابات.

أما ميدان التحرير الليبي الذي تلطخ بالدماء من طرف الجميع، رغم المآسي والأحزان التي مر بها الشعب بضعة عقود فقد حفر بنفسه مؤشر السوق الثوري بامتلاكه السلاح لكل أفراده وقد تصبح ليبيا فيما بعد من أهم أسواق الخردة لبقايا مفرقعات النظام القاتلة، والتي لا يزال الكثير منها لم ينفجر بعد وربما تسجل حضورها في كتاب جينس لمعرض السلاح المستهلك في ظرف قياسي يقوم به هواة الفن التشكيلي في الهواء الطلق فالأحزاب لم تتحدد ملامحها بعد، ولا يخفى على أحد ظهور الإسلاميين مرة أخرى على الساحة وفرض أسعارها على السوق السياسية.

أما البورصة السياسية المغربية التي خرج من رحمها المعتدلون الإسلاميون بقوة الوضوح الظاهرة على الانتخابات رغم عدد المنتخبين فما بالك لو صدق الشعب حقيقة الشفافية التي تمــــت بها عملية الاقتراع لسحق بقايا الأحزاب المسوسة والتهمها في مختلف الأرياف والمدن.

فمن يكون له السبق يا ترى هذه المرة في مصر لحجز بطاقته الإئتمانية لفترة انتخابية على الأقل وتشكيل ملامح نظام البورصة السياسية الجديدة وتغيير واجهة الأحزاب البائدة وتقليص التضخم الحزبي الذي طفح به الكيل والقضاء على الربا السياسي والتزوير الحزبي والرشوة الاجتماعية، وإدراج الأسعار الحقيقة والقيم السوقية للكتل السياسية، ومنها تنطلق المعاملات الجديدة لتحديد اتجاهات البوصة الاجتماعية لعلها تكون نموذجا مثاليا لبقية الشعوب العربية والغربية على حد السواء وتتحقق عولمة الثورة العربية التي أشرت إليها فيما سبق ولو إلى حين.

باهي لخضر التبسي – الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية